"أن أكون لكم وزيراً، خيرٌ لكم من أكون أمير...". هكذا أجاب الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، على المطالبة الجماهيرية العارمة بتوليه الحكم بعد اغتيال عثمان بن عفان، وفي الوقت ذاته، كشف أحد الاسباب في تدهور أوضاع الامة بعد رحيل الرسول الاكرم، حتى "بلغ السيل الزبى" في عهد عثمان، ومسؤوليتهم عما حصل، فهم تهافتوا عليه ليكون أميراً عليهم، بعد أن صحوا على انحراف بعيد عن الدين والقيم، فتجلّت كل مساوئ الفردية والذاتية في شخصية الحكام السابقين، وظهرت على شكل مظالم وانحرافات خطيرة.

لكن السؤال الذي يقفز الى الواجهة دائماً؛ كيف يحصل هذا وتظهر هكذا زعامات في الامة، تلحق بها الضرر في حاضرها ومستقبلها؟

بنظرة خاطفة على تجارب شعوبنا مع الحكام، نجد أننا أمام ما يشبه الاتفاق غير المكتوب بين الطرفين، لتحقيق مصالح متبادلة، فالحاكم يهمّه بالدرجة الاولى، السلطة والهيمنة والبقاء فترة أطول على كرسي الحكم، وهذا بحاجة الى سلسلة اجراءات تجميلية تضفي على الحاكم صفة "الضرورة"، فيكون كبيراً وعظيماً وقوياً و.... الى آخر ما تسعه مفردات التدليس. بالمقابل؛ يحتاج الناس – أو الشريحة الكبيرة- الحياة البعيدة عن المشاكل، مع قدر جيد من الرفاهية والخدمات والمستوى المعيشي المريح، وهي مستعدة للحصول على ذلك لقاء القيام بتلك الاجراءات التجميلية.

وعندما يشعر البعض أنه يربح شيئاً من هذه المعادلة، فان الخسارة تكون كبيرة على الجميع بفقدان فرص التقدم والتطور في المجالات كافة، لان الحاكم او منظومته السياسية يحقق تطوراً أفقياً بتوسيع رقعة هيمنته في الدولة والمجتمع، فيما يتوقف التطور العمودي الذي ينقل المجتمع من حال الى حال أفضل وأرقى.

من هنا؛ نجد أن سماحة المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي – طاب ثراه- يدرج حالة تعظيم الحاكم لدى الشعوب، ضمن عوامل التخلف، ففي كتابه "عالم الغد"، وهو قراءة متجددة لـ "الصياغة الجديدة"، يدرج "التقليل من شأن الطغاة" ضمن عشر نقاط لفرص التقدم، موضحاً قاعدة حضارية كانت الامة ملتزمة بها في العهد الاسلامي الاول، عندما كانوا "ينظرون الى الحكومات الفاسدة والمنحرفة، نظرة ازدراء، ويرون أن الواجب عليهم تقويمهم عن الانحراف في العقيدة وفي السلوك...".

هذا التقويم هو الذي يضمن للشعب والامة الخطوات الثابتة نحو التقدم، فهو يوظف قدرات الحكم والحاكم لخدمة الصالح العام، وليس العكس؛ بتوظيف قدرات الشعب وثرواته لمصلحة الحاكم وبطانته الخاصة، كما حصل في عديد بلادنا، وكانت النتيجة، بعد سنوات من السكوت، انفجار الاوضاع في هذا البلد وذاك، كلف أثماناً باهظة في الارواح والثروات والقدرات.

من الذي يتولّى أمر هذا التقويم؟ ، لاشك أنها نخبة المجتمع من حملة العلم والثقافة والفكر الذين يرسمون الاتجاه العام الذي يحدد القناعات والمتبنيات، لان من نفس هذه النخبة والشريحة، تنطلق فكرة تعظيم الحاكم وتقديسه، لما لها من الادوات والقدرات على التأثير، وهو ما يحتاجه الحاكم، وقد رأينا كيف اعتمد بعض الحكام على الشعراء والكتاب، فيما اعتمد البعض الآخر على وعاظ بلاطه والمتلبسين برداء الدين، وهكذا؛ كل بلد وشعب وما يناسبه من وسائل التأثير.

فاذا كانت ثمة نية للابتعاد عن هذه الحالة غير الحضارية والتي تعود بنا الى عهد الجاهلية، لابد من نماذج حيّة وعلى نطاق واسع في البلاد الاسلامية تكسر حاجز التعظيم وتكشف الحقائق وتبين أن القوة والمقدرة ليست دائماً بيد الحاكم، وأنها قادرة على التغيير والتطلع نحو المستقبل. وهذا طبعاً؛ ليس من باب التنميات، إنما هو قابل للتحقيق لمن يريد حقاً إخراج شعبه وبلده من التخلف والحرمان. ولعل مثالنا الحيّ والقريب؛ الشهيد آية الله الشيخ نمر باقر النمر، الذي انطلق من قرية صغيرة في شرق السعودية (العوامية)، وعلى منطقة عائمة على بحر كبير من البترول، بيد أن أهله وشعبه يعانون التمييز الطائفي والحرمان، والذي يُجرئ السلطات السعودية على قتل الشيخ النمر على الصعيد الداخلي، امتلاكهم رصيداً من التعظيم والتقديس من قبل جموع الشعب السعودي الذي بعد لم يلامس رياح التغيير التي عصفت بالشعب المصري والشعب الليبي والشعب التونسي، وهي شعوب كانت مثلها في بحبوبة من العيش في مقابل أنظمة لا تخش إلا من كلمة المعارضة والانتقاد والمطالبة بالحقوق، و هذا تحديداً ما فعله الشيخ النمر ليس إلا. وربما لو تم فسح المجال أمامه، لكان مشروعه الإصلاحي، عمّ جميع ابناء الشعب السعودي، وليس فقط ابناء المنطقة الشرقية من الشيعة.

من هذه التجربة بالذات نعرف أنه بمقدار التوجه الى تقويم الحاكم والمضي في طريق الإصلاح والتغيير، بنفس المقدار يكون اتجاه البلد نحو التطور والنمو. وقد اثبتت التجارب أن جميع الزعماء والحكام الذين تمتعوا وتلذذوا بالتعظيم والتقديس، إنما حرموا شعوبهم وبلادهم مسافات بعيدة عن التطور والتقدم العلمي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0