حقيقة أخرى من حقائق الغدير يمكن أن تتجلّى لنا من خلال الوقوف على الجانب الإنساني من شخصية الإمام علي وأبنائه المعصومين الذين نصّبهم رسول الله صلى الله عليه وآله لخلافته من بعده، فقد تجلّت فيهم الرحمة الإلهية على الخلق فكانوا يمثّلون بحقٍّ التجسيدَ الحيَّ لأسماء الله الحسنى وصفاته العظمى(1).

نذكر فيما يلي أمثلة على هذا الجانب من مدرسة الغدير:

الإيثار على النفس والأهل

فمن شفقَة أمير المؤمنين سلام الله عليه على الخلق أنّه بذل طعامه للأسير واليتيم والمسكين وبات جائعاً هو وزوجته الزهراء وولداه الحسن والحسين سلام الله عليهم ثلاثة أيام متواليات، فقد أورد السيوطي والفخر الرازي والقرطبي والآلوسي والواحدي والخوارزمي والحسكاني والزمخشري وغيرهم عن ابن عباس: أنّ الحسن والحسين سلام الله عليهما مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرتَ على ولدك. فنذر عليّ وفاطمة وفضّة جارية لهما إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيام. فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم. فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً. فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فأثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ عليّ عليه السلام بيد الحسن والحسين وأقبلوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم! فقام وانطلق معهم فرأى فاطمة عليها السلام في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها. فساءه ذلك فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: خذها يا محمّد، هنّأك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة، أي سورة هل أتى، وفيه قوله تعالى:

(إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً • عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجيراً • يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً • وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً • إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً)(2).

فقد أجمع أهل التفسير والحديث من الخاصة، وتواترت عن غيرهم أن هذه الآيات الشريفة نزلت في حقّ عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بمناسبة صيامهم ثلاثة أيّام وتصدّقهم في تلك الليالي على المسكين واليتيم والأسير(3).

التعامل الإنساني مع الأسير

وعلى فراش الشهادة أوصى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه بإطعام قاتله ابن ملجم لعنه الله، وأن لا يُبخس حقّه في المأكل والمشرب، والمكان والملبس المناسبين، بل حتى كان يطالبهم بأن يعفوا عنه حيث قال لهم:

إنْ أعْفُ فالعفْوُ لي قُرْبَةٌ وهو لكُمْ حَسَنَةٌ(4).

وأوصاهم بأن يحسنوا التعامل معه، فقال سلام الله عليه:

أطيبُوا طَعَامَهُ وَألينُوا فِراشَهُ، فإن أعش فأنَا وَليُّ دَمي، فإمَّا عَفَوْتُ وإمَّا اقْتصَصْتُ، وإنْ أمُتْ فَأَلْحقُوه بي، وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِين(5).

وفي رواية أخرى:

أطْعِموه مِنْ طعامي، وَاسْقُوهُ مِنْ شَرابي، فَإنْ أنَا عِشْتُ فَأنَا أَوْلَى بـِحَقِّي، وإنْ مِتُّ فَاضْرِبُوهُ ضربة ولا تَزِيدُوه عليها(6).

عدم اكتناز الحاكم للثروات

يروي المؤرّخون أنّه بعد استشهاد الإمام علي سلام الله عليه خطب الإمام الحسن سلام الله عليه الناس فقال:

لقَدْ فارَقَكُمْ أمْسِ رجلٌ ما سبقَه الأوّلون، ولا يُدْرِكُه الآخِرُون في حِلْمٍ ولا عِلْمٍ، وما ترَكَ منْ صَفْراءَ ولا بَيْضاءَ، ولا ديناراً، ولا دِرْهماً، ولا عَبْداً، ولا أَمَةً، إلاّ سبْعَمِائَةَ دِرهَمٍ فَضُلَتْ مِنْ عَطائِه أرادَ أن يَبْتاعَ بها خادِماً لأهْلِه(7).

أما عثمان بن عفان فقد بلغت أمواله بعد مقتله (150) ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما (200) ألف دينار، وخلّف إبلاً وخيلاً كثيرة(8).

أجل لقد روي أنّ أمير المؤمنين سلام الله عليه استشهد وهو مدين وقد أدّى ابنه ديونه من بعده(9). وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الإمام لم يترك شيئاً. ويشهد التاريخ أنّ الإمام كلّما حفر بئراً أو عمّر أرضاً أوقفها مباشرة.

بساطة العيش

فلو قارنّا بين منهج أمير المؤمنين سلام الله عليه ومناهج كلّ الحكّام عبر التاريخ ـ ما خلا الأنبياء ومن سار على نهجهم ـ لبان لنا البون الشاسع بين المنهجين، وانكشفت عظمة علي سلام الله عليه وأهداف الغدير؛ قال عليه السلام:

ألا وإنّ إمامَكُم قدِ اكْتَفَى مِنْ دُنياهُ بِطِمْرَيْهِ ومِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْه(10).

