استطاع غراهام أن يحول سنوات من الدعوة إلى ضرب إيران إلى حملة مركزة وجدت فرصتها في لحظة سياسية وعسكرية محددة. وقد أقنع ترامب بأن إيران ضعيفة، وأن إسرائيل مستعدة، وأن الجيش الأميركي قادر على تنفيذ عملية سريعة، وأن الحرب ستعيد تشكيل المنطقة وتمنح الرئيس مكانًا بارزًا في التاريخ...
لم تكن وفاة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام في 11 يوليو/تموز 2026 نهاية لمسيرته السياسية فحسب، بل أصبحت مدخلًا لإعادة فحص أحد أكثر الملفات حساسية في إرثه: دوره في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المشاركة في الحرب على إيران. فبعد أيام من رحيله، بدأت وسائل إعلام أميركية وبريطانية نشر مقتطفات من مئات الساعات التي صورها المخرج البريطاني أليكس هولدر خلال السنوات الأخيرة من حياة غراهام، ضمن وثائقي قيد الإعداد يحمل عنوانًا مؤقتًا هو «لعبة ليندسي».
تكشف التسجيلات سيناتورًا يتجاوز حدود دوره التشريعي التقليدي، ويتنقل بين البيت الأبيض وإسرائيل والسعودية وعواصم غربية، ويتحدث مباشرة مع ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة ومسؤولين آخرين، محاولًا تحويل فكرة ضرب إيران من خيار يطرحه صقور السياسة الخارجية إلى مشروع قابل للتنفيذ داخل دائرة القرار الرئاسي.
ولا تعني هذه المعطيات أن غراهام كان المسؤول الوحيد عن اندلاع الحرب، أو أنه امتلك سلطة إصدار الأوامر العسكرية. فالقرار النهائي اتخذه ترامب، واستند كذلك إلى مطالب إسرائيلية وتقديرات استخبارية ومواقف مسؤولين في الإدارة وظروف إقليمية وداخلية متشابكة. لكن التسجيلات والتحقيقات الصحفية تشير إلى أن غراهام كان أحد أبرز المحركات السياسية المباشرة للقرار، وأنه أدى دور الوسيط والمنظّر والمسوق لخيار الحرب في آن واحد.
صقر لم ينتظر حرب 2026
لم يبدأ موقف غراهام من إيران في الأسابيع التي سبقت الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026. فمنذ سنوات طويلة، تبنى رؤية تعتبر النظام الإيراني مصدرًا رئيسيًا للتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاءهما، ودعا إلى استخدام القوة العسكرية لتدمير البرنامج النووي الإيراني وإضعاف القدرات الصاروخية والعسكرية لطهران.
وكانت هذه الرؤية جزءًا من عقيدة سياسية أوسع آمن بها غراهام طوال مسيرته. فقد دعم غزو العراق عام 2003، وساند التدخل العسكري الأميركي في أزمات متعددة، ودافع عن استمرار الحضور الأميركي في الشرق الأوسط وأوروبا ومناطق الصراع. وبقي ينتمي إلى المدرسة الجمهورية التدخلية التي ترى أن الولايات المتحدة لا تحمي مصالحها بالانسحاب من الأزمات، بل باستخدام القوة والتحالفات والضغط العسكري المباشر.
وفي فبراير/شباط 2026، قبل يومين من اندلاع الحرب، نشر مكتب غراهام مقالًا وصف فيه الوضع الإيراني بأنه «لحظة جدار برلين»، داعيًا الولايات المتحدة إلى استثمار ضعف النظام والاحتجاجات الداخلية وعدم السماح بمرور ما اعتبره فرصة تاريخية. ويكشف هذا الخطاب أن الحرب لم تكن بالنسبة إليه مجرد عملية عسكرية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل مدخلًا لتحويل موازين القوة وإحداث تغيير داخلي في إيران.
كما سبق لغراهام أن دعم قرارات تشريعية تؤكد ضرورة إبقاء جميع الخيارات، ومنها الخيار العسكري، مفتوحة في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني. وقد ربط بصورة مستمرة بين إيران وأمن إسرائيل، معتبرًا أن امتلاك طهران قدرة نووية يمثل خطرًا على الولايات المتحدة وحلفائها وعلى النظام الإقليمي بأكمله.
بهذا المعنى، لم يكن غراهام سياسيًا استجاب لاندلاع أزمة مفاجئة، بل كان ينتظر اللحظة التي تصبح فيها أفكاره القديمة قابلة للتحول إلى قرار تنفيذي.
من خصم لترامب إلى أحد أقرب المؤثرين فيه
تكمن المفارقة في أن غراهام لم يبدأ علاقته بترامب حليفًا. خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016، تبادل الرجلان انتقادات حادة، ووصل الخلاف بينهما إلى حد نشر ترامب رقم هاتف غراهام أمام الجمهور. كما انتقد غراهام ترامب بعد اقتحام مبنى الكونغرس في السادس من يناير/كانون الثاني 2021.
لكن غراهام عاد تدريجيًا إلى دائرة ترامب، وتحول من منتقد إلى حليف شديد القرب منه. ولم يكن هذا التحول قائمًا فقط على الحسابات الحزبية، بل على رغبة غراهام في التأثير في رؤية ترامب للعالم ومنع التيار الانعزالي داخل حركة «أميركا أولًا» من السيطرة الكاملة على السياسة الخارجية الجمهورية.
كان غراهام يدرك أن ترامب لا يتبنى عقيدة التدخل الخارجي بالطريقة التقليدية، وأنه ينظر بحذر إلى الحروب الطويلة والاحتلال البري وبناء الدول. ولذلك لم يحاول إقناعه بحرب تشبه غزو العراق، بل أعاد تقديم التدخل العسكري في إيران بوصفه عملية جوية سريعة، منخفضة المخاطر، يمكن أن تحقق انتصارًا تاريخيًا من دون إرسال قوات برية أو تحمل مسؤولية مباشرة عن إدارة إيران بعد سقوط نظامها.
وبمرور الوقت، تعلم غراهام كيفية مخاطبة ترامب من داخل منظومته النفسية والسياسية. فبدل الحديث عن التزامات دولية مجردة، ركز على القوة والهيبة والإرث الرئاسي والقدرة على تحقيق إنجاز لم يحققه الرؤساء السابقون. كما ذكّر ترامب بانسحابه من الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد باراك أوباما، وقدم ضرب إيران بوصفه استكمالًا منطقيًا لذلك القرار.
أصبح غراهام، وفق توصيفات صحفية، مترجمًا بين مدرستين متباعدتين: التدخلية الجمهورية التي ورثها عن حليفه الراحل جون ماكين، ونزعة ترامب التي تميل إلى تجنب الالتزامات المفتوحة لكنها تنجذب إلى الاستعراض السريع للقوة. وقد ساعدته هذه القدرة على تحويل أهداف كبيرة، مثل إضعاف إيران أو تغيير نظامها، إلى مقترحات تتناسب مع لغة ترامب في الصفقات والانتصارات السريعة.
صناعة الفرصة أمام الرئيس
لم يكتف غراهام بتخويف ترامب من إيران، بل سعى إلى إقناعه بأن مطلع عام 2026 يمثل فرصة لا تتكرر. فقد صور النظام الإيراني على أنه يمر بأضعف مراحله نتيجة العقوبات والاحتجاجات الداخلية والضربات التي تعرض لها حلفاؤه الإقليميون وتراجع قدرته على الردع.
وفي حملته لإقناع الرئيس، شبّه القيادة الإيرانية بالأنظمة التوسعية التي ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية. كما استخدم مقارنات تاريخية تصور ترامب ونتنياهو في موقع قادة يواجهون خطرًا عالميًا كبيرًا، معتبرًا أن التردد أمام إيران سيشبه التردد الذي سمح بتمدد القوى الفاشية في أوروبا.
