انفجار بيروت الاخير الذي أدى إلى تدمير نصف العاصمة اللبنانية، اسهم وبشكل واضح في تفاقم الازمات في هذا البلد، الذي يعاني اساساً من مشكلات مزمنة بسبب الخلافات السياسية وتفشي ظاهرة الفساد، وينذر هذا الانفجار الذي حوّل مرفأ بيروت إلى كتلة كبيرة من الركام وكما نقلت بعض المصادر، بمرحلة أصعب مع تفاقم الازمة المالية فهو يشكل ضربة قاصمة للاقتصاد اللبناني، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة اللويزة حسن علي حمادة أن "ما قبل الانفجار ليس كما بعده"، مضيفاً أنه في المرحلة السابقة لم تكن الأمور واضحة لدى الطبقة السياسية، وكان هناك خلاف على تقدير الخسائر والجهة التي يجب أن تتحملها، في ظل ما يمر به لبنان. لكن انفجار المرفأ فرض نفسه ضيفاً ثقيلاً على الاقتصاد اللبناني المترنح، والشركات المتمركزة في العاصمة التي كانت تُعاني أصلاً في ظل الأزمة.

ويتحدث عمر عن خسائر غير مباشرة توازي في أهميتها الخسائر المباشرة التي نجمت عن تدمير المرفأ، فتوقفه يؤدي إلى حرمان الخزينة من مبلغ يتراوح بين 240 و300 مليار دولار من الموارد المالية والرسوم المتأتية عنه بغض النظر عن التهرّب الجمركي الذي يصل إلى نحو المليار دولار سنوياً. كما أن هناك خسارة بسبب الحرمان من تحصيل القيمة المضافة بحدود 50 مليون دولار، وأجور الموظفين الثابتين وغير الثابتين في المرفأ والاقتطاعات الضريبية. هذا الانفجار اسهم ايضاً في زيادة غضب الشارع ضد النخب الحاكمة المتهمة بالفساد وضد حكومة حسان دياب التي اضطرت إلى تقديم استقالتها تحت ضغط الاحتجاجات والرأي العام. ما يشير إلى إمكانية إحداث تغييرات سياسية جذرية قادمة.

وقال دياب وهو يعلن استقالة الحكومة إن الفساد المستشري في لبنان هو سبب الانفجار الأكبر في تاريخ بيروت والذي أدى إلى تفاقم أزمة مالية عميقة نتج عنها انهيار العملة وإصابة النظام المصرفي بالشلل وارتفاع الأسعار. وقال دياب ملقيا باللائمة على النخبة السياسية في سد الطريق أمام إجراء إصلاحات ”قلت سابقا، إن منظومة الفساد متجذرة في كل مفاصل الدولة، لكني اكتشفت أن منظومة الفساد أكبر من الدولة، وأن الدولة مكبلة بهذه المنظومة ولا تستطيع مواجهتها أو التخلص منها“. وتعثرت المحادثات مع صندوق النقد الدولي وسط خلاف بين الحكومة والبنوك والسياسيين حول حجم الخسائر المالية الضخمة.

إسقاط الرئيس الجمهورية ومجلس النواب

وفي هذا الشأن ردد متظاهرون غاضبون بصوت عال أسماء 171 شخصا على الأقل قتلوا في انفجار مرفأ بيروت ودعوا إلى تنحي الرئيس اللبناني ومسؤولين آخرين يلومونهم على وقوع الكارثة. وبالقرب من موقع الانفجار، حمل البعض صورا للضحايا فيما عرضت شاشات كبيرة مقاطع مصورة من السحابة الدخانية الضخمة التي ارتفعت في سماء المدينة بعد انفجار مواد شديدة الانفجار كانت مخزنة لسنوات مما أسفر عن إصابة نحو 6000 شخص وتشريد مئات الآلاف. وفوق صورة للرئيس ميشال عون بموقع الاحتجاج كتبت عبارة ”كان يعلم“. وصاحبتها جملة ”حكومة بتروح حكومة بتيجي. مكملين حتى إسقاط رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب“.

