في 10 محرم الحرام 61ه جرت معركة عاشوراء على أرض كربلاء

مقدمة عسكرية

المعركة: هي صراع مسلح ومنظَّم بين طرفين ولها أنواع، وأشكال، وشروط.

الملحمة: هي قصة بقصيدة شعرية طويلة جداً، ومليئة بالأحداث البطولية، وتقصُّ حكايات شعب من الشعوب، أو أمَّة من الأمم، أو ثقافة من الثقافات، وتحكي عن تحرك جماعات بأكملها، وبنائها لثقافة الأمة والمجتمع.

والصراع هو سُنَّة من سنن المجتمع البشري منذ أن هبط أبوهم آدم من الجنَّة حاملاً معه عدوَّه اللدود الذي طُرد من رحمة الله بسبب عدم سجوده لآدم حسداً واستكباراً ومعصية، فهبط آدم (ع) ومعه الوسواس الخنَّاس يجري في عروقه مجرى الدم، وكانت أول جريمة وقعت بين ابني آدم (ع) حيث قابيل الشَّقي الشيطاني، قتل هابيل التَّقي الرحماني، ومن ذلك اليوم ومسألة الصراع بين التقي والشقي، والحق والباطل، والنور والظلمات، والعلم والجهالات سارية في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.

وكل منهما شكَّل جبهة مستقلة بنفسه وراح يحشد أنصاره وأعوانه وجيوشه، وله قيادته المستقلة، فكانت جبهة الحق والنور والخير والفضيلة بقيادة الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء والأتقياء، وجبهة الباطل والظلمة والشر والرذيلة بقيادة الفراعنة والمجرمين والأشقياء، ولذا تراها متجددة مع الأجيال المتعاقبة، والحرب كر وفر بينهما، ولكن تاريخ البشرية هو تاريخ الفضيلة والحق والنور وتاريخ الأنبياء العظام، وليس تاريخ الفراعنة والأشقياء الأشرار اللئام، ولذا قيل: (إن كان للباطل صولة فللحق دولة).

ملحمة عاشوراء الخالدة

ومن هنا قلنا بأن ما جرى في يوم عاشوراء ملحمة إنسانية ولم تكن معركة عادية وقصيرة لم تتجاوز الساعات في يوم العاشر من المحرم في 61 ه على أرض كربلاء، حيث بدأت مع أول النهار وانتهت مع العصر من نفس اليوم وأباد جيش الباطل بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي، جيش الحق بقيادة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ذؤابة قريش وسيد المسلمين، بل وسيد شباب أهل الجنَّة أجمعين، ثم لم يكتف جيش الشيطان بقتل الرجال والأطفال في ساحة المعركة، بل أمرهم القائد المنكسر أن يحرقوا الخيام على مَنْ فيها من النساء والأطفال، ثم لم يكتفِ بذلك بل مَنْ نجى منهم قيدوهم بالحبال وأخذوهم أسرى وسبايا إلى أبناء البغايا في الكوفة، ثم إلى الشام في أربعين منزلاً يتنقلون بهم في البلدان والأوطان، ليُعلنوا للعالم أجمع أن جيش الشر الشيطاني قتل جيش الحق الرحماني، ويزيد الشر، قتل إمام الحق والصدق حفيد رسول الله (ص) وهذه نساؤه وبناته سبايا على أقتاب المطايا، وهنا لك أن تسأل: فهذه الأمة أمة محمد بن عبد الله جد الإمام الشهيد وإخوته وأبناؤه، أو أمة أبو سفيان جد يزيد بن معاوية وحفيد هند الهنود؟

نعم؛ انتهت المعركة سريعاً وحسمها جيش الشيطان الذي كان ينوف على الثلاثين ألف، وأباد جيش الرحمن الذي كان لا يزيد عن المئة وخمسين على أكثر الروايات، ولكن بالميزان العسكري أي حماقات ارتكبها قائد جيش الشيطان عمر بن سعد القرشي بحق ابن عمِّه كما كان يقول: (حسين ابن عمِّي والحوادث جمَّة)، ورهطه الكرام وأهل بيته وهم ثقل النبوة وحرائر الرسالة التي أنقذتهم من ظلمات الجهل والجاهلية ورفعتهم إلى ذرى الإنسانية حيث داس بسنابك خيله كل معنى للعزة، والكرامة، والشرف، والفضيلة.

