في عالم مكشوف بلا حدود. الصيام، ليس طقسًا يُمارَس خارج الزمن، بل تجربة تُعاد قراءتها في كل عصر. وفي زمن الشاشات، يظل الصيام مساحة نادرة لإعادة التوازن بين الروح والعالم الرقمي، وبين الإنسان وما صنعه بيديه. فهو ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل استعادة للمعنى في عالمٍ لا يشبع...

لم يعد الصيام اليوم تجربة تُمارَس في فضاء هادئ أو زمن بطيء، كما كان الحال في مجتمعات أقل تشابكًا وأقل ضجيجًا. نحن، اليوم، نصوم في عالمٍ تحكمه الشاشات، وتُدار فيه العلاقات والأفكار والانفعالات عبر منصات رقمية لا تنام.

 وفي هذا السياق الجديد، تبرز أسئلة مختلفة حول معنى الصيام وجدواه: ماذا يعني أن نصوم في زمن الإشعارات المتواصلة، والتدفّق اللامتناهي للمحتوى، والتفاعل السريع الذي لا يترك مساحة للتأمل؟

يضع القرآن الكريم الغاية من الصيام في إطار أخلاقي عميق حين يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾البقرة (183). 

والتقوى هنا ليست حالة روحية منعزلة عن الواقع، بل وعيٌ عمليٌّ ينعكس في السلوك اليومي، وفي القدرة على ضبط النفس أمام الرغبة والاندفاع. وهي قيمة تزداد أهميتها في بيئة رقمية تقوم على الإثارة السريعة، والانفعال اللحظي، وتغذية الجدل بوصفه مادة للتفاعل.

في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، لا يقتصر الصيام على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمتد –في معناه الأوسع– إلى صيام اللسان الرقمي، وصيام الصورة، وصيام الرأي غير المسؤول. فكم من صيامٍ يفقد معناه حين تتحول المنصات إلى ساحات إساءة أو سخرية أو تصفية حسابات؟ هنا يستعيد الحديث النبوي الشريف دلالته المعاصرة حين يقول النبي محمد (صلى الله عليه واله): (مَن لم يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَهُ وشرابَه).

هذا الحديث لا يوجّه نقده إلى الجسد، بل إلى السلوك. فالصيام الذي لا ينعكس تهذيبًا للكلمة، واحترامًا للاختلاف، وضبطًا للغضب، يبقى ممارسة شكلية مهما اكتملت شروطه الفقهية. وفي العصر الرقمي، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر، إذ أصبحت الكلمة المكتوبة، والصورة المنشورة، والتعليق العابر، أفعالًا ذات أثر أخلاقي واجتماعي مباشر.

الصيام في العالم الرقمي ليس دعوة إلى الانسحاب من التكنولوجيا، ولا إلى القطيعة مع الواقع المعاصر، بل هو محاولة لإعادة تنظيم العلاقة معها. إنه تدريب سنوي على التخفيف من الاستهلاك المفرط، لا استهلاك الطعام فحسب، بل استهلاك الأخبار، والآراء، والانفعالات. ففي عالمٍ يُغرق الإنسان بالمحتوى، يمنح الصيام فرصة نادرة للصمت، وللاختيار الواعي، وللسؤال الضروري: هل نحتاج فعلًا إلى كل ما نراه ونشاركه؟

ومن هنا، يصبح الصيام طريقًا لا امتناعًا. طريقًا يعيد التوازن بين الجسد والروح، وبين الحضور الرقمي والحضور الإنساني. فالقرب من الله، الذي يشكّل جوهر التجربة الرمضانية، لا يتحقق عبر الاستعراض أو المظاهر، بل في لحظات الصدق الهادئة التي لا تُنشر ولا تُوثَّق. وقد عبّر النبي (صلى الله عليه وآله) عن هذا البعد الروحي بقوله: "للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه"، وهي فرحة تتجاوز اللحظة الآنية إلى إحساس أعمق بالسكينة، في عالم اعتاد قياس القيمة بالنتائج السريعة.

كما لا ينفصل الصيام عن بعده الاجتماعي، لا سيما في فضاء رقمي تتراجع فيه أحيانًا لغة الاحترام أمام سرعة التفاعل. فالقيم التي يعززها رمضان – من رحمة، وضبط، وإحسان – ينبغي أن تنعكس في الخطاب الإلكتروني كما في الواقع المادي. ويأتي التوجيه القرآني واضحًا في هذا السياق:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾البقرة (183). وهو توجيه يتجاوز الزمان والمكان ليشمل اليوم التعليق، والمشاركة، وإعادة النشر، وكل أشكال التواصل الحديثة.

وفي هذا السياق الاجتماعي ذاته، تبرز ظاهرة باتت تتكرر في شهر رمضان، وهي نشر صور الموائد المملوءة بالطعام وقت الإفطار عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه الممارسات، وإن قُدّمت أحيانًا بوصفها تعبيرًا عن الفرح أو الكرم، تحمل في واقعها أثرًا سلبيًا يتعارض مع جوهر الصيام ومعناه الإنساني. ففي عالم يعاني فيه كثيرون من الفقر والحاجة، تتحول هذه الصور إلى تذكير قاسٍ بالفوارق الطبقية، وإلى استعراض لا يراعي مشاعر من لا يملكون القدرة على توفير الحد الأدنى من الطعام. 

كما أنها تُفرغ الصيام من بعده الأخلاقي، وتحوّل المناسبة الروحية إلى مشهد استهلاكي يُقاس فيه رمضان بوفرة الأطباق لا بعمق المعنى. إن الصيام، بوصفه تجربة تضامن وشعور بالآخر، يفقد شيئًا من رسالته حين يُستبدل بالإفراط والاستعراض، بدل البساطة والإحسان الصامت.

في زمن تتحول فيه المنصات إلى مساحات ضغط نفسي ومقارنات قاسية، يقدّم الصيام معنى مختلفًا للحرية. حرية أن يقول الإنسان “لا” لرغبة آنية، أو لتعليق جارح، أو لمشاركة لا تضيف معنى. ولهذا وصف النبي (ص) الصيام بأنه (جُنَّة)، أي وقاية للنفس، وحصانة للوعي، وسياج أخلاقي في عالم مكشوف بلا حدود.

الصيام، في النهاية، ليس طقسًا يُمارَس خارج الزمن، بل تجربة تُعاد قراءتها في كل عصر. وفي زمن الشاشات، يظل الصيام مساحة نادرة لإعادة التوازن بين الروح والعالم الرقمي، وبين الإنسان وما صنعه بيديه. فهو ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل استعادة للمعنى في عالمٍ لا يشبع... رمضان كريم.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق