الكوبالت معدن رمادي اللون يتميز بصلابته العالية ولمعانه وارتفاع درجة انصهاره وغليانه، وله خصائص مشابهة للحديد والنيكل، ويحظى بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية.

قديما استخدمت مركبات الكوبالت لإكساب الزجاج والسيراميك اللون الأزرق. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الفراعنة استخدموا هذه المركبات في التماثيل التي صنعوها، كما استعملها الفرس في الألف الثالثة قبل الميلاد لصناعة المجوهرات، وكذلك الصينيون وغيرهم، وفي عام 1773 اكتشف الكيميائي السويدي جورج برانت معدن الكوبالت.

وحديثا استخدمت مركبات الكوبالت في صناعة بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية المحمولة والسيارات الكهربائية، كما استعملت في اللوحات الرقمية، وقد بات هذا المعدن محط اهتمام كبريات الشركات التقنية في العالم، إذ يرتبط به مستقبل قطاع الاتصالات، وبالرغم من أهمية الكوبالت فإن عملية متابعة إنتاجه لا تخلو من تعقيد كونه لا يخضع حاليا لتعليمات تنظيم سوق التجارة، ولأنه غير مدرج على قائمة "المعادن المؤججة للصراعات" على غرار الذهب والتيتانيوم والقصدير والتنجستن.

اما مناطق الاحتياطيات، تتركز احتياطيات الكوبالت بالعالم في عدد قليل من الأماكن وفي أحجار النيازك، وتحتوي كندا وفنلندا وأذربيجان وكزاخستان وروسيا على كميات من هذا المعدن، وتحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت، ومنها يتم إنتاج 50% على الأقل من خام الكوبالت الموجود في أسواق العالم، وما يزال التنقيب عن الكوبالت واستخراجه يتم بمعدات بدائية وخصوصا في أفريقيا.

لكن هناك مخاطر إنسانية، فقد انتقد عدد من منظمات حقوق الإنسان الظروف الصعبة والقاسية التي يخضع لها العاملون في قطاع استخراج معدن الكوبالت، وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى تعرض العاملين في قطاع المناجم والمصانع المنتجة للهواتف الذكية والأجهزة الحديثة الأخرى إلى ظروف عمل قاسية وغير صحية.

ولا تتوفر لهؤلاء العمال أدوات وأجهزة الحماية الشخصية، ويتقاضون أجورا زهيدة ويعملون ساعات طويلة قد تصل إلى 12 ساعة يوميا، ووفق تلك التقارير فإن ظروف الاستخراج يمكن أن تتسبب في إصابة العمال بأمراض خطيرة كـالسرطان وتسمم الدم وتلف الرئتين المزمن والالتهابات الجلدية، وانتقدت المنظمات الحقوقية استغلال كثير من الأطفال في هذه الصناعة التي تدر أرباحا بالملايين لتصب في جيوب بعض الأفراد والشركات العالمية، وتقول التقارير إن نحو 20% من المناجم التي يستخرج منها الكوبالت لا تراعى فيها الظروف الإنسانية للعاملين، حيث يكون العمال عرضة للحوادث المميتة جراء عملهم في استخراج الصخور من مناجم عميقة تحت الأرض وتكسيرها مما يعرضهم للغازات السامة.

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إلى أن عدد الأطفال العاملين في تلك المناجم يبلغون نحو أربعين ألف طفل، بعضهم عمره سبع سنوات فقط، وهؤلاء الأطفال يتعرضون لظروف قاسية جدا في مناجم تقع تحت سطح الأرض، وبعضهم لم يشاهد ضوء الشمس مدة طويلة بسبب بقائهم طوال اليوم في تلك المناجم السحيقة والمظلمة.

هل لشركات الهاتف النقال دور في فقدان "الذهب الأزرق" بريقه؟

يعد الكوبالت أحد أبرز المعادن التي باتت تُعرّف عالمنا المعاصر، لكثرة استخدامها في صناعاته المتقدمة، واستخدم الكوبالت عبر التاريخ لتلوين الزجاج والسيراميك. وقد استخدم المصريون القدامى مركبات الكوبالت قبل 2600 سنة في منحوتاتهم.

