عندما يجسد الإنسان فكرة يتحد بها ويذوب في خصوصيتها، فإنه يكون قد ارتقى أسمى مراتب إنسانيته، ذلك أن الإنسان بلا فكرة ينسلخ عن إنسانيته وجوهر وجوده ويكون بلا هدف مقدس يسير به نحو الأفكار المتسلسلة للفكرة الأعظم وصولاً إلى الله تعالى.

والشهيد حينما يتمثل في عالمنا كفكرة مقدسة، تحررنا من التدني، يكون شاهداً، ومراقباً، ومحاسباً، ومعاتباً، في لحظات يخون الإنسان فيها فكرة ساكنة مهيمنة على ضميره عندما تداعب أهواءه نغمات الرفاه والدعة واللذة.

وكذلك كان الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي عندما جسد رحلة إنسانية في أعماق الضمير لتستوعب الحاضر وتقلنا إلى المستقبل مروراً بماض كانت فيه التجارب عبرة ذكية لمن يحاول أن يقفز على التاريخ ويسرق آلام الآخرين ويتاجر بها في أسواق النخاسة السياسية، فقد كانت رحلة هذا الشهيد عبر متسلسلة من وقائع خاضها وهو يدافع بفروسية وأصالة عن أمة خانها رجالها في زمن تصدعت فيها النفوس بالإحباط والهزيمة، وفي محيط أصبح التنصل من العقيدة الأصيلة فضيلة يتشدق بها المتعصرنون.

فبرز الشهيد في معركة كانت فيها الفكرة سيفاً رهيفاً بعمق المعنى وقوة الأصالة وعقلانية العقيدة، فخاض حربين؛ حرب تحصّن فيها المتحجرون ضد العصر والزمن وأغلقوا باب العقل وحركة الفكر، وحرب تخندق فيها المنبتّون عن جذور التاريخ الذائبون في فكر الآخر الغالب بتعصب وتقليد أعمى.

وها نحن الآن نقرأ الشهيد الفكرة لنستوحي رؤى تحررنا من قوى الظلام التي تندس بيننا في أجواء الهزيمة والإحباط، هذه الرؤى هي نموذج مقتبس من شاهد حي وضع في طريقنا أهم الأسس الحقيقية لحركتنا وتفكيرنا.

العــــــالم المثقـــــــف

أن يكون العالم عالما لا يكفيه كي يكون معذورا، بل العمل بهذا العلم وفي منتهى الاستطاعة والقدرة، ومسؤولية العالم الديني أن يكون على خط التماس مع بيئته وعصره وهذا مفهوم العمل، كما أن مفهوم العالم يسقط عندما ينفصم عن الواقع الحيوي لان العلم مفهوم متجدد متغير سيّال يتطور وينمو، وقد قال أمير المؤمنين (ع) وهو يوصي كميل: (ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة)، فالعالم الحقيقي هو العالم المثقف المداهم لعصره المتداخل بعلمه مع حركته الحيوية، فتنبثق من هذا التفاعل رؤية عصرية قادرة على قراءة الواقع بدقة، فهو بهذا التكامل بين الثقافة العصرية والأصالة في الجذور يقدم عطاءاً متقداً في أزمان متغيرة، يقول الإمام علي (ع): (يا حملة القرآن اعملوا به؛ فإن العالم من عمل بما علم ووافق عمله علمه)، فكيف نتوقع من عالم قد انقطع عن الحياة وفارق الزمان وتحصن في اجتهادات عصور فاتت وأفكار نُسخت أن يؤدي مسؤوليته الدينية في عطاء وفكر يتناسب مع العصر المتغير؟.

إن أهم دور يقوم به العالم العصري هو الخروج من حالة الوعظ القائم على التخويف والترغيب إلى عملية التثقيف وبناء الآخرين وتربيتهم أخلاقيا وفكريا بالأساليب العلمية والعقلية الاستدلالية، بحيث تتحقق الأسس القوية للفرد عقائدياً وفكرياً، فالوعظ يقوم بدور المحافظة على السلوك الانفعالي ومنع تجرؤ الفرد على تجاوز الحدود، وهو رادع لا يؤدي إلى بناء الفرد، بل تنتهي فاعليته بارتفاعه؛ وكثيراً ما يصاب فيه الفرد بانفصام في الشخصية، وازدواجية بين شخصية متزمتة بالأصول وأخرى مستسلمة للعصر، بينما التثقيف يؤدي إلى عملية تربوية ينسجم فيها الفرد أخلاقياً وفكرياً مع أسسه وعصره، وقد قال الإمام علي (ع) في وصف هكذا علماء: (رُب حامل فقه غير فقيه ومن لم ينفعه علمه ضرّه جهله). فالعالم الفقيه هو المتفقه بعصره، وقد كان الشهيد عالماً.. مثقفاً.. أديباً.. مستوعباً لعلوم العصر.. مؤسساً.. مربياً.. والشهادات التي نقرأها في ملف العدد توضح لنا الصورة.

