بقلم: أدريان وولفسَن

يتزايد عبء الاكتئاب، وغيره من اضطرابات الصحة العقلية، على مستوى العالم؛ ففي أمريكا الشمالية وأوروبا وحدهما يشكل المرض العقلي نسبة تصل إلى 40٪ من مجمل السنوات المُهدَرة في الأمراض. وحتى الطب الجزيئي، الذي شهد نجاحًا هائلًا في علاج أمراض، مثل السرطان، فشل في وقف هذا التصاعد. وفي ظل هذا السياق المثير للقلق، صَدَر كتاب محفّز للتفكير، بعنوان «أسباب وجيهة لمشاعرٍ سيئة» Good Reasons for Bad Feelings، قَدَّم فيه طبيب النفس التطوري راندولف نيسِّ تصورات تعيد طرح الأمراض العقلية بطريقة جذرية.

في رأْي نيسِّ، تكمن جذور المرض العقلي - مثل اضطرابي القلق والاكتئاب - في الوظائف الأساسية التي نشأت كعناصر أساسية للوظيفة التكيفية السلوكية والمعرفية. وإضافة إلى ذلك، ربما يكون بعض الجوانب العقلية المعطوبة وظيفيًّا قد نشأ نتيجة انتخاب صفات غير ذات صلة بالمرض العقلي، مثل القدرة المعرفية، مثلما تُنتخب صفة طول السيقان في خيول السباق الأصيلة، وفي الوقت نفسه تميل تلك السيقان إلى الضَّعْف. يمكن أن تكون نقاط الضعف الجوهرية في العقل البشري هي الثمن الذي يدفعه البشر مقابل تحسين خصائص أخرى غير ذات صلة.

ظهرت أفكار مماثلة من قبل في سياقات مختلفة. فقد انتقد عالِمَا الأحياء التطورية ستيفن جاي جولد، وريتشارد لوانتن، على سبيل المثال، التسليم الأعمى بالتنظير التطوري «التكيُّفي». ومن خلال بحثهما الكلاسيكي المنشور في عام 1979 بعنوان: «مثلثات سان ماركو، ونموذج بانجلوسي»، اعترض جولد، ولوانتن على الفكرة التي ترى أن كل جوانب الكائن الحي تظهر في أكثر صورة متقنة، بفعل الانتخاب الطبيعي (SJ Gould et al. Proc. R. Soc. Lond. B 205، 581–598 ؛ 1979)، وإنما رآيا أن بعض الجوانب هي نواتج بنيوية ثانوية غير مقصودة، تمامًا كمثلثات البناء المنحنية، التي تظهر بين الأقواس التي تدعم القباب في الطرز المعمارية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، وعصر النهضة. قد لا تكون لهذه الجوانب مميزات تكيفية ملموسة، بل ربما في الواقع تكون معوِّقة للتكيف. أمكن إثبات حدس جولد، ولوانتن إلى حد ما من خلال علم الوراثة الجزيئية. فهناك أشكال تطوّرية معينة من بروتين جهاز المناعة البدائي المتمم (4 أ) - على سبيل المثال - نشأت لأسباب لا علاقة لها بالوظيفة العقلية، ولكنها مع ذلك ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالفصام.

تنازلات وراثية

قبل عقود مضت، استكشف مُنَظِّر التطور، جورج سي. وليامز، جانبًا قد يكون أكثر جوانب البيولوجيا البشرية إثارة للحيرة، وهو: جُنُوحنا المزعج إلى التقدم في العمر، والموت. أشار وليامز في عام 1957 إلى أن بعض الجينات المسببة للشيخوخة ربما تطوَّر لأنه كان يعزز اللياقة في وقت مبكر من الحياة (G. C. Williams Evolution 11, 398–411; 1957). يشير هذا الافتراض الذي يُعرف بـ«تعدد النمط الظاهري المناهض» - وهو حالةٍ يتحكم فيها جين واحد في سمة واحدة مفيدة وسمة أخرى ضارة، على الأقل – إلى أن تصميم البُنى البيولوجية هو مسألة تحسين معقدة تنطوي على عدة تنازلات. إن العواطف والجوانب الأخرى من الوظائف العقلية ليست كمكونات الآلة، يملك كل منها وظيفة محددة؛ لكنها على العكس من ذلك، مدمجة في مسارات الكيمياء الحيوية المعقدة والمتداخلة.

في عام 1994، تعاوَن نيسِّ مع ويليامز لإصدار كتاب «لماذا نمرض» Why We Get Sick، الذي يُعَد الوثيقة الأهم لـ«الطب الدارويني». بلورت أفكار نيسِّ وويليامز وجهات نظر جديدة حول أصول الأمراض، حيث افترضا أن هناك أسبابًا "مباشرة" (يحركها التشريح، والكيمياء الحيوية، وعلم وظائف الأعضاء)، وأسبابًا أخرى "مطلقة" أعلى رتبة (تطورية). وقد أشارا إلى أن التطور ينتخب النجاح التكاثري، وليس الصحة والسعادة. ومن هنا، تأتي الأمراض والاضطرابات البشرية. وصف العالِمان أيضًا الطبيعة العشوائية، التي تكون في بعض الأحيان "غير عقلانية"، للإرث البيولوجي، كالأعصاب والأوعية الدموية التي تمر عبر سطح شبكية العين البشرية، في حين لا تملك رأسيات القدم مثلًا هذا «الخلل».

