هل يُعقل أن يصل الطموح في مغايرة السائد لدرجة التنظير والاسهاب في فلسفة، وإثبات كل ما يعاكس الفطرة البشرية؟ لا نعرف في الحقيقة كيف لعاقل أن يقبل بأن تكون الكراهية أساساً لوجود العقل ومحركاً لوظيفته، أو أن الكراهية من أكثر الأشياء عدالة كما ذهب (ديكارت) بقوله : " إنّ الكره هو أعدل الأشياء توزّعا بين الناس ". كم من المريدين والمؤيدين لأفكار (ديكارت) وغيره من الذين بنوا تصوراتهم على تجارب فردية ليس بالضرورة أن تنعكس لتكون من المُسَلَّمات، ويعتبرون أفكاره فتحاً في الفلسفة والفكر والعقل؟ مازلنا في طور التقليد غير المعرفي، وأصداء لنظريات مأزومة، بينما انطلق غيرنا لنقد التجارب بعيداً عن بريق الأسماء ولمعان أصحابها.

منطق الكراهية اليوم يتفاعل بشكل كبير بصور تتعدد اسبابها مابين السياسة وطبيعة المجتمعات، والإنسانية بأحوج مايكون إلى تقليص مساحة الكره وإحلال قيم المحبة والسلام بين أفراد العالم، خصوصاً مع تنامي الكراهية كمشاريع تنتهجها بعض الدول من بوابة الاستقطاب العرقي والعنصري، هذا التفاعل بانت ملامحه كثيراً في قضايا اللاجئين والمهاجرين لدول أوروبا وكيف ارتفع خطاب الكراهية ضدهم.

وقد دخلت وسائل الاعلام الممولة من المستفيدين من هذا الخطاب وبقوة على خط التنظير لمنطق الكراهية بصورة سريعة جداً عبر اختلاق الروايات السلبية وتغذية الأفكار والمشاعر التشاؤمية، وهذه التداعيات أدت إلى حالة من عدم الثقة والخوف من المستقبل والمصير الحضاري والتي ترسخت في نفوس المجتمعات المستقبلة للمهاجرين واللاجئين، فهذه المجتمعات يتم توجيه الإعلام عليها بقوة كبيرة وتجعلهم تحت ضغط نفسي رهيب وهم يستمعون ويشاهدون بشكل يومي تقارير وبرامج تتحدث عن التهديدات الأمنية للمهاجرين، والعبء الاقتصادي الذي سيشكله وجودهم في بلدان أوروبا.

ولا يقتصر خطاب الكراهية في الحقيقة على قضية المهاجرين واللاجئين، بل شمل مجالات أوسع، والكراهية تتصل بالذات الإنسانية بشكل جوهري لكن بنسب تتفاوت بين ذات وأخرى، ويمكن قياس هذه النسب بمدى ما تنتجه من عنف. والعنف المتأتي من محفزات الكراهية يمثل أشد الحالات التي يصل إليها خطاب الكره المتشنج، وهذا يتمثل في حالات العنف التي مارستها الجماعات التكفيرية المتطرفة بحق الأبرياء في شتى الأماكن من العالم، فأساس هذا العنف كان في الكراهية التي تجذرت نتيجة التبعات التاريخية والدينية، وانحرفت عن مسارها الأخلاقي والإنساني، والتي طالما تم التعتيم عليها من خلال تنظيرات وكتابات شابهت إلى حد كبير التنظيرات المبررة لمنطق الكراهية من قبل فلاسفة العبث الوجودي، وطالما كانت التبريرات تصدر من رجال يُحسبون على رجالات العلم والفكر والمعرفة وبذلك يتعزز الخطاب المتشنج بهذه التنظيرات التي تمثل له درعاً معرفياً واقياً، وهنا الخطورة أشد؛ لأن التبرير للقبح أقبح من القبح نفسه، خصوصاً اذا ارتفعت الكراهية إلى مرتبة العداوة ونبذ الآخر (المكروه) لدرجة التنظير لقتله وإيجاد التبريرات لمصادرة حياته وإنهائها.

ولأن لكل فعل رد فعل؛ فإننا قد نصل لنتيجة سلبية تتمثل في ظهور كراهية مقابلة للكراهية الأصلية، أي تظهر (الكراهية المتبادلة)، ومن الطبيعي جداً سيظهر إزاء التنظير لمنطق الكراهية الأصلية تنظيرٌ مقابل للكراهية المقابلة، وهذا يعني ــ بصورة أكثر تشاؤمية ــ فقدان الأمل في بناء الفرد الإنساني على قيم الحياة والتسامح والمحبة، في الوقت الذي تزدهر فيه ملامح الدفاع عن الخصوصيات الهوياتية تاريخاً وموروثاً وعقائد، ومثل هذا التصور يجعلنا بعيدين جداً عن قضية التصالح مع الذوات، وبعيدين عن إحلال منطق المحبة بديلاً عن الكراهية والتنظيرات المرتبطة بها، وسنبقى ندور في فلك الفتاوى التي تكفر الآخرين وتخرجهم من الملة والعقيدة، وتبيح دماءهم حتى وان استمر القتل لقرون وليس لسنوات، وسنبقى ننظر إلى الآداب على انها ملاحم للفخر بالقبيلة وبالغزوات التي تغزوها على القبائل الأخرى مدعومة بقصائد شعرائها، وسنبقى في مناهجنا الدراسية نكدس في عقول الأجيال صوراً وردية موهومة وغير حقيقية لأشخاص أسسوا لمنطق الكراهية العنفية؛ لتدرسهم الأجيال بوصفهم عناوين لازدهار الحضارة والانسانية، ولنا أن نتصور حجم الخراب الذي سيلحق بالمستقبل إذا ما جرت الأمور فعلاً على هذا النحو.

هل من بديل؟

نعم، فالصورة التشاؤمية التي نحن بصددها الآن، وإن كانت واقعية؛ فإن التغلب عليها وإحلال أخرى بديلة ملونة بآمال التسامح والمحبة أمر ممكن. كيف؟ لو قمنا إجرائياً وليس تنظيرياً فقط بتعزيز الانتماء إلى حقيقة ذواتنا المخلوقة من خير وشر، حب وبغض، يمين ويسار، ذات الطين المتشكل من (الحمأ المسنون) ثم نفخ اللهُ تعالى فيها من روحه ليعلن عبر قرآنه العظيم : " وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم "، وهو إنسان القيمة العليا الذي علمه الأسماء كلها، وفضله على بقية مخلوقاته، وأمر ملائكته بالسجود له ولقيمته.

البديل الحقيقي ليس في نسف تراثنا الملغوم بالأخطاء والأكاذيب من دون حلول جذرية وتصحيحية لهذه الأخطاء؛ بل بالانتماء لهذا التراث، والاعتراف بأننا أخطأنا بتبنيه من دون مراجعة أو نقد أو تمحيص، الاعتراف بأننا وقعنا في لحظة خدر عقلي وعلمي أسارى لمُنظرين رفعناهم لمرتبة القداسة المعرفية، وهم في الحقيقة بشر عاديون صادفتهم الأزمات فتناولوها بردة فعل تقترب من العاطفة الانفعالية، وإن ألبسوها أسمال الفكر والفلسفة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0