المتابع لما يجري في المنطقة العربية يلاحظ، أنّ ثمة نيراناً طائفية ولكنها ليست حتمية، إنما بفعل فاعل، أنى اختفى هذا الفاعل خمدت ألسنة النيران... هذه جرائم إحراق متعمدة يضرمها قادة متنوعو الوجهات الجغرافية، وأن جمعهم ضيق وقصر النظر سياسياً واقتصادياً وأمنياً. يحاولون إلباس المنطقة منطق صراع مغاير لواقعها الحقيقي من أجل التأثير عليها في صميمها، باعتبار المفهوم المذهبي أداة تفجير خطيرة. فإذا ما انفجر الوضع على هذا الأساس فلن يبقى من الأمة ما يذكر بها لاحقاً. وهذا يستوجب جعل الدين الذي نؤمن به ينقسم، ويصطرع بمذاهبه.

لقد تقرّر لنا نحن العربَ ـ باسم فئة منا مسلمةٍ مثلنا ـ أن نفهم بأن ''إسرائيل'' ليست عدوّنا التاريخي؛ بل عدوّنا مَنْ يعمل على تحريرنا منها. وأنّ ''إسرائيل'' عاملُ تخليصٍ لنا من مذاهبنا السياسية التي تعكس مشاريعنا، ورؤانا الوحدوية لكي ندخل في سياسات الحروب المذهبية. ولم يعد مقبولاً فينا عالم سُنّي يتحدث عن الإسلام الربّاني السمح، كما لا يجوز أن يبقى بيننا عالم شيعي ينطلق من وحدة المذاهب الإسلامية، ووحدة الدين والتديّن بالطرق المختلفة إلى الله. ويجب ألا تتعايش الأديان على أرضنا العربية.

فلا مذاهب سياسية مقبولة لنا نحن العرب اليوم، بل المقبول الوحيد لنا هو سياسات الحروب الطائفية، والدينية حتى نموت جميعاً، ويتخلّصُ الحلف الصهيو ـ أميركي من الفوائض البشرية التي تُسمّى العرب. وللأسف المأسوف عليه، فإنّ عديدين من الفقهاء لا يقرؤون مخططات الأعداء عن تدمير قوات كافة الدول العربية التي تشكل خطراً أو قد تشكل خطراً على ''إسرائيل''! لم يقرؤوا مخطط ''برنارد لويس'' عن تفتيت الدول العربية إلى 42 دويلة مذهبية، طائفية، إثنية متحاربة فيما بينها لتغييب صورة الصراع التناحري مع العدو الصهيوني، كمظهر للصراع الأساسي في المنطقة!

وكان زبجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر، قد أسَّس نظرياً لسياسة ''التفتيت الطائفي والمذهبي والعرقي'' للدول العربية، داعياً الرئيس كارتر إلى التغيير في الشرق الأوسط بما يجعل اتِّخاذ الطائفة والمذهب هوية للناس في البلاد العربية أمراً ممكناً وسهلا؛ أمَّا كيسنجر فتحدّث عن أهمية وضرورة جَعل العالم العربي ''أقليات'' من طريق تمزيق دوله دينياً وطائفياً ومذهبياً، وإقامة إمارة عند كل بئر نفط؛ فهذه الطريق هي عينها الطريق إلى ''إسرائيل العظمى''.

وعلى إيقاع هذا التضليل الديني سيغدو كل معارض للمشروع الصهيوني في الشرق الأوسط معارضاً لحكمة الله ومشيئته المقدسة، وعلى جنائز القيم تبدو فاجعة الشرق لا في تمزيق العالم العربي والإسلامي فحسب، بل في تمويل الإرهاب وتسليحه تمهيداً لقيام إماراته ودوله لإثبات النظرية التي بشّرت بقيام إسرائيل منذ العام 1895 بوصفها المركز الأمامي للحضارة الغربية في مقابل البربرية العربية والإسلامية المتوحشة بصراحة ما كتبه هرتزل في يومياته: إن اليهود سيكونون بعودتهم إلى وطنهم التاريخي ممثلين للحضارة حاملين معهم النظافة والنظام، وعادات الغرب الراسخة إلى هذه الزاوية من الشرق الذي تتفشى فيه الأوبئة والآفات... ولن تجد في نصوص الإدارة الأمريكية ووعودها للعرب بجنائن الإصلاح والديمقراطية والتنمية إلا نسخة كربونية جديدة عن وعود هرتزل في يومياته 21 حزيران 1895.