وكتب عون، الذي تعهد بتحقيق سريع وشفاف، في تغريدة على تويتر أجدد عزائي للأهل المفجوعين، ووعدي لكل اللبنانيين المتألمين أنني لن أستكين قبل تبيان الحقيقة“. ومازال سكان بيروت يرفعون الأنقاض في الوقت الذي استمر فيه البحث عن المفقودين الذين تقدر أعدادهم بما بين 30 و40 شخصا. وأطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع على متظاهرين رشقوها بالحجارة. ولم يهدأ اللبنانيون بعد استقالة حكومة حسان دياب وطالبوا بإزاحة ما يصفونها بطبقة حاكمة فاسدة مسؤولة عن متاعب البلاد.

وقال رجل خلال مظاهرة بعد أن قرأ بصوت عال أسماء بعض الضحايا ”لن ننسى حتى تقام المشانق (للقادة)“. وبالنسبة لكثير من اللبنانيين كان الانفجار القشة الأخيرة في أزمة طال أمدها وسط الاقتصاد المنهار والفساد والنفايات والحكومة العاجزة. وقال السفير الفرنسي على تويتر بعد زيارة إلى موقع الانفجار مع خبراء فرنسيين في الطب الشرعي يدعمون تحقيقا في الكارثة إن الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت خلف حفرة تمتد مئة متر على الرصيف رقم 9.

ويعكس انفجار بيروت النظام الطائفي الذي يهيمن من خلاله نفس السياسيين على البلاد منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها من عام 1975 إلى عام 1990. فكل طائفة لها حصتها من المديرين بالمرفأ الذي تمر منه أغلب تجارة البلاد. وقال صانع الفضة أفيديس أنسرليان أمام متجره المهدم ”شيء طيب أن الحكومة استقالت. لكننا بحاجة إلى دماء جديدة وإلا لن تكون هناك نتيجة“. وشكل دياب حكومته في يناير كانون الثاني بدعم من جماعة حزب الله القوية بعد أكثر من شهرين من استقالة سعد الحريري المدعوم من الغرب ودول الخليج من رئاسة الوزراء وسط احتجاجات حاشدة على الفساد وسوء الإدارة.

ويتعين أن يتشاور عون مع الكتل البرلمانية حول من سيقع عليه الاختيار ليكون رئيس الوزراء الجديد، وهو ملزم بتكليف المرشح الذي ينال القدر الأكبر من التأييد. وكان تشكيل حكومة في ظل الانقسامات الطائفية مهمة شاقة في السابق. والآن مع تزايد الغضب الشعبي والأزمة المالية الطاحنة، فقد يكون من الصعب إيجاد من يقبل أن يكون رئيسا للوزراء. وقال المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية طارق يسارافيتش إن ثمانية فرق طبية دولية تعمل على الأرض لدعم المنشآت الطبية، المثقلة بالأعباء حتى قبل الانفجار بفعل الأزمة الاقتصادية وارتفاع حالات الإصابة بكوفيد-19.

وقال مسؤولون إن الانفجار ربما تسبب في خسائر تصل إلى 15 مليار دولار وهي فاتورة لا يمكن للبنان دفعها. وتفقد إحسان مقداد، وهو مقاول، مبنى مهدما في منطقة الجميزة التي تبعد مئات قليلة من الأمتار عن المرفأ. وقال ”كما قال رئيس الوزراء الفساد أكبر من الدولة. كلهم مجموعة من المحتالين. لم أر عضوا واحدا في مجلس النواب زار هذه المنطقة. كان ينبغي على النواب أن يأتوا إلى هنا بأعداد كبيرة لرفع المعنويات“. بحسب رويترز.

ودمر الانفجار الصومعة الكبيرة الوحيدة للحبوب في البلاد وتساعد وكالات تابعة للأمم المتحدة في تقديم مساعدات طبية وغذائية عاجلة‮.‬ وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بعد اجتماع مع عون إنه سيسعى لحشد الطاقات العربية لتقديم الدعم للبنان. وقال فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركي، بعد اجتماع مع عون أيضا، إن بلاده مستعدة للمساعدة في إعادة بناء مرفأ بيروت بعد الانفجار‮.‬