وفي القرن العشرين، اكتشف أن للكوبالت خصائص باتت لها استخدامات أساسية في معظم التكنولوجيات المتقدمة، وعند مزج الكوبالت مع معادن أخرى يشكل سبائك شديدة الصلابة مقاومة للتآكل وتظل مستقرة ولا تتفتت تحت درجات الحرارة العالية، لذا تستخدم مثل هذه السبائك في صناعة محركات الطائرات والصواريخ ومحطات الطاقة النووية والتوربينات وآلات القطع وحتى في مفاصل الورك الاصطناعية.

لقد جعلت كل هذه الاستخدامات من هذا المعدن ذا قيمة ثمينة، بيد أن ما جعله أكثر قيمة وأهمية للمستثمرين هو استخدامه في صنع الأقطاب السالبة للبطاريات القابلة لإعادة الشحن، لذا ليس مفاجئا أن يطلق المستثمرون على هذا المعدن اسم "الذهب الأزرق".

ومنذ عام 2008، تصاعد الطلب على البطاريات القابلة لإعادة الشحن بوتيرة بالغة السرعة مع تزايد شعبية وانتشار استخدام الهواتف الذكية، وبعد أربعة أعوام، هيمن انتشار السيارات الكهربائية على خيال المتاجرين بالكوبالت وخططهم المستقبلية.

وارتفعت أسعار الكوبالت في الفترة بين 2016 الى 2018 من 26 ألف دولار للطن الواحد لتصل إلى 90 ألف دولار، ويذهب أكثر من 50 في المئة من مجمل الطلب على الكوبالت لاستخدامه في صناعة البطاريات. ويُصنف كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الكوبالت كمادة أولية أساسية.

لكن المفاجئ أن أسعار هذا المعدن قد انهارت، وقد أعلنت شركة التعدين "غلينكور"، ومقرها في سويسرا، إغلاق منجم موتاندا للكوبالت، وهو أكبر منجم في العالم ويقع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، قائلة إنه "لم يعد ذا جدوى اقتصادية".

لماذا حدث هذا التحول، وتراجعت فورة ازدهار الكوبالت، باختصار، يُمكننا القول أن سوق الكوبالت قد شهدت مبالغة. فعصر السيارات الكهربائية يوشك أن يبزغ، لكن ذلك لم يتحقق تماما بعد، وقال مصدر في الصناعة إن "الجميع يتحدث عنها، ولكن من يصنع السيارات الكهربائية على نطاق واسع؟ شركة تَسلا، ومن غيرها؟ وكم عدد نقاط شحن السيارات الكهربائية التي تراها في لندن؟".

والعامل الآخر هو قيام العديد من المتعاملين في تجارة هذا المعدن، في الصين وأفريقيا بالدرجة الأساس، بتخزينه أملا في في الحصول على أرباح كبيرة عند ارتفاع الأسعار، وقد بدأ هؤلاء بإطلاق كميات من خزينهم للبيع بعد أن أدرك المستثمرون أن الطلب على السيارات الكهربائية لم يكن هائلا كما كانوا يتوقعون.

بيد أن أغلب المحللين المتابعين لسوق الكوبالت يقولون إن الأساسيات لم تختف. وتستند هذه الحجة إلى أن طبيعة تجهيز الكوبالت غير الثابتة، فهذا العنصر لا يوجد "حرا" في أي مكان من الأرض، بل يترافق وجوده مع النحاس أو النيكل ويجب استخلاصه منهما باستخدام الأحماض والحرارة.

ويأتي أكثر من 60 في المئة من واردات الكوبالت في العالم من جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي عادة ما توصف على نطاق واسع بأنها تمثل لسوق الكوبالت ما تمثله السعودية العربية بالنسبة لسوق النفط.