هذه المقارنات لم تكن مجرد مبالغات خطابية، بل أداة لتضخيم أهمية القرار أمام ترامب. فغراهام كان يريد نقل الملف الإيراني من مستوى مشكلة يمكن احتواؤها بالعقوبات والمفاوضات إلى مستوى لحظة فاصلة تحدد مكان الرئيس في التاريخ.
وتكشف تسجيلات الوثائقي أن غراهام استخدم هاجس الإرث بصورة مباشرة. فقد كان يطرح على ترامب عبارات شهيرة ارتبطت برؤساء أميركيين سابقين، ثم يسأله عن العبارة التي ستلخص إرثه. وكان المقصود دفعه إلى رؤية الحرب باعتبارها فرصة لصناعة لحظته الرئاسية الخاصة.
كما ربط غراهام الحرب بتهديدات إيرانية سابقة لترامب، وهو ملف كان يدرك أنه يحمل تأثيرًا شخصيًا في الرئيس. وقال إن من يعتقد أن ترامب ينسى هذه الأمور لا يفهم طريقة تفكيره. وبذلك جمع بين المصلحة الاستراتيجية الأميركية، وأمن إسرائيل، وطموح الرئيس التاريخي، وشعوره الشخصي بأنه مستهدف من إيران، في سردية واحدة تؤدي جميع عناصرها إلى النتيجة نفسها: ضرورة استخدام القوة.
التنقل بين إسرائيل والبيت الأبيض
كان الموقع الأهم الذي شغله غراهام قبل الحرب هو موقع حلقة الوصل غير الرسمية بين نتنياهو وترامب. فقد حافظ على علاقة وثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي، وكان من أشد المدافعين عن المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، بل إن نتنياهو قال بعد وفاته إن غراهام كان يطلب أحيانًا تقديم دعم لإسرائيل يتجاوز ما تطلبه حكومتها نفسها.
وخلال الأسابيع السابقة للضربات، قام غراهام بعدة زيارات إلى إسرائيل والتقى مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وقال لاحقًا إن الإسرائيليين كانوا يطلعونـه على معلومات لا يحصل عليها أحيانًا من الحكومة الأميركية. ثم حمل هذه التقديرات إلى واشنطن، وعمل على تهيئة ترامب لقبول الحجة الإسرائيلية بأن الانتظار سيجعل الخطر الإيراني أكبر ويضيع فرصة التحرك.
لم يكن غراهام ناقلًا محايدًا لهذه المعلومات. فقد ساعد نتنياهو، بحسب روايته، في اختيار الطريقة الأكثر تأثيرًا لعرض الموقف على ترامب، بينما قدم لرئيس الوزراء الإسرائيلي فهمًا لطبيعة الرئيس الأميركي وما يحتاج إليه حتى يوافق على الحرب.
وتشير تقارير لاحقة إلى أن إحاطة قدمها نتنياهو في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، إلى جانب اتصالات متكررة أجراها غراهام وحلفاء آخرون، أسهمت في تعزيز قناعة ترامب بأن الجيش يستطيع تنفيذ العملية بنجاح وسرعة.
وهنا يظهر الدور النوعي لغراهام. فهو لم يكن مجرد صوت مؤيد لإسرائيل داخل الكونغرس، بل وسيطًا جمع بين المعلومات الإسرائيلية والوصول الشخصي إلى الرئيس والقدرة على إعادة صياغة الخيار العسكري في صورة تلائم رؤية ترامب.
تحرك إقليمي لتهيئة ما بعد الضربة
امتد نشاط غراهام إلى خارج العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. وتظهر تسجيلات الوثائقي أنه سافر للقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وناقش معه الحرب واحتمالات المرحلة التي ستلي إضعاف النظام الإيراني أو سقوطه.
كان غراهام يعتقد أن إسقاط النظام الإيراني أو تحييد قدرته الإقليمية سيزيل العقبة الرئيسية أمام تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. ولذلك لم ينظر إلى الحرب باعتبارها هدفًا مستقلًا، بل الحلقة الأولى في مشروع إقليمي أوسع يقوم على تغيير إيران، ثم بناء محور عربي–إسرائيلي جديد مدعوم من الولايات المتحدة.