طبعاً في جوهر الأمور كلّ هذا يجري في الزمن الراهن، من وجهة نظر الصهاينة والمتصهينين معهم من أجل تمرير ''صفقة القرن'' وتصفية القضية الفلسطينية وتسليم المنطقة إلى الهيمنة الصهيونية الإسرائيلية، ولكنّ مجريات هذه القمم ونتائجها وانطلاقة الروح الشعبية في إيران ولبنان وسورية واليمن وبلدان عديدة أخرى ورفض ''صفقة القرن'' جملة وتفصيلاً، كلّ هذا يشير إلى أن الحقوق العربيّة في فلسطين والجولان وشبعا لا تسقط من خلال فبركات إعلامية متمظهرة بمظهر القوة وليس هناك أساس شرعي أو قانوني أو سياسي أو اجتماعي تستند إليه في نهاية المطاف. وبيت القصيد في هذا الشأن هو ما بدأ الكيان الصهيوني بالترويج له علناً منذ عام 2005 وربما سرّاً منذ عقود قبل ذلك، وهو أن الخطر في المنطقة هو الخطر الإيراني أو الشيعي وليس خطر الاحتلال اليهودي والاستيطان الصهيوني لفلسطين والأراضي العربيّة المحتلة الأخرى، ومصادرة الحقوق الوطنية والإنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وأهلنا في الجولان ومزارع شبعا وفي كلّ شبر من الأراضي المحتلة.

غير أن فشل هذا المشروع ومؤامراته فتح شهية الذين وضعوا مخططاته إلى تأجيج حروب دينية جديدة تحت مسميات طائفية ومذهبية فيما شهدناه ونشهده اليوم في غير عاصمة عربية وإسلامية من احتقانات الفتن ومحاولات تقسيم الشرق الأوسط باسم الدين لإحكام السيطرة على دوله الممزقة وأنظمته الضعيفة: ''لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ'' (المائدة: 82).

للأسف المأسوف عليه، ما يجري في المنطقة وفي العالم الإسلامي تحديداً يستمر الإيحاء به على أنه صراع بين المذهبين الشريفين، وهما اللذان يشكلان الواقع الإسلامي، بل إن البعض لا يهدأ له بال إلا إذا أضاء على القول بالصراع ومحاولة تأكيده، إضافة إلى شعوره بالسرور إذا ما قدم مداخلته في هذا الشأن. يحاولون الباس المنطقة منطق صراع مغاير لواقعها الحقيقي من أجل التأثير عليها في صميمها، باعتبار المفهوم المذهبي أداة تفجير خطيرة هي على حد تعبير كيسنجر مهندس الأزمات معركة المائة عام. فإذا ما انفجر الوضع على هذا الأساس فلن يبقى من الأمة ما يذكر بها لاحقاً. فلا سنة ولا شيعة، التراص الإسلامي أقوى من الشبهات التي يبثها الغرب حتى وإن كان عربياً من أجل أغراضه الخاصة، دون تجاهل الدفع الإسرائيلي في هذا الاتجاه من أجل السيادة على المنطقة عندما يأكلها التفتت والإسلامي في طليعته.

المرحلة إذن صراع سياسي، لن تصل أبدا مرحلة العذاب المذهبي.. لكن من المؤسف القول، أنّ ثمة من يدق باب المذهبية ليعتلي على ظهرها وليقوم بأكبر عملية احتيال على شعبه... الأفق بات مليئا بأفكار من هذا النوع، أما المصيبة الأكبر فهنالك أكثر من خمسين محطة فضائية تبث سموماً من هذا النوع بشكل مباشر ومن كل الطوائف. لا تتوقف على مدار الساعة من تسميم المسلمين، ومن التحريض فيما بينهم، ودفع أجيال غير واعية إسلامية وهي تشكل السواد الأعظم إلى ركوب موجة التمذهب تحقيقا لغايات أبعد من مشروع الممول، أي صاحب الفكرة الأساسية في هذا المشروع وهو الإسرائيلي ومن ورائه.

