إحْذرْ مَنْ لمْ يُحرِز استِطاعة الاستماع لجُملة تامّة حين يُخاطَب. فبعض الأفراد "عجيب" دون الخَلْق تفاعلا مع الآخرين وكأنّ جَرَسَيّ إنذار معلقان بصيواني أُذنَيْه، فلا يسمع مِنْ أَحدٍ جُملة مُفيدة تامّة.. قُصارى ما يتناهى إلى سَمْعه ربْعُ جُملة!.. عند الرُبْع الأول مِنْ جُملة تدفعها إليه؛ تَرِنّ أجراسُ الإنْذار فتَهتزّ رأسُه، وتخونه الكلمات. فلا يَلبَث أنْ يقاطعك بأعصابه، فتَسمع مِنْه قولاً غير الّذي يقوله النّاس الأسْوياء.

إنْ اجتمع اثنان مِن هذا الصّنف في لقاء "ودّي"؛ فكلاهما يتحدث في اللحظة ذاتها والآذان مقفلة حذر السمع.. لقاؤهما "لقاء متحدثين لا مستمعين"!

ما أَقبْح الجهل!.. إنّه مُصيبة العقل بِمُراد الجاهل نفسه لا بِمُراد قوة أُخرى.. إنّه يعمل على تعطيل أدوات الحِسّ وآلة التّصوّر قبل التّصديق والإذعان.. إنّه يعتقد بكمال نفسه وتخلّف الآخرين.

المَقْتُ مِنْ عادات هذا الصّنف مِن النّاس.. فكلُ جُملة عِتاب على نقص أو تقصير تُساق إليه؛ يَحسبها صيحة عليه قبل أنْ يستكمل المُعاتب مفردات جملته!.

المَقْتُ: أَشدّ البُغض والكراهية.. والعِتاب هو اللّوم في قول لَيِّن بلا توبيخ، والإخْبار عن نقص أو تقصير بلطف ورفق يتبعهما رجاء بالأفضل. وفي الرّواية الشّريفة عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: "لا تُعاتِبَ الجاهِلَ فَيَمْقُتْكَ، وعاتِبِ العاقِلَ يُحْبِبْك".

العاقلُ يرى في عِتاب الآخرين له حِرصاً منهم على مصلحته فيَلتمس منهم المزيد ويسمع لقولهم بلا حدود، لأنه ينشد الكمال ويطلبه.

في المُقاربة والُمفارقة أَنَّك لو عاتبت شخصية سياسية حزبية على تقصيرها أو تخبّطها في النّضال برأي أو بموقف مصيري، فجاءك الرّد مِن أتباعه ومريديه عاصفا قاصفا، لا يخلو مِن أَشدِّ ألفاظ العداوة والبغضاء والكراهية، فأيٌ منهما نستطيع وصفه بالجهل: الشّخصية أَم الأتباع والمُريدين؟!

‏في السّياسة أو التّحزب ترى خلفيات المَقْت والبُغض والكراهية "فالْته" بلا ضوابط ولا معايير يُمكن الركون إليها.. وكذلك مفهوم العتاب "فالِت" بلا عقال.. فإنْ أَخْلْصتَ في العتاب؛ يُقال لك أَنّ العتاب يخفي وراءه ما يخفي، و"أَنّ وراء الأكمة ما وراءها"!.. العتاب في السّياسة تحطيمٌ وتسقيطٌ وإذلاٌل، وأَنّ الرّاد على المُعاتب بِمَقْت ليس جاهلا بل في قِمّة والوعي والكمال العقلي، وهل يرقى إلى فَنّ السّياسة إلا فنٌ مثله ينضح خبثا ومكرا ودهاء ونفاق !

عالَمُ السّياسة لا يشتغل وفق معايير القِيم التي ورثناها عن أهل البيت صلوات الله عليهم.. ولكنّ السياسيين يتظاهرون بالإيمان والتقوى والورع، وينفردون بتأويلها للنّاس ويحثونهم على التّمسك بها!