وأبلغ نتنياهو في أحد الاتصالات أنه قادر على حشد دعم جمهوري وديمقراطي للخطوات اللازمة لإتمام التطبيع السعودي–الإسرائيلي بعد سقوط النظام الإيراني. لكن نتنياهو طلب منه التركيز أولًا على إيران وعدم استباق المراحل اللاحقة.
يكشف ذلك أن غراهام لم يكن يتحرك فقط لإقناع ترامب بإصدار أمر عسكري، بل كان يحاول بناء البيئة الإقليمية والسياسية التي تجعل الحرب مقدمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. غير أن هذا التصور اعتمد على افتراض كبير: أن النظام الإيراني سينهار بسرعة، وأن الدول العربية ستتمكن من المساعدة في إدارة النتائج، وأن الحرب لن تتحول إلى صراع طويل.
مواجهة معسكر تجنب الحرب
لم يكن طريق غراهام إلى إقناع ترامب خاليًا من المقاومة. فقد عارض مسؤولون ومستشارون داخل الإدارة الانخراط في حرب جديدة، وحذر بعض العسكريين من مخاطر توسعها ومن غياب خطة واضحة لنهايتها.
وكان غراهام يصف هؤلاء بأنهم معسكر عدم التورط، ويعتبر أن ترددهم يحرم الولايات المتحدة من استثمار تفوقها العسكري. كما أبدى انزعاجه من جهود المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للتوصل إلى تسوية تفاوضية، ورأى أن وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر قدرة على إدارة الملف الإيراني.
وتظهر التسجيلات أنه تحدث إلى مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان عن ضرورة بناء زخم ميداني يؤدي إلى فقدان النظام الإيراني السيطرة على عدد من المدن خلال أسابيع. لم يكن غراهام يريد أن تمنح المفاوضات طهران فرصة لالتقاط أنفاسها، بل كان يرى أن الضغط العسكري والاضطرابات الداخلية يجب أن يتكاملا للوصول إلى نقطة يصعب معها على النظام استعادة السيطرة.
كان حضوره المتكرر في البيت الأبيض ونوادي ترامب في فلوريدا جزءًا من هذا الضغط. فقد واصل طرح الملف على الرئيس خلال اللقاءات واتصالات الهاتف وجولات الغولف، حتى وصفه أحد مسؤولي البيت الأبيض بأنه قريب مزعج لا يتوقف عن العودة إلى الموضوع.
ولذلك لم يكن تأثير غراهام ناتجًا عن لحظة واحدة أو حجة فاصلة، بل عن حملة استنزاف سياسي ونفسي مستمرة عملت على تقليص مساحة التردد لدى ترامب، وموازنة أصوات المستشارين الذين فضلوا التفاوض أو الاحتواء.
لحظة اندلاع الحرب: إقرار بالدور
أقوى ما تكشفه التسجيلات لا يتعلق بما قاله خصوم غراهام عنه، بل بما قاله هو عن نفسه بعد بدء الضربات. ففي أحد المقاطع، ظهر وهو يتابع تصريحات ترامب ويعبر عن تأثره بما تحقق، ثم يتساءل أمام فريق التصوير: «كم مضى ونحن ندفع بهذا الاتجاه؟».
وفي مقطع آخر قال: «انظروا إلى ما فعلناه هنا»، مؤكدًا أنه تحدث مع ترامب صباح ذلك اليوم وأن الرئيس كان شديد الحماسة للعملية. ويكشف استخدامه صيغة الجمع أنه لم يرَ الحرب قرارًا مستقلًا اتخذه ترامب وحده، بل نتيجة مسار كان يعتبر نفسه جزءًا أساسيًا منه.
كما أشار إلى وجود أشخاص داخل الإدارة لم يكونوا يريدون الحرب، لكنه قال إنه واجه هذه التحديات. وهذا التعبير يعزز صورة غراهام بوصفه طرفًا شارك في صراع داخلي حول اتجاه السياسة الأميركية، ولم يكن مجرد سيناتور رحب بالقرار بعد صدوره.