لكن جمهورية الكونغو الديمقراطية ليست مكانا يسهل العمل التجاري فيه، بحسب جورج هيبل، رئيس وحدة التحليل الخاصة بالكوبالت والليثيوم في شركة "سي أر يو العالمية".

على الرغم من إجراء انتخابات ديمقراطية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي الأولى منذ استقلال البلاد عام 1960، إلا أن الوضع السياسي فيها يظل غير قابلا للتكهن بمساراته، ويقول هيبل إن السلطات في الكونغو "وعدت بتجميد لمدة 10 سنوات على الرسوم التي تجبيها الحكومة من شركات التعدين لكنها رفعتها فجأة من نسبة 2.5 في المئة إلى 10 في المئة. وتلك زيادة هائلة".

وفي وقت سابق هذا العام، وضعت شركة فيريسك مابلكروفت، الاستشارية في مجال تقييم المخاطر عالميا، جمهورية الكونغو الديمقراطية في أعلى قائمتها للبلدان التي من المرجح أن تُؤمم صناعات الموارد الطبيعية فيها، وفي منزلة موازية لفنزويلا، ويقول هيبل إن ذلك "يعطيك فكرة عن مدى الخطر الذي يكتنف الاستثمار في تلك البلاد".

ويأتي بعد ذلك الفساد، وتواجه شركة غلينكور نفسها تحقيقا تُجرية لجنة تجارية ووزارة العدل في الولايات المتحدة بشأن عملياتها في بلدان بضمنها الكونغو الديمقراطية، بيد أن إغلاق الشركة لمنجم موتاندا، يعني إخراج نحو 25 ألف طن من الكوبالت من العرض في السوق، الأمر الذي سيؤدي إلى بدء استقرار الأسعار.

ويعتقد هيبل أن الامر سيستغرق حتى نهاية هذا العام قبل أن يظهر هذا التأثير على السوق، ومع بدء ارتفاع الأسعار، سيظهر عامل آخر مؤثر آخر في السوق وهو التعدين البدائي غير المرتبط بالشركات الكبرى الذي يقوم به أفراد حرفيون لحسابهم.

ويعمل العديد من عمال التعدين المؤقتين في ظروف فظيعة ويتعرضون للإصابة بجروح أو للانزلاقات الأرضية في بعض الأحيان، حيث يعملون باستخدام عدد تعدين يدوية وفي ظروف مروعة. ووصف تقرير منظمة العفو الدولية في عام 2013 إصابات متكررة واختناقات في صفوف عمال التعدين جراء نقص التهوية اللازمة في حُفر وأنفاق المناجم التي يصل عمقها إلى أكثر من 100 متر.

وقد قتل 40 من عمال المناجم كانوا يعملون بشكل غير قانوني قبل شهرين في موقع بولاية لوالابا تابع لشركة غلينكور في جنوب شرق جمهورية الكونغو جراء انهيار المنجم الذي يعملون، وتقدر اليونسكو أن هناك نحو 40 ألف طفل يعملون في التعدين في جنوب الكونغو الديمقراطية، واتهمت منظمة العفو الدولية شركات أبل وسامسونغ وسوني وعدد من الشركات الأخرى بالفشل في إجراء التدقيقات الأساسية لضمان عدم تشغيل أطفال في مجال استخراج المعادن، وعلى الرغم من الإدانات العالمية مازال التنقيب البدائي مستمرا، ويقول هيبل إن المد والجزر في هذا النوع من التعدين يرتبط بقوة بحركة أسعار السوق.