المــــثقف العالــــم

ظهرت في العقود الماضية موجات متتالية من المثقفين تحمل لواء التقدم ومواكبة العصر راحت تشن هجمات غير عقلانية ضد رجال الدين تتهمهم بالتخلف والرجعية، ولاشك كان ذلك رد فعل لعدم وجود تحرك حقيقي لرجال الدين، ولكن وظيفة المثقف المؤمن هي أكبر من الاكتفاء بإلقاء اللوم والمسؤولية على الآخرين، فالعلم ليس ملكاً خاصاً بطبقة معينة بل هو وظيفة شرعية يتحملها الجميع؛ لذلك فإن المثقف العصري يواجه إشكالات أساسية حيث أخذ يكرر نفس الأساليب التي حاول أن يتنصل منها وانتقدها؛ فهو يمارس التخلف بشكل جديد بعد أن أصبح أسيراً لهذا الواقع العاجز؛ إذ هو يستخدم الاستبداد لإلغاء الآخرين، واحتكار الساحة، وتحميل الطبقية الثقافية، والانعزال النخبوي عن الجماهير، والوقوع في صدام معها ومع الطبقات الأخرى عندما رفع راية الحرب على التراث والأصول، فهو لكي يساير موجة الانفتاح والعصرنة، يحاول تهديم الأسس العقائدية والثوابت التي قام عليها الدين!.

وتنبع مشكلة المثقف العصري من محاولة تقمصه لدور العالم الديني وتحوله إلى بديل عنه، دون توفره على المؤهلات العلمية التي تجعله متخصصاً في الاجتهاد والإفتاء، فأخذ المثقف يحاول الاجتهاد بثقافته العادية غير المتخصصة، وأن يفسّر الدين وينظر للنصوص بالقياس والرأي دون الاعتماد على قواعد علمية ومنهجية تبرّر هذا الاستدلال؛ ولذلك أنتج بعض هؤلاء أفكاراً مائلة تعتمد على الاستحسان الذاتي، وبمعايير قائمة على ثقافة مستوردة من خارج البيئة فعالج التخلف بالتقليد الأسوأ والتصنيع المزيف.

إن ما هو مطلوب من المثقف هو أن يجعل من ثقافته علماً حقيقياً قائماً على الأسس التخصصية في البحث العلمي الاجتهادي في الإسلام.

أصــــــالة العقيــــــدة

هناك الكثير ممن يحاول، باسم التجديد والاجتهاد ونقد التراث، الطعن في الأسس الدينية والثوابت العقائدية التي قامت عليها الشريعة، وهو سلاح خطير يمكن أن يؤدي إلى انحرافات كبيرة على مستوى المستقبل؛ والسبب الأساسي لهذا الأمر هو محاولة التوائم مع ما طرحته الحضارة الغربية من فكر حديث، خصوصا أن النهضة الغربية قامت على أساس عزل الدين عن العلم، وتجديد المسيحية بأسلوب يتناسب مع الشكل الحديث لها.

ولكن ما غاب عنهم أن العصرنة لا تعني نسف العقائد والثوابت بقدر ما هي تطوير الخطاب ليلائم التطورات الحديثة، وإلا فإن الكليات، تطبيقات ثابتة في الفكر الإنساني المشترك وما يتغير هو تطبيقاتها المختلفة في كل مكان وزمان.. إن المشكلة ليست في عملية النقد والتحليل بذاتها، إذ إن هذا من حق كل إنسان يريد الوصول إلى الحقيقة، عبر الاستدلال العقلي وهذا ما تناولته الكتب الاستدلالية في تحليل العقائد بالدليل العقلي المنهجي، ولكن المشكلة تكمن في محاولة نسفها عبر التجديد المطلق.

فليست العصرنة هي التخلي عن الثوابت، وليست الأصالة هي التشبث المطلق والتحجر الأعمى، فالأصالة وعي وإدراك لحقيقة الثوابت التي قامت عليها العقيدة، وهي عكس التحجر والتمسك الأعمى بالأصول، وليس هناك تناقض بين الأصالة والمعاصرة؛ إذ بينهما ثنائية في المفهوم ووحدة في المصداق، فيشكلان حركة حضارية واعية، لأن الأصالة تتحقق بفهم استدلالي، والمعاصرة تعني القدرة على الانسجام مع الواقع والمتغيرات مع الالتزام بالثوابت.

إن التخلي عن الثوابت بداعي العصرنة يعني التخلي عن الهوية بشكل مطلق وتضييع كل التراكم الحضاري الإسلامي وبالتالي التحول الشاذ نحو الهوية الفوضوية للحضارة الغربية.

وتبقى الأصالة هي محور قوة الفكر الحديث على الدخول في العصر الحديث وترجمة حركة التجديد إلى حركة منطقية عقلانية دون ضياع الهوية والذات.

لقد كان الشهيد نموذجا لحركة الأصالة المتسلحة بثوابت العقيدة المتحركة بإيمان ويقين نحو اختراق العصر الحديث دون خوف أو وجل، وكان قادرا على إحداث تغيير كبير في الساحة لازالت تموجاته تتفاعل لحد الآن.

نستمد من الشهيد حركة العالم المثقف المتسلح بالأصالة نحو التجديد والإصلاح والتحديث.

* مقال منشور في مجلة النبأ العدد (61)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0