الأزمة لم تعد فقط في من يملك القرار السيادي في العراق، بل في من يملك الرواية الصادقة عما يجري داخل مؤسسات الدولة نفسها. فبغداد اليوم تواجه اختبارين متزامنين: إثبات للخارج بقدرتها على ضبط سلاح الفصائل، وإثبات للداخل أن حكومتها ليست طرفًا خفيًا في ضربات توصف رسميًا بأنها انتهاك لسيادتها...

بعد ساعات من الغارات الأميركية - السعودية المشتركة التي استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي في عدة محافظات عراقية، حسم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الجدل الذي أثارته الضربة: أعلن مكتبه تعليق زيارته المرتقبة إلى الرياض، في خطوة كانت حتى وقت قريب تبدو مستبعدة. لكن المفاجأة الأكبر جاءت من واشنطن لا من بغداد، حين كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الضربات نُفذت بتنسيق مسبق مع الحكومة العراقية نفسها، في تصريح يقلب كثيرًا من المعادلة التي بُنيت عليها القراءات الأولى للحدث.

هذا التطور المزدوج، التأجيل من جهة، وتصريح ترامب من جهة أخرى، يُحتم علينا طرح سؤال هذا وقته: من يملك القرار الفعلي داخل الدولة العراقية؟

قرار التأجيل: تراجع أم مناورة؟

إعلان تعليق الزيارة، ولو أنه جاء سريعًا نسبيًا، يحمل دلالة مختلفة عما كان متوقعًا، فبدلًا من امتصاص الصدمة والمضي قدمًا، كما رجحت قراءات سابقة، اختارت الحكومة العراقية إشارة رمزية للداخل: أن الدولة لا تسير خلف مصالحها الخارجية على حساب مؤسساتها الأمنية. غير أن هذا التأجيل يبقى، في جوهره، خطوة قابلة للقراءة من اتجاهين متعارضين: إما أنه استجابة حقيقية لغضب الشارع والفصائل، أو أنه مجرد إجراء بروتوكولي مؤقت ريثما تهدأ الأجواء، دون أن يعكس تغيرًا في جوهر العلاقة بين البلدين، التي لا تزال بغداد بحاجة إليها اقتصاديًا وأمنيًا أكثر من حاجة الرياض إلى بغداد.

المفارقة الصادمة: تصريح ترامب

الحدث الأكثر إرباكًا لم يكن التأجيل، بل تصريح ترامب نفسه، فحين قال إن الضربات جرى التنسيق بشأنها مع الحكومة العراقية، أفرغ بشكل عملي من محتواها كل الروايات الرسمية العراقية التي وصفت القصف بأنه انتهاك صارخ للسيادة. فإذا صح كلام ترامب، فإن السؤال يتحول من: من ضرب العراق دون علمه؟ إلى سؤال أكثر إيلامًا: هل تواطأت الحكومة، أو أجزاء منها، في ضربة استهدفت مؤسسة أمنية رسمية مندمجة نظريًا في جهاز الدولة؟

هذا التناقض بين الإدانة الرسمية العراقية والرواية الأميركية يعيد إنتاج الأزمة الأصلية بشكل أعمق: إما أن الرئاسة العراقية لم تكن طرفًا في التنسيق المزعوم، بينما كانت جهات أخرى داخل الدولة، رئاسة الوزراء أو الأجهزة الأمنية، على تواصل مع واشنطن، أو أن الإدانة الرسمية كانت غطاءً سياسيًا لخطوة قبلت بها الحكومة ضمنًا وأنكرتها علنًا. وفي الحالتين تتأكد الفرضية القائلة إن مركز القرار داخل الدولة العراقية ليس موحدًا، وأن الفصائل المسلحة لم تعد وحدها من يتصرف خارج المظلة الرسمية، بل ربما تتصرف الحكومة نفسها بمنطق مزدوج: لغة إدانة للاستهلاك الداخلي، وتفاهمات مختلفة خلف الكواليس.

تصدع الجبهة الداخلية

الانقسام الذي ظهر في الساعات الأولى بين خطاب الحشد الشعبي الغاضب ودعوات نواب الإطار التنسيقي لموقف حكومي حكيم وشجاع، اتضح أنه لم يكن مجرد تباين في اللهجة، بل انعكاسًا لواقع أعمق: فصائل تشعر بأنها تُستهدف بمباركة ضمنية من الدولة التي يُفترض أنها تحتضنها. وإذا تأكدت رواية ترامب في الأيام المقبلة، فإن الشرخ بين الحشد الشعبي والحكومة قد يتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى أزمة ثقة وجودية حول من يمثل من داخل المنظومة الأمنية العراقية.

ماذا يعني هذا لمستقبل حصر السلاح؟

حكومة الزيدي كانت قد تعهدت بمشروع حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية سبتمبر المقبل، فإذا صح أن الضربة نُسقت مع بغداد، فقد تكون واشنطن والرياض قررتا أن انتظار تنفيذ هذا الوعد عبر القنوات السياسية أبطأ من فرضه بالقوة، وأن التنسيق مع الحكومة كان وسيلة لإعطاء الضربة غطاءً شرعيًا محليًا. أما إذا كانت الرواية الأميركية مبالغًا فيها أو غير دقيقة، فإن ترامب بذلك يكون قد وضع حكومة الزيدي في موقف حرج للغاية أمام قواعدها الشعبية والفصائلية، بصرف النظر عن حقيقة ما جرى فعلًا خلف الكواليس.

وبين تأجيل الزيارة وتصريح ترامب، يتضح أن الأزمة لم تعد فقط في من يملك القرار السيادي في العراق، بل في من يملك الرواية الصادقة عما يجري داخل مؤسسات الدولة نفسها. فبغداد اليوم تواجه اختبارين متزامنين: إثبات للخارج بقدرتها على ضبط سلاح الفصائل، وإثبات للداخل أن حكومتها ليست طرفًا خفيًا في ضربات توصف رسميًا بأنها انتهاك لسيادتها. وطالما بقي هذان الاختباران بلا إجابة واضحة، ستظل العلاقة بين الرياض وبغداد رهينة لتفسيرات متضاربة أكثر منها لثقة متبادلة.

اضف تعليق