إسلاميات - اهل البيت

كرَمُ البِّر

من المميزات الكريمة اللافتة في شخصية الإمام الحسن(ع)، هو الحب العظيم، والتقديس لوالده أمير المؤمنين(ع) والتأثر بشخصيته، والدفاع عنه بالقلب واللسان واليد. فالروايات التاريخية تنقل لنا صوراً غاية في الروعة، والتي تستدعي التأمل والوقوف عندها.

لم يكن عمر الإمام الحسن(ع) يتجاوز السبع سنين، وكان من الحضار الأوائل والملتزمين بمجلس الوحي لجده النبي(ص). فيسمع متفهما، وينصت متلقيا، حتى يعي وحي القرآن حفظا وتلاوة وتفسيرا من جده(ص). ويقدم على أمه الزهراء(ع) فرحا بما امتلأ به خاطره من كلمات القدس والجلالة التي انطبعت في خلده، وتضع له أمه العظيمة وسادة يتكئ عليها، كأنما يتهيأ لأن يلقي درسا. وليس ثمة لحظات أعذب وقعا على قلب الزهراء(ع) وهي تستمع الى ما تعلمه الإمام الحسن(ع) من مجلس جده(ص).

وحين يعود أمير المؤمنين(ع) الى منزله، يجد السيدة الزهراء(ع) وقد أحاطت خبرا بما قاله الرسول(ص) وما جرى من نقاش وأسئلة في مجلسه الشريف، فيقول لها: يا فاطمة أنّى لك هذا؟. فتقول: من ولدك الحسن(ع).

ولم تكن رغبة أمير المؤمنين(ع) في سماع كلمات ولده الحسن(ع) وهي تنتثر كاللؤلؤ الرطب من فمه وهو يتمثل بها جده العظيم(ص) تاليا وشارحا ومبينا ومجيبا، فاختبأ الأب(ع) في إحدى زوايا البيت، بعد أن حضر قبل ولده. ودخل الإمام الحسن(ع) كما جرت عليه عادته، وأعدت أمه له متّكأ ليأخذ في حديثه، وهنا يتوقف الابن ولا يستطيع الكلام. ويستشعر بحسه المرهف وجود أبيه. وكأن أشعة الوجود العلوي قد تغلغلت الى قلبه وفكره، فمنعته هيبة ذلك الأثير القدسي للمولى(ع) من الاسترسال في الحديث.

فتقول له أمه(ع): تكلم يا نور عيني. فقال(ع): (قل بياني، وكل لساني، فان كبيرا يسمعني واستماعه قد أوقفني). فيخرج أمير المؤمنين(ع) ويضمه الى صدره.

ويكبر الإمام الحسن(ع) وتتضح فيه أكثر أمارات الإمامة، وقد رسخها في تكوينه، وأنبت جذرها في أعماقه جده الرسول(ص) بقول (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا). وتظهر عليه علامات النبوغ العبقرية الإلهية كلما قطعت آنات الزمان في حياته الكريمة شوطا. وينيط به أبوه (ع) مسؤوليات جساما، ويكلفه مهامّ عظاما، فينتدبه مبعوثا خاصا الى أهل الكوفة يستحثهم على مناصرة أمير المؤمنين(ع) ضد الناكثين في البصرة، بعد أن فشلت محاولات الأشتر وعمار في التحشيد، وتلكؤ الأشعري وانحيازه عن الإمام(ع). فيقدم الإمام الحسن(ع) ويستثير غبار الغيرة لدى أهل الكوفة، ويبعث في مكامن الضمير حياة جديدة بكلماته النورانية، وإذا بالكوفة تقف كلمة واحدة وصفا واحدا معلنة استعدادها لنصرة أمير المؤمنين(ع).

ولم تقتصر وظيفة الإمام الحسن(ع) في إعانة أبيه في شؤونه، وقيادة جيوشه، حتى صار معتمده المؤتمن وترجمان لسانه، ومفصح بيانه، والفاصل في قضايا دولته، والمبين لأحكام لا توكل إلا إليه، والنائب عنه في بعض خطبه. ومن يا ترى يعتمد عليه أمير البلاغة وسيد البيان في النيابة عنه في خطبه وبياناته؟

ولم يكن تقديم أمير المؤمنينِ(ع) ولده الحسن(ع) متكلما عنه في مواطن كثيرة، ومناسبات عديدة، أمرا فطريا نابعا من اعتزاز الإنسان بولده فحسب، ومحاولة إبرازه نموذجاً حاكياً عن أبيه. حتى تعدى عشرات المرات. بل هو عبارة عن تنصيب الإمام الحسن (ع) خليفة وإماما من بعده، بصورة عملية، وعلى ملأ ومرأى ومسمع من المسلمين من خلال ارتقاء المنبر وحل المشكلات والإجابة على الأسئلة وغيرها من الأمور بطريقة علنية إعلامية.

ولكن فيض الإشعاع العلوي لما يزل ثقيل الوقع على نفس المجتبى، ولم تطاوعه نفسه أن يلقي البيان وأمير البيان بين يديه. ويعتذر الإمام الحسن(ع) في أكثر من موقف عن التكلم بحضور أبيه(ع)، ويستجيب أمير المؤمنين(ع) لخجل ولده، وينزوي بعيدا عن ناظره، ليطلق أبو محمد(ع) الزمام لبيانه ليندفع كالتيار الزاخر فيبين ما أسند إليه بأجلي صوره، وأبلغ معنى، وأبهى حلة لفظ. فلا يملك أمير المؤمنين (ع) – بما أوتي من معجز في البلاغة – دون أن يسير حثيثا إلى ابنه يضمه إليه، ويقبّل بين عينيه ويقول: بأبي أنت وأمّي "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".

* باحث ومدرس في الحوزة العليمة في النجف الاشرف

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0