تقف إجلالا وأنت ترى تقدم بلادنا وازدهارها وديمقراطيتها، وتسنم الكفوئين المخلصين من السياسيين الى مراكز القرار، ودفاعهم المستميت عن حقوق بلادهم وشعبهم، وترثي لحالهم وهم لا يجدون فرصة لإراحة بالهم وأجسادهم. حتى تذرف الدمع تعاطفا معهم.

وحين تمارس المجتمع، تنبهر بالتزام الناس بالقوانين الدينية والوضعية المنظمة لحياة الإنسان، إذ يكاد القضاة أن يقدموا استقالاتهم وهم ينظرون الى أروقة المحاكم خالية من الدعاوى والمدّعين، والمحامون يفتشون عن فرصة عمل للعيش غير مهنتهم الراكدة. والناس في انسجام ودعة وتفاهم، سواء في أعمالهم أو في عوائلهم، كل قد عرف ما له وما عليه.

وتقف بإجلال واحترام للشباب الملتزم وهو يؤدي ما عليه من طلب العلم والتفوق، ويسجل أعلى عدد من (براءات الاختراع) في بلد الحضارات والأنبياء والأئمة، وتراه شديد التقيد بالأخلاق الاجتماعية الأصيلة، ويراعي في ملبسه و(موبايله) وقصات شعره حالة المجتمع الإسلامي المحافظ الذي يعيش في كنفه.

ويصيب قدمك الإعياء وأنت تفتش في الأحياء الشعبية عن فقير أو متسول أو يتيم محروم، فلا تجد منهم أحدا.

وإذا أردت أن تتنزه بسيارتك وأنت تحمل فيها عائلتك، فما عليك إلا أن تأخذهم في رحلة عبر الشوارع الصافية كالعقيق، والنظيفة كالسماء الزرقاء، والمكسوة من جانبيها بما يمتع ناظريك من الحجر والشجر. وعطر النسيم يأخذ بالألباب سحرا ورونقا ورائحة.

وعبثا تحاول أن تجد شخصا عاطلا عن العمل، أو أسرة فقدت كافلا من دون معين، أو مريضا لا يجد من يداوي مرضه في مشفى، فلن تجد لمثل ما ذكرت من ذِكر أو وجود، لأنك تعيش في مملكة الفضلاء، وليس للمرض محل، ولا للفقر موضع، ولا للتقصير وجود.

وإذا جال بخاطرك أن تأوي إلى بيتك بعد تعب العمل، وحرارة الجو، فقد اتخذت أصوب القرارات. فعوامل الرفاهية داخل البيت أكثر من أن تحصى، خصوصا الكهرباء الذي لا يعرف الانقطاع منذ عشرات السنين، وعذوبة الماء الزلال وهو يجري في الأنابيب، وهذا الهدوء القاتل، الذي لا تسمع فيه صوت مولد ولا مبرد.

قد تحسب أن عوامل التقدم والازدهار والنعيم التي سردتها يرجع فضلها الى سياسيينا المخلصين، الذين أذابوا زهرة شبابهم وهم يدافعون عن حقوق شعبهم.

ولكنك يا أخي – وللأسف – مخطئ في تصورك وتقديرك للأمور; فإن مجتمعنا العراقي مجتمع قائم على الوجود القبلي والعشائري، ولكل واحدة من هذه العشائر رئيس (شيخ العشيرة)، وأغلب القرارات المصيرية والمفصلية في حياة الناس إنما مبدؤها ومنطلقها هو (شيوخ العشائر):

● فالانتخابات التي ترسم سياسة البلد، وتضع المسؤولين في مواقعهم التشريعية والتنفيذية، زمامها بيد (شيوخ العشائر)، لأنهم الحريصون على إرشاد أفراد عشيرتهم، وتوجيههم لاختيار الكفوء النزيه، ولا يسمحون لأحد أن يشتري صوتا من عشيرته، ولو بأغلى الأثمان، لأنه يعلم أن مستقبل أبناء عشيرته أمانة في عنقه، وتنحني تقديرا لهم حينما تراهم لا يقبلون من رئيس كتلة أو تيار أي مبلغ أو امتياز أو(مناقصة) أو(مزايدة)، إذ يعدّون ذلك خيانة لوطنهم وشعبهم ودينهم وضميرهم.

● أما مراقبة انضباط أفراد العشيرة ومراقبة تصرفاتها وتعديلها وتقويمها، فهي – أيضا - من وظيفة (شيوخ العشائر)، لأنهم الأحرص من غيرهم على إبراز أفراد عشيرتهم بوجه ناصع، وأفعال كريمة، وتصرفات حميدة، فتراهم دؤوبي المراقبة لتقويم سلوك شبابهم، حتى إذ صدر من أحدهم خطأ، أو جريمة أو جناية، سارعوا الى ردع الفاعل، وإحقاق الحق، حتى لو كان في غير صالح عشيرته، ولا تأخذهم عصبية قبلية، ولا ينصرون أخاهم (ظالما)، بل يقدم (شيخ العشيرة) من ارتكب جناية الى العدالة ليجازى بما اقترفت يداه، ولا يقبل بـ(السانية) لأنها خلاف ما أنزل الله تعالى من أحكام، بل يرجعون في تحديد العقوبات الى القانون والى الشرع الحنيف.

● وإياك أن تفكر أن تجعل لشيخ العشيرة حصة من أموال (الفصول العشائرية)، فإن نفوسهم الأبية وشهامتهم، وتدينهم، وورعهم وزهدهم، تأبى عليهم أن يستلموا فلسا واحدا من أموال الفقراء والمظلومين.

● وإذا فكرت أن تعرض معلوماتك في مجال اختصاصك على (شيخ العشيرة)، سواء كنت عالما في الدين أو الطب أو الهندسة أو السياسة أو (الباراسايكولوجي)، فأنت مخطئ جدا، فأنت أمام عالم موسوعي، قد أحاط بكل شيء علما، واحصى كل شيء عددا. ومصيرك الخجل والإحراج.

فشكرا لـ(شيوخ عشائرنا) على هذا الجهد والإخلاص والأمانة والرعاية الأبوية لأبناء عشائركم ووطنكم، واعلموا أن ما تبذلونه من جهود وأموال وتعب وإخلاص لا يضيع عند الله. وأدعو ربي أن يجزيكم على تلك الجهود المشكورة في الدنيا قبل الآخرة، فهو على كل شيء قدير.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0