آراء وافكار - مقالات الكتاب

تسويق اللا مبدأ آفة فكرية خطيرة

قراءة في تداخل الفكر بالسياسة

أكبر مأزق يمكن أن يجعل العالم الانساني في تدهور؛ هو محاولات نقل تعريف السياسة إلى الفكر، فالسياسة وفق المفهوم المتعارف عليه هي : "فن الممكن" ، أي أن المبادىء خاضعة للتجزئة بعد أن تتحكم المصالح لدرجة إمكانية ذوبان اليمين باليسار، وعقد مصالحة إيديولوجية مؤقتة قد تنهار بعد نشوء أي خلاف بسيط يعرض مصلحة (سين) للتراجع الذي يُمَكِّنُ مصلحة (صاد) من التقدم على حسابها.

مثل هذه الحالات تحضر في السياسة وفي جهات عديدة من الخريطة العالمية، لكن أن تنتقل مع المتغيرات الكثيرة التي نشهدها اليوم إلى الفكر؛ فإن ذلك يعني أن قضية إنتاج الأفكار معرضة للكثير من التشوهات والعاهات؛ لأن الفكر في هذه الحالة سينتج نماذج عقيمة من الرغبات التي لا تنسجم مع جوهر القضية التي يطرحها، وهذا ما قد يتم الاصطلاح عليه بـ ( (التفكير الارتغابي) الذي يعرفه المفكر (مرتضى معاش) بأنه : "النوع الذي توجهه الرغبات، وهو نقيض التفكير الواقعي الذي يبذل جهداً في معرفة الوقائع ثم يقصر نشاطه العقلي عليها، وهذا النوع من التفكير من المشكلات الأساسية التي تعرقل حيوية الأمة وتقدمها، بل انه يقودها للتراجع والتخلف؛ لأنه يرسم أفكار كل فرد أو جماعة حسب مصالحه وأهدافه وبالتالي فإن سلوكه الاجتماعي سوف يتشكل حسب هذا المنطق؛ لذلك تتعمق اللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية والأنانية؛ ولأنه (التفكير الارتغابي) يرسم للإنسان واقعاً وهمياً يحلم به فيجعله يحلق من غير أجنحة، حتى إذا تيقظ سقط سقوطاً مريعاً. هذه الأفكار التي توجهها الرغبات النفسية تحول الفرد إلى حالم بعيد عن الواقع، ويعيش في أوهام تبعده عن مسؤولياته؛ ولأنه لا يتقيد بالواقع فإنه يشوه الرؤية ويجعلنا ننظر للخارج كما نريد لا كما هو في الواقع"1

يالبؤس الواقع الإنساني حين يمارس الفكر وظيفة تشويه الرؤية وقلب الحقائق، وتسويق المتناقضات على أنها من الضرورات المرحلية، الأمر الذي يذكر بذلك المشهد من فيلم (أيام السادات) حين يقول الممثل الراحل (أحمد زكي) الذي جسد دور الرئيس المصري الراحل (محمد أنور السادات) : "الولاد الشيوعيين بقم متفقين مع الولاد بتوع الجماعات الإسلامية شفتم مسخرة أكبر من كده"؟!

وقضية الفكر الذي تسوقه الرغبة هنا ستكون بمثابة سلطة يراد فرضها على عقلية وذهنية الآخر الذي سيجد نفسه في دوامة من الشك والحيرة والتساؤل عن كيفية اتحاد الأضداد النوعية فيما بينها!

وهنا لابد من الانتباه إلى قضية مهمة، وهي التداخل الفكري السياسي، حيث يكون التحاور خاضعاً لمنطق دوغمائي، ومحكوماً بعقلية حزبية شمولية تحاول أن تظهر نفسها بثوب من التجديد أو مسايرة الواقع، بينما هي في الحقيقة عقلية تسلطية تريد إقناع العالم بتنازلها عن ثوابتها ومبادئها، هذا في حال سلمنا أن لها ثوابت ومنهجية أصلاً. والحديث عن تداخل الفكر بالسياسة لا يعني إبعاد الجانب السياسي عن الفكري بقدر ما هو تحذير من سلبية هذا التداخل في حال صار يأخذ جانباً تسويقياً للامبدأ او اللامنهج كما يحدث في اغلب البلدان التي تنشد الديموقراطية من دون أن تجتهد في فهمها وتأصيل فكرتها بما ينسجم مع خصوصية وطبيعة الشعوب، وكل الذي تعمله هو مخاطبة شعاراتية مكرورة تبتعد عن كل ما يمت بصلة لبناء الحياة الكريمة للإنسان، أو لتحرير العقول، وتفكير العقلية النقدية البنّاءة من أجل إدامة التسلط أو بتعبير أدق محاولات الوصول إلى التسلط، ونشر المزيد من الأزمات المجتمعية التي تعبث بأنساق الثقافة العامة، وتمنع الوصول إلى بنية فكرية تعتمد المنهج العلمي في تحليل الظواهر والأزمات التي تعصف بالمجتمعات بين فترة وأخرى، وتدعم خطاب الشعبويات المأزوم الذي يعمد إلى الإقصاء والإقصاء العكسي.

يقول الدكتور أحمد حمادي : "الايديولوجيات الشمولية (يمينية أم يسارية) هي التي تتبنى القمع والإقصاء وإلغاء الآخر، ثم أني أشك بمن ينتمي أو يتبنى فكراً شمولياً أن يكون حراً في فكره وإرادته فالايديولوجيا الشمولية ترسم رؤية للحياة على مقتنعها أن يقتنع بها ويبررها ويدافع عنها، وليس له الحق في نقدها أو التفكير خارجها، الشمولية تصنع صندوقاً للعقل لاتسمح بالتفكير خارجه، فمتى تخرجون من الصندوق إلى فضاء الحرية؟ أم انكم تعتقدون لأنكم خارج صندوق الآخر الإيديولوجي اليميني أنكم أحرار؟! لا، فصندوقكم أقسى وأخطر لأنه يوهمكم بالحرية ، أخرجوا من صندوق الإيديولوجيا ولا تحاولوا أن تدخلوا المجتمع إلى صندوقكم"2.

يؤشر الدكتور أحمد حمادي على حالة التسقيط المؤدلجة بين اليمين واليسار على حساب الهم الإنساني العام، ترى ماذا لو حدث التداخل الهجين والاتحاد السياسي بين الأضداد؟ سيكون هناك وفق مصطلح الصندوق الإيديولوجي الذي اجترحه صندوقان متداخلان، وعملية الدخول والخروج في ومن الصندوقين ستكون محكومة بضوابط خطابية غير منسجمة لا على صعيد التفكير ولا على صعيد السلوك، وتمثل أعلى درجات النكوص الحضاري، عند ذلك سيتم إعلان نعي الفكر الحر وتشييعه، ثم بعد ذلك البكاء على أطلاله ورثائه من خلال ممارسات جلد الذات وتحقيرها، من دون وقفة حقيقية لمسائلة جادة عن أسباب السماح بانحدار الفكر إلى هذا المستوى.

..........................................................................................................
1:مرتضى معاش، ملاحظات منهجية لاستكشاف آفات التفكير، شبكة النبأ المعلوماتية، 22/6/2016
2: أحمد حمادي، تدوينة فيسبوكية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0