يُعرف المختصون والباحثون العمل المؤسسي بأنه ذلك التجمع المنظم حسب لوائح، حيث يتم توزيع العمل فيه على الإدارات المتخصصة بهدف تحسين الأداء وبلوغ الأهداف التي من أجلها أنشئت هذه المنظمات والمؤسسات.

ونعتقد أن التحديات التي تواجه الإنسان اليوم، والإنسان في الشرق على وجه الخصوص كفيلة بأن تجعل التكاتف في الجهود ضرورة ملحة؛ لتأصيل مبدأ مهم وهو المدنية. وهو مبدأ التعاون والعمل الجماعي ما يضمن استقراراً عملياً بعيداً عن أي ضعف يتعرض له دائماً العمل القائم على نحو فردي، والذي دائماً ما يكون عرضة للتغيير والخلخلة وعدم الاستقرار فضلاً عن أن العمل الجماعي ضمن الإطار المؤسسي يضمن اجتهاد إدارته في اختيار المناسب من الموارد البشرية والتي تساهم بدورها في تحقيق التنمية المنشودة والوصول بالمؤسسة وأهدافها إلى شاطئ الأمان.

العراق اليوم مقبل على تجربة انتخابية برلمانية جديدة صارت حديث العراقيين الذين يشاهدون مفردة "المدنية" في أكثر من قائمة انتخابية، الأمر الذي جعلهم يستفهمون عن فحوى هذه المفردة التي تتواجد في أجندات القوائم المختلفة فكرياً. فهل هي مفردة للاستهلاك الانتخابي؟ أم يمكن تحويلها إلى واقع حقيقي؟

الفهم الخاطىء لدى أكثرية الشعب هو أن مفردة المدنية ترتبط بجهات معينة تتخذ العلمانية سبيلاً لها وطريقة لإدارة الحكم. وقد تبدد هذا الفهم من خلال بيان المرجعية الدينية الذي ركز على آليات تمثل الفحوى الحقيقي للمدنية كمفهوم يعتمد حرية التعبير، وذلك من خلال حث الناخبين على اختيار ممثليهم بعيداً عن المنطق القومي أو المذهبي، وأن يكون الاختيار على أساس الكفاءة حصراً مع التركيز على خلفية المرشح على صعيد السلوك الوظيفي والاجتماعي قبل أن يترشح للانتخابات، كما ركزت ــ وهي صاحبة فتوى الجهاد الكفائي ــ على ضرورة عدم استغلال العناوين التي لها تأثيرات إيجابية عالية في نفوس المواطنين بهدف الترويج الانتخابي.

وهذا يدل على أن مدنية واضحة وصريحة تبنتها مرجعية بتوجهات دينية، ما يقطع الطريق على كل الذين يحاولون اختصار هذه المفردة بشعارات أو بسلوكيات من قبيل شرب الخمر أو المناداة بأخلاقيات تبتعد عن الخصوصية المجتمعية كما ظهر في كلام أحد النواب وهو يطلب من شريحة شاربي الخمور بانتخابه، وكأن الحريات المدنية تقتصر على هذه الممارسات. لماذا لم يركز هذا المرشح "المدني" في كلامه على ضرورة إصلاح المؤسسات بدلا من مطالبته الغريبة باستغلال شريحة معينة انزعج أصحابها نفسهم من طريقة طرحه؟ بينما نجد جهة تمثل توجهاً دينياً خالصاً تنادي بأشياء اتفق كثيرون على انها تجسد معنى أن يكون الإنسان حراً في اختياره، وخصوصاً في قضية حساسة ومصيرية كقضية الانتخابات البرلمانية.

كان البيان واضحاً، وبدد أي إشكالية لفهم المدنية، بل ولفهم ملامح المجتمع المدني التي تُساء قراءتها. فحتى هذه اللحظة، مازلنا ننظرُ ونُنَظِّرُ لمفهوم المجتمع المدني منطلقين من رؤيتين، تنتمي الأولى للشروحات الليبرالية الكلاسيكية، والتي تنتمي زمنياً للقرن الثامن عشر، بينما تمظهرت الثانية باعتمادها الطرح الليبرالي الحديث. وإذا كانت قضية التعاطي مع المفاهيم خاضعة لسياقاتها التاريخية؛ فإن ذلك لن يمنع الحديث برؤية جديدة تستند إلى التجارب المعاصرة، وتخالف السائد من التنظيرات المهتمة بفهم المجتمع المدني، وفهم دوره في هذه الحياة.

والواقع أن المدنية يمكن تحديد هويتها وملامحها من دون الرجوع إلى الرؤيتين السابقتين، من خلال الاعتماد على الخصوصية الحضارية، وكذلك بوضع أصابع التشخيص على تناقضات المطالبين بالمدنية بعد اختصارها على السلوكيات التي تحدثنا عنها، وبتعزيز شعور الفرد بحريته؛ ليؤمن بأنه غير مُتَسلَّط عليه، وبذلك سيكون لنا مجتمعنا المدني الذي يعزز من قيم المواطنة، وجعلها في المقام الأول مع الاحتفاظ بالعناوين الدينية والمذهبية والعرقية، والتركيز على أهمية النظر لتنوع هذه العناوين على أنه تنوع ثقافي ومعرفي يعزز التعايش وتبادل الثقافات بين أفراد الأمة، وتخليص العقل من الشوائب الماضوية التي طالما عززت ورسخت لمفاهيم التعالي والغرور عبر الفخر بالأنساب والقبائل.

وإذا أردنا أن نفهم المدنية بعيداً عن الشعارات، والأجندات؛ لابد لنا من البحث عن علاقة تكاملية بينها وبين واقع المجتمع الذي يراد أن تنتعش فيه على مستوى النظرية والتطبيق.

ونعتقد أن المهيمن الرئيس لشكل العلاقة هو الدولة بحد ذاتها، حيث أن قيامها بعد عملية الانتخابات على نظام مؤسسي ينتعش بعد عملية اختيار صحيحة وواعية من المواطنين لممثلهيم؛ سيجعل المؤسسات المعنية بالمجتمع المدني داعمة لتوجهات الدولة. وليس صحيحاً اعتبار المنظمات المعنية بالمجتمع المدني مصدر معارضة للسلطة على طول الخط، خصوصاً في عالمنا اليوم، والذي شهد عديد التحولات التي أفرزت زوال الكثير من الأنظمة الشمولية التي غيبت مجتمعاتها عن دورها، ما يعني أن الفرصة أصبحت في متناول اليد لتحقيق تكاملية العلاقة، وهو ما يلزم أن تكون المنظمات واعية لمسؤوليتها ودورها الإصلاحي في تعزيز مبادىء حقوق الإنسان، والتنمية البشرية، ونبذ العنف والتطرف بكل صورهما، وقبول الآخر والتعاطي معه من دون عقد، فضلاً عن المساهمة في صياغة السياسات العامة للدولة بالتعاون مع مؤسسات الحكومة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0