خراب بيروت

الى جانب ذلك تتطاير الستائر خارج المباني في هواء بيروت الطلق وقد تحررت من الزجاج الذي كان يحرسها قبل أن يتناثر شظايا في شوارع وبيوت مدينة أصبح كثير من منازلها بلا شرفات وتتدلى منها عناقيد الخراب بعد أسوأ انفجار تشهده في تاريخها. ويشعر سكان العاصمة المصنفة منكوبة أن مدينتهم نامت بين الألغام لتستيقظ على كابوس ترك ندوبا وشقوقا في عمرانها. فبخلاف تدمير مرفأ بيروت بشكل شبه كامل تسبب الانفجار وانهيار أحياء قريبة بأكملها وتضرر المناطق الأخرى حيث شعر كل مواطن في العاصمة اللبنانية أن التفجير وقع في منزله.

وقال مسؤولون لبنانيون إن 2750 طنا من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار، وهي مادة تستخدم في صناعة الأسمدة والقنابل، كانت مُخزنة لست سنوات في مستودع بالمرفأ دون إجراءات للسلامة. في جولة ميدانية بين أحياء متداعية من الجميزة الى الباشورة ومنطقة المرفأ وزقاق البلاط وبرج أبو حيدر والأشرفية والبسطة وبشارة الخوري بدت النوافذ عارية من زجاجها والأسقف من قرميدها وتدلت من بعضها أسياخ معدنية ملتوية وتطايرت أسطح بعض الشقق السكنية فأصبحت مكشوفة للسماء. وفي أحد الأبنية في شارع عكاوي بالأشرفية على مقربة من وزارة الخارجية ما زالت الدماء تغطي الدرج فيما غرفة المصعد فارغة وكأن المصعد وأبوابه في الطوابق قد طاروا من أماكنهم.

وكلما اقتربنا من منطقة المرفأ اشتد هول المشهد حيث بدت الأبنية كالهياكل العظمية فيما الزجاج المهشم والأثاث وبقايا الدمار مكومة على جوانب الطرقات. وينتشر رجال الشرطة في المكان ويمنعون الناس من الاقتراب أو المرور بجانب الأبنية الآيلة للسقوط. ومنذ الكارثة لا تزال الأشجار التي اقتلعها الانفجار والسيارات التي يغطيها الركام حبيسة الطرقات. وتعجز آليات إزالة الركام عن دخول بعض الطرقات في الجميزة وشارع مار مخايل والعكاوي التي يسدها بالكامل ركام الأبنية.

وبينما تتضح يوما تلو الآخر معالم الكارثة التي اخترقت المنازل البيروتية، يجوب شوارع العاصمة المكلومة متطوعون يحملون الجواريف للمساعدة في إزالة الحطام بينما يشارك آخرون في حملات لإزالة حطام الزجاج ورفع الأسقف المنهارة وهياكل الألومنيوم والحديد الملتوية والحجارة المهدمة من الشوارع. وتتناثر في الطرقات كتب وأدوية وملابس وأثاث وأسقف قرميدية أثرية منهارة. ويحاول المواطنون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من محلاتهم ومنازلهم فيما نصبت الخيام على الأرصفة في محاولة لإيجاد مأوى للناس الذين فقدوا منازلهم بالكامل.

ويقف جوزيف الجبيلي (60 عاما) الذي يعمل في شركة لبيع الأدوات المنزلية مذهولا مما شاهده لحظة الانفجار. ويشير الجبيلي إلى منزله قائلا ”بيتي على الطابق السادس على السطح.. عندما سمعنا الصوت الأول خرجت مع زوجتي إلى الشرفة المطلة على البحر، طلع الانفجار الثاني، عصف الانفجار دفع بي إلى الداخل مع الزجاج والأبواب والألومنيوم وغبت عن الوعي. ”عندما صحيت رحت أصرخ لزوجتي ولم أجدها لاكتشف لاحقا أنها سقطت من الشرفة في الطابق السادس لتقع عند شرفة الجيران في الطابق الرابع.. إصابتها بليغة ولكن حالتها مستقرة ولا زالت على قيد الحياة وهذه معجزة فعلا“.