ولإثبات الصراع على أسسه الحقيقية التي تنطلق من مفهوم مشروع، نقرأ في خارطة المنطقة، فما يجري في سوريا لا تتشكل في داخله على الإطلاق مفاهيم مذهبية، يتركز الصراع بين عصابات يعتدون على دولة قائمة، وهذه العصابات وعاء للصوص وهاربين من الجندية ومتآمرين سابقين هربوا من السجون أو كانوا فارين من وجه العدالة وبعض الفارين من خدمة العلم إضافة إلى مجاميع من دول مختلفة غير مرغوب بها في بلادها لأسباب متعددة منها جرمية... صراع حولته دول قادرة مالياً إلى ما تسعى إليه من تغيير الدولة والنظام، فأنشأت لها أذرعاً منظمة على الطريقة الفاشية، أي مرتبطة برأس مدبر يعرف مسار الأمور ويدير المعارك بمعرفة وحرفة. وفي سوريا أيضاً من يقاتل لتقسيمها ولتدمير ما تبقى من قوة لها بصورة لا تقبل تفسيراً سوى التآمر عليها في وقت المحنة... وفي سوريا ما يسوِّغ أموراً وضدها مما يدمي الشعب ويكرِّه الناس بالحياة جراء ممارسات وأوضاع لا يطيقها الإنسان... وكل ذلك يصب في إضعاف الدولة، وتمزيق المجتمع، وإضرام نار الفتنة بصورها وأشكالها المذهبية والعرقية والطائفية و...؟!

في العراق يحاولون الإيحاء بقوة الدفع الخارجي أن ما يجري صراع مذهبي من أجل إعطائه تسمية سموم، لكن الحقيقة تقول أن حقيقة هذا الصراع قائمة على قواعد سياسية ومنضبطة على صراع مشروعين أيضاً متكرسين من الخارج ومنقادين بقوى داخلية.

ولا يكاد يختلف الوضع في اليمن كثيراً عنه في العراق وسوريا من حيث الاصطفافات المذهبية على الخصوص ومخاطرها، فهناك في اليمن يأخذ خروج الحوثيين على الدولة وإحكام قبضتهم عليها، صبغة مذهبية، شيعية سنية، على الرغم من وجود شركاء آخرين للحوثيين في خروجهم ذاك. وفي اليمن أيضاً كما نعرف أماكن وقواعد للقاعدة ولداعش، وفيه مواجهات بين القاعدة والجيش اليمني منذ سنوات، وكل ذلك أصبح اليوم يؤطر لحرب تصب في الفتنة المذهبية، السنية الشيعية، تقودها السعودية ودول التحالف في عاصفة الحزم.

وفي لبنان، تشتعل محاور الصراع ثم تنطفئ، ولا يبدو أنها قابلة لأخذ الصورة التي يتوخى البعض قيامها... إن عناصر المذهبية متوفرة في هذا البلد الصغير، لكنها غير قابلة للاشتعال مهما حاول الفاعلون إضرام نارها. ثمة مشروع واضح يقوده المشروع الأكبر المؤسس في المنطقة (السوري الإيراني العراقي مغطى بالروسي)..

وفي مصر ليس هنالك من ذكر للمذهبية، صراعها منذ أن بدأ هو تغيير النظام، وحين رحل حسني مبارك تحولت إلى قواعد جديدة ما لبثت أن ثبتت على حكم الإخوان المسلمين، ثم جاء وقت اقتلاعه فظل الصفة الحاكمة للصراع بين مشروعين داخلين محكومين بتداخلات خارجية كالعادة.

وفي تونس، تتكرس مفاهيم الصراع بين مشروعين لا وجود للمفهوم المذهبي بينهما..

وفي ليبيا يستمر الانقسام، وتستمر الحرب المجنونة، وإحراق الذات بالذات، وتتواصل الاتهامات وتتفاعل، وتتضاعف صور الانفلات وأشكاله وألوانه، فيصبح هناك من يُحسَبون على الإرهاب، ومن يبايعون داعش، ومن يخوضون حرباً ضد الإرهاب، وأخرى تعلن عن رغبة في تقسيم ليبيا إلى دويلات، وهناك أيضاً من يخوضون جهاداً لإعلانها دولة إسلامية... وفيها من يمارس أفعالاً تؤدي إلى إثارة فتنة طائفية بوحشية دموية كريهة لا أظنها تتم من غير تحريض أو تطرف أعمى...