يقال: يوزن الرئيس أو الحاكم في بعض الدول في عالمنا المعاصر قبل وصوله للحكم وبعده لئلاّ يكون قد زاد وزنه خلال مدّة رئاسته وحكومته، لكن أين يمكن أن تجد مسؤولاً يرحل عن الدنيا وهو مدين؟

إنّ الإمام لم يكن ليقترض المال لنفسه ولمصاريفه الشخصية. فإذا كان غذاء الإمام سلام الله عليه حتى أيّام حكومته الظاهرية يتكوّن من خبز شعير يابس ـ لم يكن غيره يستطيع كسره بسهولة ـ وحليب يشمّ الحاضرون رائحة حموضته، فلا شكّ أنّ المال الذي كان يقترضه لم يكن لنفسه بل لخدمة المسلمين وتأمين معاش فقرائهم.

وهذا يعني أنّ على رئيس المسلمين أن يخدمهم ويؤمّن احتياجهم ولا سيّما اليتامى والأرامل والبؤساء والمعدمين منهم، وإن اضطرّ للقرض من أجل ذلك.

فتعظيم يوم الغدير تعظيم لهذه القيم والفضائل وجعل هذه التعاليم الأصيلة هي المحور والأساس. إنّ إحياء الغدير إحياء لهذه القيم، والتي منها أنّ على والي المسلمين أن يعمل كلّ ما من شأنه أن يحقّق راحة رعيّته ولو بالقرض وما أشبه.

مواساة الناس

قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه:

«إنَّ اللهَ فرَضَ علَى أئِمَّة العَدلِ أنْ يقَدِّروا أنفُسَهُم بضَعَفَة النَّاس»(11).

روى أصحاب السير، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى فاطمة سلام الله عليها فرح بها. فانطلق بعض أصحابه إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعيراً وهي تطحن فيه وتقول: (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى). فسلّم عليها وأخبرها بخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وبكائه. فنهضت والتفّت بشملة لها خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً بسعف النخل. فلمّا خرجت نظر سلمان الفارسيّ إلى الشملة وبكى وقال: واحزناه! إنّ بنات قيصر وكسرى لفي السندس والحرير وابنة محمّد صلى الله عليه وآله عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً. فلما دخلت فاطمة على النبيّ صلى الله عليه وآله قالت: يا رسول الله إنّ سلمان تعجّب من لباسي، فو الذي بعثك بالحقّ ما لي ولعليّ منذ خمس سنين إلاّ مسك كبش نعلف عليها بالنهار بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإنّ مرفقتنا لمن أدمٍ حشوها ليفٌ. فقال النبي صلى الله عليه وآله:

يا سلمان إنّ ابنتـي لفي الخيل السوابق...(12).

أجل، لقد كانت السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ترتدي عباءة مرقّعة اثنتي عشرة رقعة. وهذا المطلب يمكن كتابته في سطر واحد فقط، ولكنّه يحمل عالماً من المعاني والمضامين.

فمثل هذا لا تجده حتى عند أزهد الزهّاد في العالم، فلم نسمع في التاريخ أبداً أنّ حاكماً أو ملكاً يحكم دولاً وتلبس ابنته ألبسة مرقّعة.

ولم تكن فاطمة الزهراء سلام الله عليها امرأة عادية حتى من الناحية الظاهرية (الدنيوية)، فأبوها كان الحاكم الأعلى في بلاده، وزوجها كان الوزير الأوّل له، ولكنها سلام الله عليها كانت محبّة لله ومطيعة له إلى هذه الدرجة. فقلّما تجد ـ أو قد لا تجد ـ حتى في أوساط العوائل الفقيرة أن امرأة تلبس ثوباً أو رداءً مرقّعاً باثنتي عشرة رقعة، ولو وُجدت فإنها تحبّ أن تمتلك عباءة جديدة تلبسها ولكنّها لا تستطيع، أمّا الزهراء سلام الله عليها فكانت تستطيع ولكنها لم تفعل.

ولم يكن الإمام سلام الله عليه يرضى لنفسه أن يضع حجراً على حجر، ولم يسكن قصراً فارها، بل تحمّل كلّ المصاعب والآلام لئلا يكون هناك فرد في أقصى نقاط دولته يتبيّغ بفقره لا يجد حتى وجبة غذاء واحدة تسدّ رمقه، وهو القائل:

وَلَعَلَّ بالحِجَاز أوِ اليَمامةِ مَنْ لا طَمَعَ لَه في القُرْصِ، ولا عَهد لَهُ بالشَّبع(13).