الشاب السوري مؤمن دركزنلي قال وهو يلملم ما تبقى من أشيائه في الشارع ”أتيت من سوريا قبل أربع سنوات هربا من الحروب هناك واشتغلت في فرن قريب من هنا. آخر ما أذكره أني شاهدت كتلة نار بحجم نحو عشرة طوابق دفعتني على مسافة أمتار.. غبت عن الوعي وعندما صحيت وجدت أن الجدران فتحت على بعضها بيني وبين الجيران وكأننا في منزل واحد“. وبدأ عدد قليل من السكان إصلاح ما تهدم فيما آثر آخرون الانتظار وذلك بعد أيام على الانفجار الذي أصاب مدينة لا تزال تعاني ذكريات حرب أهلية وتئن تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة وارتفاع في معدلات الإصابة بفيروس كورونا. ويشهد لبنان حالياً أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية (1975-1990)، هي وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات بنيوية وترهل المرافق العامة والبنى التحتية واستشراء الفساد.

ترك البلاد

على صعيد متصل بعد أيام من الانفجار الضخم الذي دمّر أجزاء كبيرة من بيروت، استقلّ علي حمّود الطائرة متجها الى دبي. عندما ارتفعت قليلا، نظر بأسى من نافذتها إلى الركام المنتشر في كل مكان متحسرا على بلد ترك فيه عائلة وأصدقاء وحياة مليئة بسلسلة طويلة من خيبات الأمل. وقرّر المهندس التقني (30 عاما) مغادرة المدينة التي ولد وتربّى فيها للعيش والعمل في إمارة دبي الغنية بعد الانفجار الذي قضى على آخر آماله في حياة مزدهرة وآمنة.

وقال حمّود بعيد وصوله إلى الإمارات "الأمر ليس سهلا أبدا، لكن كان عليّ أن أغادر. أشعر انني خنت المدينة التي أحب حتى الموت، لكن لم يبق لي شيئ هناك إلا الكآبة". وأضاف الشاب الذي خسر عمله قبل عام بسبب الاوضاع الاقتصادية في لبنان "الآن أستطيع أن أبدا سيرة مهنية، وأن أعيش بسلام وأُعين عائلتي عبر إرسال الأموال". وعلى غرار كثيرين من أبناء وطنه الباحثين عن الأمن والاستقرار، تقدّم حمّود بطلب عمل في دبي لينضم إلى آلاف اللبنانيين الذين ساهموا في بناء إمارة تحوّلت على مر السنين الى وطن جديد يذكّرهم بتاريخ مزدهر في بيروت لم يعرفوه إلا من خلال روايات آبائهم وأمهاتهم. وقال حمّود إن هدفه الأول بعد وصوله إلى دبي "التغلب على الشعور بالندم الناجم عن مغادرتي".

ويتّهم لبنانيون كثر الطبقة الحاكمة بالفساد والعجز والسرقة وتفضيل مصالحها الشخصية على مصلحة البلد الذي يسكنه نحو ستة ملايين شخص، وقال فراس رشيد (31 عاما) المقيم في دبي منذ 2016 والذي يعمل في مجال المبيعات "لا يمكن أن تتخيل كمية الغضب التي تعتريني. سرقونا والآن يقتلوننا؟". ومنذ انتهاء الحرب الأهلية، خسرت بيروت التي لطالما عرفت بجامعاتها ومستشفياتها شيئا فشيئا هويتها التي طبعتها قبل العام 1975 وجعلتها عاصمة الحريات السياسية والاجتماعية والترفيه.

وغادر على مر السنوات مئات آلاف اللبنانيين من أطباء ومهندسين ومدرّسين وغيرهم بحثا عن حياة أكثر استقرار في دول الخليج واوروبا وغيرها. ويقول مسؤولون لبنانيون إنّ نحو 350 ألف لبناني يعيشون ويعملون في الخليج، بينهم نحو مئة ألف في الإمارات وحدها غالبيتهم في دبي. في كتابه "قصتي"، روي حاكم دبي ورئيس حكومة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم زيارته الأولى إلى بيروت قبل أن تحيل الحرب الأهلية "باريس الشرق" خرابا. وكتب "كانت شوارعها النظيفة، وحاراتها الجميلة، وأسواقها الحديثة في بداية الستينات مصدر إلهام لي، وحلماً تردّد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوماً ما".

اضف تعليق