يُذكر في سِيَر التّأريخ المسيحي القديم أنّ الملوك والأمراء يمارسون كل عمل شاذٍ مخالف للتعاليم العقدية والأخلاقية المسيحية، والكنيسة إزاء ذلك تُشرّع لهم الشذوذ لأَنّه مِن ضرورات السّياسة. فما للربّ للربّ وما لقيصر لقيصر.. الدّين للكنيسة والسّياسة للملوك والأمراء. وبعد كفاح فكري خاضه فلاسفتهم؛ تمخّض "الحكم المطلق" للملوك والأمراء عنه، وانتقلت صلاحية الكنيسة إليهم، فماذا حصل؟

جمَعَ الملوك والأمراء بين ضرورات السّياسة وضرورات الدّين في شكل نِفاق عظيم.. الملك والأمير أصبحا ظِلّا للربّ، واختلطت لديهما القِيم بِضدِّها، والمُعاتب مِن كل فئات المجتمع كان جزاؤه المقصلة!

مَنْ يُقْصَد به العِتاب أَصْبح ظِلّا لِلربّ في مفهوم أَتْباعه ومُريديه، وهو مِنْ خلفهم يُنذر ويُحذر مِن أَي عتب يَسوقه الآخرون لنقص أو تقصير يرتكبه، لأنهم في عُرف السلطة المطلقة يخفون وراء عتابهم سيوفَهم ويبغون "الغَدْرة" حتماً.. حتى قال قائل: أَنّ الوحيد الذي يستحق الجائزة ويُحمد على أخطائه هُم الملوك والأمراء بلا منازع!

كيف نُصنّف الملك أو الأمير في الحكم المُطلق؟ وإلى أَي فئة نَنْسبه: هل هو "جاهلٌ" فنحذر َمقْتَه؟! أَمْ هو العاقلُ الذي نستمطر حبَّه عند العِتاب؟!

أَظن أَنّ الجهل القبيح المعني هنا مِن مَختصّات السّياسي، لا يقابل بمعنى الذّكاء او المكر والدّهاء. لذلك كانت إِمْرَة السّياسي لا تَعادل عفطة عنز. ِإذنْ فما حكم مَن يسعى في تعظيم السّياسي "الزعيم/القائد" ويَجعل مِنْه بين النّاس هديّة السماء بمعاني مخاتلة أو مراوغة أو مضللة.

في البلاد المسيحية القديمة نَشَط الفكر الفلسفي مِن أجل نَقل السّلطة الدّينية إلى السّاسة الملوك الأمراء وتجريدها مِن هيمنة الكنيسة التي بطشت وأرهبت.. وفي بلاد المسلمين نَشَط الفكر الفلسفي في سبيل نقل السُّلطة السياسية إلى أهل الدّين والتّقوى والورع فهم أعرف بالعقيدة والشّرع وأكثر التزاما بالأخلاق!

‏ومِنْ شأن السّياسي إذا ما بَسَط يده على السُّلطة الدِّينية فإنَّه سيُسخّرها لأحكام السّياسة، وسيتظاهر بصفته السّياسية ويكتم دينَه ويجعل منه خلفيّة خفيفة الظّلّ، فيَأْمن النّاس دنياهم ويتمتعون بنظامهم.. فهلْ مِن شَأنِ أَهل الدّين إذا ما بسطوا أيديهم على السُّلطة السّياسية العمل على تسخيرها لخدمة الدّين، فيَحْلُل بهم نظام المِلّة والأمان مِنَ الفرقة؟!.. كيف يكون لهم ذلك والسّياسة أقوى مِن الدّين حُكما وواقعاً.. الواقعُ هو "الشّيطان الأكبر"، لكنّ العادة جرت للخروج مِنْ هذا المأزق؛ أَنّ الدّيني يتظاهر بالدّين ويَكْتم السّياسة في نفسه، ثم يُبادر إلى الأدْوار فيُقسّمها، ويجعل لمتنفذيه الدّور السّياسي يتظاهرون بالاستقلال في قراراته. هنا يَستبِين العاقل مِن الجاهل عند الِعتاب، فاحْذر!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1