وعند ارتفاع الأسعار في 2017، قدرت شركة "سي أر يو العالمية" ارتفاع مجمل نتاج التعدين من 6500 طن إلى 24 ألف طن، ومع انخفاض الأسعار انخفض الانتاج إلى 10 آلاف طن، وتتوقع الشركة أنه بحلول عام 2020 ستصل حصيلة انتاج التعدين الحِرفي إلى مستويات قياسية، وسيستفيد من يقومون بذلك من الركود الناجم من إغلاق موقع شركة غلينكور، مجازفين بصحتهم وحيواتهم في سوق غير منتظمة لإشباع حاجة الطلب المتزايد على السيارات الكهربائية، وتبدو سلاسل تجهيز الكوبالت فوضوية ومشوشة، تمتد من أكواخ في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى مخازن في الصين. ومن المستحيل، في الغالب، تتبع مصدر استخراج هذا المعدن أو كيفية استخراجه من المناجم، وفي وقت يُطلب من شركات صناعة الهواتف النقالة التأكد من مُجهزيها، تظل شركات السيارات الكهربائية في منأى عن النقد.

ازدهار مستقبلي، بيد أن "سي أر يو انترناشنال" تقول إن الوقت الذي سنشتري فيه الكوبالت بمعدلات كبيرة جدا قادم، يتوقع أن ينمو الطلب على الكوبالت لصناعة بطاريات السيارات ما بين 24 إلى 35 في المئة كل عام بدءا من 2020 إلى 2023.

ويقول هيبل "عندما ننظر إلى سوق السيارات الكهربائية خلال 10 أعوام مقبلة، سنرى زيادة كبيرة مقبلة في 2020 إلى 2021. وسيكون ذلك وقت الذروة في الطلب على الكوبالت، إذ ستزيد شركات صناعة السيارات الكبرى من أمثال: بي أم دبليو وفولكسفاغن وفورد ودايملر إنتاج" هذا النوع من السيارات، ويقدر أن الطلب على الكوبالت لصناعة بطاريات السيارات سينمو ما بين 24 إلى 35 في المئة كل عام بدءا من 2020 إلى 2023.

ويعتقد هيبل إنه حتى لو أعادت شركة غلينكور العمل في منجم موتاندا (الإغلاق كان "لأغراض الصيانة")، وإلى جانب إنتاج التعدين الحرفي سيصل الإنتاج الى 40 ألف طن سنويا، ولن يكون كافيا لسد الطلب المطرد، ويقول "ثمة حاجة لإمدادات جديدة من الكوبالت. ثمة الكثير من الحديث عن الجيل الجديد من تكنولوجيا البطاريات، ولكن حتى الآن لا يوجد منافس لبطاريات النيكل والكوبالت"، ويضيف "هناك بعض النماذج، نظريا أو ضمن المختبرات، أرخص وأكثر كفاءة، ولكن حتى الآن لم يثبت أنها ذات جدوى تجارية".

إعادة افتتاح أكبر منجم لـ "الكوبالت" بالعالم في الكونغو

أعلنت شركة التعدين البريطانية السويسرية العملاقة "جلينكور" أنه من الممكن إعادة فتح منجم "موتاندا" للكوبالت والنحاس الموجود في جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل نهاية عام 2021، بعد نحو عامين من إغلاق المنجم، حسبما أفادت وكالة بلومبرغ للأنباء، ونقلت بلومبرغ عن بيان لوزارة التعدين أرسل للصحفيين، إن وزيرة التعدين الجديدة في الكونغو، أنطوانيت نامبا كالامبايي اجتمعت مع ممثلين من الشركة أمس الاثنين لبحث مسألة إعادة تشغيل المنجم، الذي أغلق في نوفمبر 2019.

وقالت جلينكور في بيان منفصل عبر البريد الإلكتروني، إن منجم موتاندا :" سيبدأ تشغيل عملياته قرب نهاية هذا العام من أجل السماح بالعودة إلى الإنتاج في عام 2022"، يذكر أن منجم "موتاندا"، الذي يعد أكبر منجم للكوبالت في العالم ينتج حوالي 20% من إنتاج العالم من الكوبالت المستخدم في صناعة بطاريات الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية

الأطباء الروس يستخدمون نظائر الكوبالت لعلاج السرطان

قرر فرع شركة "روس أتوم" للطاقة الذرية في مدينة نيجني نوفغورود الروسية تسليم دفعة أولى من نظير الكوبالت المشع - 60 إلى المستشفيات المتخصصة في علاج مرض السرطان، والمقصود بالأمر هو تحقيق مشروع " Co- 60 " في محطة "بيلويارسكايا" الروسية الكهروذرية حيث تم تشغيل المفاعلات النووية العاملة بالنيترونات السريعة والتي تسفر التفاعلات النووية فيها عن إنتاج كميات من نظير الكوبالت المشع – 60 ذات نشاط نوعي لا يقل عن 300 كوري/غرام.