إنه انتصر في معركة خاطفة هي كما يقولون: (أكلة رأس)، ولكن خسر كل القيم التي جاء بها الأنبياء والرُّسل ونزلت بها الكتب من السماء، عندما رفع رأس الإسلام عالياً فخفَّ وزن الأرض إنسانياً وقيمياً، وتسافلت هذه الأمة حتى صار يزيد الشر حاكماً لها فأخذ منها البيعة على أنهم عبيد أرقاء له، بعد أن ضرب كل القيم الرسالية كأبناء الرسول في كربلاء، وأبناء الصحابة والإسلام في وقعة الحرَّة في المدينة، وبيت الله الحرام في مكة حيث قصفة بالمنجنيق وأحرقه وسوَّاه بالأرض، وهذه كانت نتيجة طبيعية لما فعله عمر بن سعد وجيش الشيطان معه في يوم عاشوراء.

وظن الأشقياء أنهم قتلوا القرآن، والإسلام، والصلاة، والصيام، عندما لم يبقَ لأهل البيت الأطهار (ع) حملة القيم والفضائل والرسالة، ولكنَّهم خابوا وخسروا عندما كانوا هم أنفسهم ينقلون ما فعلوا على ثقل النبي (ص) وأبناءه ويبكونهم ويُحدِّثون بما فعلوا من جرائم يندى لها جبين الشمس خجلاً، فكانوا هم حملة المأساة، ولسانها، ورواتها للأجيال اللاحقة.

وبدأت الملحمة الحسينية

وهكذا ما أن هدأت أصوات الخيل، وقعقعة الحديد، وصليل السيوف، وسكن كل شيء في تلك الصحراء القاحلة، وشرب العطاشى كأس المنون وهم على شط الفرات، حيث منعهم جيش الشيطان حتى من شربة ماء، ولكن أرض كربلاء التي تقدَّست بتلك الدماء الزكية رفضت أن تشرب الدماء، وراحت تغلي، وتنشره تحت كل شيء فما من شيء ولا حجر قُلب من مكانه إلا ووجد تحته دم عبيط، وما نزلت قطرة من السماء إلا وكانت مثقلة بالدماء، وما طلعت شمس ولا غربت إلا بالشفق الأحمر الذي يحكي ملحمة عاشوراء.

فدم المظلوم يغلي، ويفور ويُطالب بالثأر والقصاص من المجرمين القتلة، وهكذا ارتفعت رايات كثيرة بعدد الرؤوس المرفوعة، وبعدد السبايا المحمولة على المطايا، وراحت تلك المعركة تكتب ملحمة عبر العصور والدهور، وعبر الأجيال في كل زمان ومكان حتى غدت الكرة الأرضية اليوم كلها تتحدث عن عاشوراء وملحمتها ومأساتها الخالدة، فما من بلد من دول العالم إلا وتجد فيها راية للحسين (ع) تلعن المجرمين القتلة.

هكذا صارت القصة القصيرة في يوم عاشوراء، إلى ملحمة من أطول وأعظم وأعجب ملاحم العالم اليوم حيث أنها في كل يوم تتجدد، وفي كل عام تتطور وتتحدث وتتوسع في الشعر والنثر والأدب والمنابر والخطب وتسابق الأحرار لخدمة المظلوم سيد الشهداء، وقائد جيش الحق، والصدق، وريث الأنبياء، والأوصياء، والأولياء.

قتلوه عطشاناً فتراه يسقي الملايين في أيامه الملحمية..

وذبحوه جوعاناً فها هو يُطعم الملايين في كل عام من كل أنواع الماكولات في العالم..

ومنعوا من أحد يصل إليه فها هي الملايين تأتي زحفاً إليه من كل حدب وصوب، والأربعين قادم وسنرى العجب العجاب من زحوف العاشقين الوالهين إلى قبلة الأحرار وكعبة الثوار الذي كان وحيداً فريداً ينادي: (ألا من ناصر ينصرني)، فتأتيه الملايين ملبين النداء وبكل اللغات والألوان: لبيك يا حسين، لبيك داعي الله، لبيك يا سيد الشهداء.

فالنهضة الحسينية، والمسيرة في الأربعينية، وكل المنابر والمآثر الحسينية لم تختفِ من المجتمع، والتاريخ، والأمة، بل صنعت أمة حسينية، ومجتمعاً عاشورائياً، وتاريخاً كربلائياً يطفح بالإنسانية، والقيمة، والفضيلة، والرسالية، والدينية، وكل القيم والمقومات لصناعة أمة تأبى الموت كما أن النهضة والثورة الحسينية تأبى أن تموت ففي كل عام تتجدد وتكبر وتزداد تألقاً، وعظمة، وشهرة، حتى أطبقت الخافقين، وصارت راية لأحرار العالمين.