وكانت مشاعره تجاه البداية مختلفة عن لهجته اللاحقة. فبعد أشهر، ومع اتجاه ترامب إلى التفاوض ومحاولة تثبيت وقف لإطلاق النار، ظهر غراهام قلقًا من أن الرئيس يترك إيران تستعيد المبادرة. وفي آخر مقابلاته المسجلة قال إنه يحتاج إلى الذهاب والتحدث مع ترامب لأن الملف بدأ يفلت.
يبيّن ذلك أن هدفه لم يكن توجيه ضربة محدودة ثم العودة إلى التفاوض، بل مواصلة الضغط حتى إضعاف النظام جذريًا وفرض ترتيب إقليمي جديد.
أكثر تشددًا من نتنياهو في بعض اللحظات
من أبرز المفارقات التي أظهرتها التسجيلات أن غراهام لم يكن دائمًا مجرد تابع للموقف الإسرائيلي، بل دفع أحيانًا نحو خطوات أكثر اتساعًا مما كان نتنياهو مستعدًا له.
ففي اتصال جرى في الرابع من مارس/آذار، بعد أيام من بدء الحرب، عرض غراهام السفر إلى فلوريدا لإقناع ترامب بالمشاركة في عملية عسكرية إسرائيلية ضد حزب الله في لبنان. لكن نتنياهو نصحه بعدم توسيع الحرب بسرعة، موضحًا أن الأولوية يجب أن تبقى لإيران وأن فتح مواجهة شاملة مع حزب الله في تلك اللحظة قد يدفعه إلى استخدام جميع قدراته.
تراجع غراهام عن الفكرة بعد حديث نتنياهو، ووصف نصيحته بأنها جيدة، لكنه أبقى خيار العودة إليها مفتوحًا. وتكتسب الواقعة دلالتها من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي كان أحد أبرز الدافعين إلى الحرب الإيرانية، ظهر في هذا الاتصال أكثر حذرًا من السيناتور الأميركي.
كما تحدث غراهام علنًا بعد ذلك عن أهداف مثل السيطرة على جزيرة خرج، مركز صادرات النفط الإيرانية، وترك النظام يضعف اقتصاديًا حتى ينهار. ويؤكد ذلك أنه ظل يدفع نحو توسيع أدوات الضغط العسكري والاقتصادي حتى بعد تعثر التوقعات الأولية بشأن سقوط النظام بسرعة.
أي حرب كان غراهام يريدها؟
حرص غراهام في خطاباته العامة على القول إن الهدف هو تغيير التهديد وليس فرض قيادة جديدة على إيران. لكنه، في الوقت نفسه، تحدث مرارًا عن سقوط النظام وشجع الإيرانيين على اختيار حكم جديد، وربط مستقبل الشرق الأوسط بانتهاء سلطة القيادة الإيرانية الحالية.
يمكن تفسير هذا التباين بأن غراهام كان يميز بين تغيير النظام بعملية احتلال أميركية مباشرة، وهو ما استبعده، وبين خلق ظروف عسكرية واقتصادية وسياسية تؤدي إلى انهيار النظام من الداخل.
كان تصوره يقوم على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان تدمير البنية العسكرية والنووية والصاروخية الإيرانية من الجو، ثم تتولى الاحتجاجات والانقسامات الداخلية إكمال المهمة. ورفض المقولة التي ترى أن الطرف الذي يسقط نظامًا يصبح مسؤولًا عما يأتي بعده، معتبرًا أن إزالة الخطر لا تعني امتلاك الدولة أو إدارتها.
لكن هذه الرؤية تركت سؤال اليوم التالي من دون إجابة واضحة: ماذا يحدث إذا لم يسقط النظام؟ ومن يدير إيران إذا انهارت مؤسساتها؟ وكيف يمكن منع الفوضى أو الحرب الأهلية؟ وما حدود التزام الولايات المتحدة إذا طال الصراع واستمرت إيران في الرد؟
من توقع الانهيار السريع إلى حرب طويلة
كان غراهام يتوقع ظهور نتائج سياسية سريعة للضربات. وتظهر التسجيلات أنه تحدث عن احتمال أن يبدأ النظام فقدان السيطرة على بعض المدن خلال ثلاثة أو أربعة أسابيع، وعن ضرورة إشراك الدول العربية بصورة أكبر لبناء زخم لا يمكن عكسه.