فإنّه لمجرّد أن يحتمل الإمام وجود أفراد في المناطق النائية من رقعة حكومته جائعين، لم يكن ينام ليلته ممتلئ البطن، وقد حرم نفسه حتى من متوسّط الطعام واللباس والمسكن ولوازم الحياة العادية.

ولذا، فحتى أعداؤه ـ هؤلاء الذين أنكروا عليه مناقبه كلّها(14) ـ لم تكن لهم أيّ حجّة تُدينه.

وقد كان من هدف الإمام أيضاً تذكير حكّام المسلمين بمسؤولياتهم تجاه آلام الناس وفقرهم في ظلّ حكوماتهم، وضرورة إقامة العدل والتعاطف مع آلامهم ومحنهم والسعي بجدّ من أجل تأمين الرفاهية والعيش الكريم لهم.

فمجرّد احتمال وجود جياع في أبعد نقاط الحكومة الإسلامية يعتبر في ميزان الإمام سلام الله عليه مسؤولية ذات تبعات، لذا فهو سلام الله عليه كأنه يريد أن يؤكّد على الحكّام ضرورة أن يجعلوا مستوى عيشهم بنفس مستوى عيش أولئك، وأن يشاركوهم شظف العيش.

فهكذا كان آل البيت سلام الله عليهم يحتاطون لئلاّ يفقدوا مواساتهم لأبسط الناس حالاً ومعاشاً.

وهنا تتجلّى عظمة الغدير أكثر فأكثر، وتسطع أنوار القيم والتعاليم السامية، تلك القيم التي تؤمّن التوازن السليم بين المتطلّبات المادية والمعنوية للبشر، لتحقّق السعادة للجميع أفراداً وجماعات، حكّاماً ومحكومين.

روي أنّ رجلاً قدم الكوفة فسأل عن دار أمير المؤمنين سلام الله عليه، فلما لقي الإمام سلام الله عليه سأله عن أثاث داره، فقال له: «لقد أرسلناها إلى دارنا الأخرى». وعندما خرج سأل عن الدار الأخرى لأمير المؤمنين فقيل له: لا نعرف داراً غيرها. فعندها عرف أنّ الإمام قصد بالأخرى دار الآخرة.

* مقتطف من كتاب (مواهب الغدير) للمرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي

........................................
(1) روي عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله سلام الله عليه في قول الله عزّ وجلّ ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ سورة الأعراف، الآية: 180 قال: نحن والله، الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا. الكافي للكليني: ج1، ص143، ح3.
(2) الغدير للأميني: ج3، ص111؛ والآيات: 5 ـ 9 من سورة الإنسان (الدهر).
(3) السيوطي والفخر الرازي والواحدي والقرطبي والآلوسي والحسكاني في تفسير الآية والخوارزمي في المناقب: ص188؛ أسد الغابة: ج5 ص530= = و531؛ العقد الفريد: ص102؛ الإصابة: في ترجمة فضة؛ شرح ابن ابي الحديد: ج1 ص21؛ تفسير البيضاوي: ج2 ص526؛ فتح القدير: ج5 ص349؛ فرائد السمطين: ح383؛ ذخائر العقبى: ص89 و102؛ نور الأبصار: ص102؛ كفاية الأثر: ص345؛ تفسير البغوي: في بحث الآية صفحة205. والنصّ للزمخشري..
(4) نهج البلاغة: ص378، من كلام له سلام الله عليه قاله قبل موته على سبيل الوصية لمّا ضربه ابن ملجم لعنه الله، رقم 23.
(5) انظر أنساب الأشراف، للبلاذري: ص495 والإمامة والسياسة للدينوري: ج1، ص181.
(6) كشف الغمة للأربلي: ج2، ص60، ط. دار الأضواء ـ بيروت.
(7) خصائص الأئمة للشريف الرضي: ص79؛ مقدمة ابن خلدون: ص204.
(8) راجع مقدمة ابن خلدون: ص204.
(9) مستدرك الوسائل: ج12، ص54، باب63، ح9 ـ رقم 13497.
(10) نهج البلاغة: ص416، من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف، رقم 45.
(11) الكافي: ج1، ص410، باب سيرة الإمام عليه السلام في نفسه وفي المطعم والملبس اذا ولي الأمر، ح3.
(12) بحارالأنوارج43، ص87 باب 4 ـ سيرها و مكارم أخلاقها عليها السلام، ح9.
(13) نهج البلاغة: ص416.
(14) من جملة ما أنكره هؤلاء المنتقدون قصّة تصدّقه سلام الله عليه بالخاتم راكعاً، رغم أنّ معظم المفسّرين قد أقرّوا بأنّ الآية الكريمة: (إنّما وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ والّذينَ آمَنوا الّذينَ يُقيمونَ الصّلاةَ وَيُؤتونَ الزّكاةَ وَهُمْ راكِعون) نزلت في شأنه سلام الله عليه، وهو مصداقها الوحيد.

اضف تعليق