ينطلق كتاب «أسباب وجيهة لمشاعرٍ سيئة» من هذه التصورات. وبتَبَنِّيه وجهة نظر "هندسية" حول الأمراض العقلية، يرى نيسِّ أن الشعور بالقلق - بالرغم من كونه ظاهريًّا غير مرغوب فيه - عنصر في النظام نافع في مواقف معينة، فهو يقوم، على سبيل المثال، بدور "جهاز إنذار" مبكّر عن الأحداث التي قد تهدِّد الحياة. قد يؤدي الاكتئاب كذلك وظائف تكيفية؛ فقد ناقش الطبيب النفسي أوبري لويس، أن الشخص المكتئب - مِن خلال تعبيره عن معاناته - يمكن أن يدفع الآخرين إلى تقديم المساعدة، من خلال السعي لتوفير الطعام للشخص المكتئب، والأنشطة الأخرى. سبق كذلك طرح فرضية أن السلوك الاكتئابي الذي يُظهِره بعض قرود «الڤرْڤت» (Chlorocebus pygerythrus) قد تطوَّر، بغرض التعبير عن فقد المكانة، مما أدى إلى درء هجمات الذكور المسيطرين.

ومِن ناحية أخرى، مهما كانت مكوّنات المرض النفسي نافعة عندما يجري تنظيمها بطريقة ملائمة، فإن المرض النفسي يظل مسببًا للمعاناة، في حين تَنْدُر العلاجات القائمة على الأدلة. وبالفعل، لم يشهد هذا المجال أي قفزات دوائية مهمة لسنوات عديدة، وما زالت الأسباب البيولوجية مراوغة، والعلامات الحيوية غير موجودة.

في الوقت نفسه، يتخبط الطب النفسي - كمجال - بسبب عدم اليقين النظري، فهو لم يصبح تخصصًا فرعيًّا من علم الأعصاب، مثلما كان متوقعًا عند ربط المرض العقلي مباشرةً بالسلوك العصبي، كما أنه من الصعب وصف التباينات الجينية الشائعة ذات التأثيرات الواسعة على الاضطرابات النفسية. وفّرت الإصدرات المختلفة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)، الذي يصدر عن الرابطة الأمريكية للطب النفسي، قَدْرًا من الثبات التشخيصي والتعامل بموضوعية مع الأمراض العقلية، إلا أن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية نفسه قد أدى إلى تداخل في التشخيصات، كما افتعل قوائم مراجعة مكونة من مجموعات من الأعراض المتداخلة والمتزامنة، بل ووصل الأمر إلى أن الدليل يجور - في بعض الأحيان - على دوائر تحتوي على وظائف نفسية صحية، حتى إن ألين فرانسيس - رئيس فريق العمل الذي كتب الطبعة الرابعة من الدليل في عام 1994 - اعترض بشدة على التشخيص الذهني الخارج عن نطاق السيطرة، في كتابه الصادر في عام 2013 «دي إم إس: لا تفسدوا الطبيعي» DMS: Saving Normal.

من التكيف إلى سوء التكيف

يناقش نيسِّ أن نظرية التطور قد تعزِّز ظهور طفرات علاجية، كونها توفر أساس نظري متين للطب النفسي. ويفترض أنها قد تساعد أيضًا على منع الناس من الخلط بين الأعراض النفسية وبين الأمراض، ومن اعتبار عواطف عنيفة، مثل القلق، كنوع من الخلل. يشير نيسِّ أيضًا إلى أن المرض العقلي ربما ينتج عن اضطراب في المُنَظِّمات التي تحافظ على اتزان الجسم، مثل نظام الغدد الصماء. وفي هذه الحالات يمكن أن تتحول وظيفة الأفكار والعواطف التكيّفية إلى حالة من سوء التكيف.

ولعل النجاح المستقبلي للطب النفسي الإكلينيكي يَعتمِد على دمج إطار عمل تطوّري مع تحليلات بيانات تسلسلات الجينوم الكامل؛ فهذا من شأنه أن يساعد على تحديد الطفرات التي تجعل الناس أكثر عرضة للأمراض العقلية. ونظرًا إلى التأثيرات الضئيلة للجينات الفردية، والآليات المتنوعة المضطلعة في هذا، فلا بد من تحليل جينومات مئات الآلاف من الناس. وكنتيجة للتشابك الكثيف، والمتناقض في كثير من الأحيان، الذي تتسم به الشبكات الجينية، فإن العلاجات المستقبلية قد تتطلب بالضرورة تعديل دوائر عقلية وراثيًّا؛ لتحريرها من القيود التطورية الجامدة.

في كتابه «ثيوديسيا» Theodicy، الصادر في عام 1710، يناقش الفيلسوف الألماني جوتفريد لايبنيز أن الله، بما أنه كُلّي العلم، قد خلق بالتأكيد أفضل العوالم التي يمكن أن تُخلق. وبعدها بخمسين عامًا، سَخِر فولتير في روايته «كانديد» Candide من لايبنيز، من خلال شخصية دكتور بانجلوس، الذي كان يرى أن العيوب الموجودة في العالَم ضرورية، كالظلال المتضادة في اللوحات الفنية.

وبعيدًا عن القراءات الساخرة، ربما ثبت الآن أن تفاؤل الفيلسوف له أصداء منطقية في علومنا المعاصرة. وكما يَفترِض بوضوح كتاب «أسباب وجيهة لمشاعرٍ سيئة»، فإن كثيرًا من المكونات الرئيسة المعطوبة، المتعلقة بالمرض العقلي، هو الذي في النهاية يساعدنا أن نكون بشرًا.

اضف تعليق