ويضاف إلى كل هذه الأفعال المأساوية، مما سبقت الإشارة إليه هنا، وإلى الظروف التي تخلقها والتفاعلات التي تتم بسببها في الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، ما كان من أسباب ودوافع لها ومحرضات عليها، ومن دعم وتمويل وتحريض وتجييش... مما أسس ويؤسس لانقسامات اجتماعية عميقة وخطيرة، وإلى اصطفاف وتحشيد مذهبيين، وإلى تشكّل مفارخ وحواضن للفتنة ''سياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية ودينية..''... وكل ذلك يخلق مناخ الحرب/الكارثة ويفتح باب الاحتمالات على مصراعيه أمام انتشارها الكبير، وبصورة لا يمكن التحكم بها.

ومن الأمور اللافتة في هذه الأوضاع والظروف والكاشفة لإمكانية مسارعة دول عربية، تعمل تحت إمرة غربية، إلى دخولها بحميَّ التبعية واستعمال لأسلحتها بثأرية قبلية ذات أبعاد سياسية استرضائية للغرب أولاً ولمن عداه ممن يهمها أمرهم ثانياً... على حساب كل صلات قد تربطها بغيرها من الدول والمجتمعات العربية، وعلى حساب ما قد يستنفر الأنفس أو يتخمّر فيها من عداوات وشرور تُزرع وتُروى وتُرعى فتُثَمَّر خراباً وموتاً... وذلك نتيجة للاستغلال الشعبي الذي تمارسه أجهزة وجهات مختلفة تحت ذرائع وتفسيرات شتى... ومن ثم يؤدي ذلك إلى صراعات وعنف وإرهاب وانعدام ثقة وتقطيع أواصر وعلاقات دينية وتاريخية وقومية، مما لا ينجو معه الأبرياء خصوصاً من دفع الثمن الفادح في الحروب والصراعات السياسية والمذهبية، الباردة منها والساخنة والدامية.

ويا ما أحلى هذا وذاك من الأقوال الممعنة في الترجمة إلى أفعال على قلب الصهاينة والأميركيين والأوروبيين... وتستعر الحرب وتستمر حتى تحقق لأعداء الأمتين العربية والإسلامية أهدافهم، من دون أن يتحملوا أية أعباء أو يدفعوا أية تكاليف... بل على العكس فهي حرب تدرّ عليهم الأرباح وتروج سوق السلاح، وتفتح لهم البلاد وتملكهم رقاب العباد، وتقدم لهم الثروة والطاقة والنفوذ، وتقضي لهم على من حاولوا هم القضاء عليهم بالعدوان المباشر وبأشكال من التآمر فلم ينجحوا تماماً في الوصول إلى ما يريدون؟!

وفي هذا السياق، فقد اعترف نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في خطاب له أمام طلاب في جامعة هارفارد يوم 2 تشرين أول/أكتوبر بان حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، قدموا ''مليارات الدولارات وعشرات الآلاف من أطنان السلاح ''للمقاتلين ''السنة''! الذين يحاولون الإطاحة بحكومة الرئيس السوري بشار الأسد. وقال بايدن إن ''مشكلتنا الكبرى كانت حلفاءنا في المنطقة... كان همهم الوحيد إسقاط بشار الأسد، لذلك شنوا حربا بالوكالة بين السنة والشيعة، وقدموا مئات الملايين من الدولارات، وآلاف الأطنان من الأسلحة إلى كل الذين يقبلون بمقاتلة الأسد''.

لقد وضّح نائب الرئيس في اعترافه مسألتين رئيسيتين، الأولى هي: أن حلفاء بلاده وركائزها في سياساتها وخططها في المنطقة، شاركت في حرب دموية لإشاعة عدم الاستقرار وإثارة النزاعات والصراعات في المنطقة. وأن المسألة الثانية: وهي الهدف من كل ما جرى هو تكريس الحروب بين الطوائف والمذاهب الدينية، وبخاصة بين طائفتي السنة والشيعة بين المسلمين، وهو الهدف المركزي الذي خطط له، ووضع في مهمات الغزو والاحتلال والتوسع الامبريالي والهيمنة الاستعمارية، والتواطؤ معها والتخاذل في النهاية إزاء المصالح الوطنية والقومية وتدمير المنطقة وثرواتها وطاقاتها ومستقبل أجيالها.