لكن الحرب لم تسر وفق هذه التوقعات. فقد امتدت لأشهر، وواصلت إيران عملياتها، وتعقدت المواجهة في مضيق هرمز، وارتفعت الخسائر البشرية والكلف العسكرية والاقتصادية. كما بدأ ترامب يظهر نفاد صبره من حرب اعتقد أنها ستنتهي في وقت أقصر، في حين تصاعدت الانقسامات داخل القاعدة الجمهورية بشأن جدوى استمرارها.
كذلك لم يؤد مقتل قيادات إيرانية وتدمير منشآت عسكرية إلى انهيار سريع للنظام. وبدل أن تصبح الحرب جسرًا مباشرًا إلى التطبيع الإقليمي وإعادة ترتيب المنطقة، تحولت إلى أزمة مفتوحة استنزفت القدرات العسكرية الأميركية وأثرت في أسعار الطاقة وأثارت أسئلة داخل الكونغرس عن الأهداف والنهاية والكلفة.
هذه النتائج لا تلغي قدرة غراهام على قراءة نقاط الضعف الإيرانية، لكنها تكشف أنه بالغ في تقدير سرعة تحول التفوق العسكري إلى تغيير سياسي، وفي افتراض أن الضربة الجوية يمكن أن تنتج نظامًا إقليميًا جديدًا من دون التزامات أميركية طويلة.
هل كان غراهام مهندس الحرب؟
لا تمنح التسجيلات غراهام صفة صاحب القرار النهائي، لكنها تجعل من الصعب اعتبار دوره ثانويًا. فقد جمع بين خمسة عناصر أساسية: عقيدة قديمة تؤمن باستخدام القوة ضد إيران، وقرب شخصي من ترامب، وعلاقة مباشرة بنتنياهو، ووصول إلى المعلومات الإسرائيلية، وقدرة على تسويق الحرب بما ينسجم مع دوافع الرئيس الأميركي.
كما تحرك باستمرار خلال الأشهر التي سبقت الحرب، ونقل الرسائل بين الأطراف، وساعد في اختيار الحجج التي قدمت لترامب، وواجه المعسكر الرافض للتورط، ثم تحدث بعد بدء الضربات باعتبارها نتيجة حملة شارك فيها.
لكن القول إنه صنع الحرب منفردًا يتجاهل أدوارًا أخرى لا تقل أهمية. فقد كان نتنياهو والحكومة الإسرائيلية يدفعان باتجاه العمل العسكري، وقدمت إسرائيل معلومات وخططًا عملياتية إلى ترامب. كما شارك مسؤولون أميركيون في تقدير التهديد وإعداد الخيارات العسكرية، بينما امتلك ترامب وحده سلطة اتخاذ القرار الرئاسي.
لذلك يبدو الوصف الأدق أن غراهام كان المسرّع السياسي الرئيسي للحرب داخل الدائرة المحيطة بترامب. لم يصنع جميع أسبابها، لكنه ساعد على جمعها في سردية واحدة، وأقنع الرئيس بأن التوقيت مناسب، وأن الكلفة قابلة للسيطرة، وأن العملية ستمنحه إنجازًا تاريخيًا.
لقد أدى دورًا يشبه «رائد الأعمال السياسي» في قضايا الحرب: لم يكن قائدًا عسكريًا أو مسؤولًا تنفيذيًا، لكنه جمع الأفكار والمعلومات والعلاقات، وبنى التحالفات، واستثمر الوصول الشخصي إلى الرئيس حتى تمكن من تغيير اتجاه القرار.
هل كانت وفاته مرتبطة بدوره في الحرب؟
أدى توقيت وفاة غراهام المفاجئة، بالتزامن مع تصاعد الحرب وانكشاف اتصالاته، إلى ظهور تكهنات تربط بين الأمرين. لكن لا توجد أدلة موثوقة تشير إلى تعرضه للاغتيال أو التسميم أو لعملية انتقامية بسبب دوره في الحرب.