فتحوَّل الإمام الحسين (ع) من شخص إلى شاخص، ومن إنسان إلى راية للإنسانية..

وتحوَّلت عاشوراء من معركة قصيرة، إلى ملحمة طويلة حيث أنها بدأت في كربلاء ولم ولن تنتهي إلى بتحقيق أهدافها حيث يرث الله الأرض لعباده الصالحين، بقيادة حفيد الإمام الحسين (ع) في آخر الزمان، فالملحمة التي صَنعت تاريخاً مشرقاً، وأمة حيَّةً، وثقافة عالمية هي ملحمة النهضة التي خطط لها ورسم خرائطها رب العالمين منذ النشأة الأولى للبشر في عالم النور والأشباح والأرواح والأظلة، وأنَّى للشياطين وجيوشهم، وأعوانهم أن يفهموا، أو يدركوا، أو يعقلوا من ذلك شيئا؟

فالملحمة بدأت من يوم العاشر من المحرم وها نحن نقرأ، ونكتب، ونرسم، نخطب، ونبني الحسينيات، ونرفع المنابر، ونعلي الرايات، باسم الإمام الحسين (ع) الذي صار عَلَماً للدِّين، والقرآن، والرسالة الإسلامية المباركة، ورحنا نفهم معنى ومغزى قول جده المصطفى (ص) له: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله مَنْ أحب حسيناً).

والإمام الحسين من النبيّ فهو حفيده وفرخه وابن فرخته كما كان يقول (ع)، وأما أن يكون الجدُّ من الحفيد، أو السبط، فهو أنّ النبيّ يقصد بذلك استمرار رسالته الإسلامية ودينه العظيم بهذا الكلام النبوي الشريف، وهو مأخوذ ومقتبس من التعبير المكتوب على ساق عرش ربّ العزّة والجلال! (الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة)، لأنّ بقاء اسم النبي وذكره (صلّى الله عليه وآله) يُرفع على المآذن خمس مرات في اليوم: (أشهد أنّ محمداً رسول الله)، كان ببركة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولولا تلك النهضة العملاقة لمحا هذا الذِّكرَ الشريف بني أمية لا سيما معاوية الذي كان يحلم بذلك، ويقول: (لا والله إلا دفناً دفنا)، وأوصى به لخلفه يزيد الشَّر، ومن ثم أكباش الضلال من آل الحَكم الملعون المطرود وولده مروان الوزغ ابن الوزغ، الذين أذاقوا الأمة يوماً أحمراً، ولعادت الجاهلية، ولكن الله تعالى شاء أن يرى الإمام الحسين قتيلاً، ونساءه سبايا! لأن إرادته تعالى تعلّقت بإنقاذ الدِّين بأسباب وأساليب طبيعية غير غيبية وإعجازية، فكان إنقاذ دين الله متوقّفاً على سفك دم الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، ولولا شهادة الحسين وأهل بيته لما بقي للإسلام من أثر.

نعم؛ هكذا أرادوها معركة سريعة وحاسمة ولكن أرادها الله ملحمة عظيمة وطويلة تستهلك التاريخ كله من بعدها، وتصنع ثقافتها، وأمتها، وأجيالها، كما نرى ونسمع في هذا العصر الرقمي حيث صنعوا هذه الثورة الرقمية لنشر الفساد والرذيلة في العالم فحوَّلها الإمام الحسين (ع) وشيعته، وعشاقه، إلى ثورة لنشر الصلاح والفضيلة في الخافقين، ولا تجد أحداً يأبى خدمة الإمام الحسين (ع) وشعائره إلا بقايا قريش الظالمة، وجاهليتها القاتمة، بنسخها الجديدة والمتجددة الذين يمنعون شعائر الإمام الحسين (ع) وهم يرون بأم العين أنها صارت عابرة للقارات والحدود ولا يمكن لهم أن يُغطُّوا الشمس الحسينية المشرقة على القلوب النقية الصافية بغربال من الجهل والحقد والضغينة والنصب لمحمد وآله الطاهرين.

فنهضة الإمام الحسين صارت ملحمة للعالمين وراية للإنسانية ولم تبقَ حصراً على الشيعة الكرام والموالين، ولا حتى للمسلمين، بل تسير لتكون كما أرادها الله وشاء لها أن تكون ملحمة عز، وفخر، وشرف، وإباء للناس أجمعين، ولكل متعطش للإنسانية في العالمين.

السلام على الحسين أبد الدهر ومدار العصر إلى أن نأخذ بالثأر.

اضف تعليق