والمتابع لما يجري في المنطقة العربية يلاحظ، أنّ ثمة نيراناً طائفية ولكنها ليست حتمية، إنما بفعل فاعل، أنى اختفى هذا الفاعل خمدت ألسنة النيران... هذه جرائم إحراق متعمدة يضرمها قادة متنوعو الوجهات الجغرافية، وأن جمعهم ضيق وقصر النظر سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

يحق لنا أن نتساءل لماذا العزف على أوتار النيران الطائفية بالتحديد في هذه المنطقة دون غيرها من أوتار الصراعات كالأعراق مثلا؟

الجواب به لمحة فلسفية تعود بنا إلى التفريق بين المطلق والنسبي فالأديان والمذاهب والطوائف هي مقدسات من سبيل المطلق الذي لا يعرف التعايش أو التعددية مع الآخر عندما تصل به حالة التطرف إلى حدها الأقصى ـ خذ جماعة داعش مثالا على ذلك ـ أما النسبي فهو القضايا السياسية الخلافية التي يمكن للمرء التوصل فيها إلى موائمات وتوافقات بينية وسطية. على هذا الأساس فإن الأيادي التي تشعل النيران في الشرق الأوسط والعالم العربي، تدرك جيداً الخلفيات الدينية، والمرجعيات الثقافية والفكرية لشعوبه، وصانع القرار في الغرب عادة ما يلجأ إلى بعض من أساطير الفكر والعارفين ببواطن الأمور في المنطقة، وقد وجد في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال من هذه النوعية نموذجان، الأول مثله ''برنارد لويس'' بطريرك الاستشراق، والأب الفعلي لنظريات صدام الحضارات عند هنتنجتون، وهو السبب الأول والمنظر الأول لتفكيك العالم العربي، والمنادي الأول أيضاً بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يتفق والمصالح الكونية للدول الرأسمالية العظمى، وفي سياق ذلك كان لابد من اللعب على أوتار الطائفية الدينية، وهو الخبير بتاريخ الإسلام والمسلمين في العالم العربي منذ زمان الوحي ونزول الرسالة حتى زمن الاحتلال الإنجليزي للبلاد.

أما الثاني فقد كان البروفيسور ''فؤاد عجمي'' الذي رحل عن عالمنا، والذي لعب بدوره عاملاً فاعلاً ومؤثراً في دفع إدارة جورج بوش الابن في طريق غزو العراق، ودفع إدارة أوباما دفعاً من وراء وأمام الستار لتفكيك سوريا، وإشعال الحرائق الطائفية فيها، لاسيما بين العلويين والسنة، حتى آل الأمر إلى ما هو عليه.

والمؤكد أن راسمي تلك الخرائط المشتعلة يدركون أن تعددية المطلق، أي الأديان والمذاهب والطوائف، تعددية زائفة لأن المطلق بحكم تعريفه واحد لا يتعدد، وإذا تعدد فصراع المطلقات حتمي، وتساير هذا القول نتائج الأبحاث التي أجريت على الصراع في مجتمعات متباينة، وهي أن الصراعات الاقتصادية تدور على الخيرات القابلة للقسمة، وهي لهذا صراعات قابلة للتفاوض، ومن ثم من الميسور حلها، وعلى الضد من ذلك الخيرات التي لا تقبل القسمة فإنها لا تقبل التفاوض، وصراع المطلقات من هذا القبيل.

الصراع في منطقتنا ليس سنياً وشيعياً ولا إسلامياً مسيحياً ولا حتى يهودياً إسلامياً، وإنما هو صراع سياسي بين العروبة والصهاينة يهوداً ومسيحيين ومسلمين وأعراباً، منقادين كالقطيع وراء الغرب والصهيونية، وبين أبناء الشعب العربي المؤمنين بتراب بلدانهم ومستقبل أجيالهم. وها هنا يجب أن نأخذ حذرنا من هذه الفتن الدينية العمياء ونتبرأ إلى الله سبحانه وتعالى من كل فتنة تقود العرب والمسلمين إلى قتال بعضهم بعضاً تحت لافتات التخوين وشعارات التكفير، ولا خيار لنا إلا أن نحترم الخصوصيات والمقدسات الدينية ليحتكم الجميع إلى قيم الأخلاق والعدالة والعيش المشترك.

علينا اليوم أن نقول: وداعاً للرجعية العربية وللنفاق العربي، وأن نشهد حقبة جديدة بعد هذا الربيع الصهيوني الدامي، وأن نعلن فراقاً أبدياً بيننا وبين أساليب العمل العربي التي قادت إلى تعزيز الاستيطان في فلسطين وبناء مئات المشاريع التهويدية التي يتم تنفيذها بهدف تغيير الوضع القائم في القدس وأحيائها ومحيطها وبلدتها القديمة ومقدساتها وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6