وأظهرت النتائج الأولية للطبيب الشرعي في واشنطن أنه توفي نتيجة تسلخ في الشريان الأبهر مرتبط بتصلب الشرايين وأمراض القلب والأوعية الدموية. وأشارت التقارير إلى أن النتيجة النهائية كانت تنتظر استكمال الفحوص المجهرية وتحاليل السموم، من دون إعلان السلطات وجود شبهة جنائية.
وبذلك يبقى الربط بين موته ودوره في الحرب قائمًا في نطاق التزامن والتكهن السياسي، لا في نطاق الأدلة الطبية أو الجنائية. ويمكن للضغط والسفر والعمل المكثف أن يثير تساؤلات عامة بشأن الإجهاد، لكن لا توجد معطيات طبية منشورة تثبت علاقة سببية مباشرة بين نشاطه السياسي وتسلخ الشريان الأبهر.
إرث رجل نجح في بدء الحرب ولم يمتلك نهايتها
تكشف قضية غراهام جانبًا مهمًا من عملية صنع السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب. فالقرارات الكبرى لا تتشكل داخل المؤسسات الرسمية وحدها، بل تتأثر أحيانًا بعلاقات شخصية ووسطاء غير رسميين قادرين على فهم الرئيس والوصول إليه وتقديم الخيارات بالطريقة التي تحرك دوافعه.
استطاع غراهام أن يحول سنوات من الدعوة إلى ضرب إيران إلى حملة مركزة وجدت فرصتها في لحظة سياسية وعسكرية محددة. وقد أقنع ترامب بأن إيران ضعيفة، وأن إسرائيل مستعدة، وأن الجيش الأميركي قادر على تنفيذ عملية سريعة، وأن الحرب ستعيد تشكيل المنطقة وتمنح الرئيس مكانًا بارزًا في التاريخ.
لكن نجاحه في دفع القرار إلى الأمام لم يرافقه نجاح مماثل في تصور نهايته. فقد افترض أن الضربات ستنتج انهيارًا سياسيًا سريعًا، وأن الإيرانيين سيتولون تغيير النظام، وأن الدول العربية ستساعد في بناء الترتيب التالي، وأن الولايات المتحدة لن تضطر إلى تحمل مسؤولية طويلة الأمد.
ومع استمرار الحرب، ظهر أن البدء كان أسهل من الإنهاء، وأن تدمير القدرات العسكرية لا يساوي بالضرورة إسقاط النظام، وأن تغيير موازين القوى لا يؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار. كما أن محاولة الجمع بين الضربات العسكرية وتغيير النظام والتطبيع السعودي–الإسرائيلي وإعادة بناء المنطقة حمّلت الحرب أهدافًا أكبر من قدرة العملية العسكرية وحدها على تحقيقها.
لهذا سيبقى اسم ليندسي غراهام مرتبطًا بالحرب على إيران من زاويتين متلازمتين: الأولى قدرته الاستثنائية على التأثير في ترامب وتحويل موقف أيديولوجي قديم إلى قرار عسكري؛ والثانية محدودية التصور الذي قدمه لما سيحدث بعد الضربة الأولى.
لم يكن غراهام الرجل الوحيد الذي صنع الحرب، لكنه كان من أبرز من جعلوها ممكنة. كان حلقة الوصل بين نتنياهو وترامب، والمروج السياسي للتقديرات الإسرائيلية، والمنافس الداخلي لدعاة التفاوض، وصاحب السردية التي قدمت الضربة بوصفها فرصة تاريخية سريعة.
وقد نجح في دفع الرئيس إلى دخول الحرب، لكنه رحل قبل أن يرى نهايتها، تاركًا خلفه تسجيلات توثق مقدار نفوذه، وحربًا تكشف في الوقت نفسه حدود ذلك النفوذ وحدود الافتراضات التي قامت عليها.



اضف تعليق