يذكر أن النظير – 60 للكوبلت المشع يستخدم على نطاق واسع في تعقيم المواد الغذائية والأجهزة الطبية والمواد التي تحفز نمو الحبوب والخضروات ، فضلا عن تطهير النفايات الصناعية.

ويلعب الكوبالت – 60 دورا هاما أيضا في الطب النووي حيث يستخدم في ما يسمى بـ"مدفع الكوبالت" الذي يخصص لعلاج مرض السرطان علاجا إشعاعيا. كما أنه يستخدم في أجهزة تسمى بـ "سكين - غاما " بغية إجراء الجراحة الإشعاعية لأورام الدماغ الخبيثة.

صراع بين شركات التعدين العملاقة

في عام 1848 اكتشف شخص يدعى جيمس مارشال بعض القطع الذهبية الخام في مجاري الأنهار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وأراد جيمس أن يحتفظ بهذا الاكتشاف سرا، لكنه فشل في ذلك، إذ فضحت الصحافة الأمريكية الاكتشاف، وكان ذلك كفيلا بهجرة آلاف بل ملايين الأشخاص من أمريكا وبلدان أخرى إلى كاليفورنيا للتنقيب على الذهب، وعرف هذا الحدث باسم "حمى الذهب".

بالطبع اغتنى كثير من الأشخاص نتيجة اكتشاف كميات كبيرة من الذهب، لكن ذلك ترافق مع صراعات وأعمال عنف، وحسم الأمر في نهاية المطاف بتدخل الشركات الكبرى التي أطاحت بالجميع واحتكرت المشهد بمفردها.

مشهد مشابه يتكرر حاليا، لكنه لا يتضمن هذه المرة صراعا على المعدن الأصفر، إنما يتضمن صراعا على معدن آخر، بات في نظر كثيرين ذهب القرن الحادي والعشرين، إلا أن صراعه لم يتضمن منافسة بين أشخاص.

إنما منذ البداية صراع طاحن بين شركات دولية عملاقة ميزانياتها بمليارات، وتقف خلفها وتساندها حكومات دول مستعدة لاستخدام أساطيلها وقواتها العسكرية لحماية مصالحها، بل إن البعض يصل في تحليله إلى أن التنافس على هذا المعدن كان أحد أسباب اندلاع حروب أهلية في بلدان إفريقية ومقتل آلاف لضمان الحفاظ على الإمدادات.

الكوبالت الذي يصفه البعض بذهب القرن الحادي والعشرين، لا يعد معدنا حديث الاكتشاف، إذ عرف منذ العصر البرونزي واستخدم في القرون الماضية لتلوين الزجاج والخزف والسيراميك.

وبطبيعة الحال لم تكن تلك الاستخدامات تستدعي أي صراعات على هذا المعدن، إلا أن بروز استخدامات حديثة له باعتباره مكونا رئيسيا في بطاريات أيونات لليثيوم التي تعمل على تشغيل الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف والحواسيب المحمولة والسيارات الكهربائية، حول المعدن الذي ظل لقرون محدود الفائدة إلى أحد أهم المعادن في العصر الحديث، ولمعرفة أهمية المعدن الاستراتيجية تكفي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية في شهر فبراير الماضي، أضافته إلى قائمة من 35 مادة معدنية تعتبر حاسمة للتطور الاقتصادي.

تبرز أهمية الكوبالت على المستوى العالمي من التوقعات المرتبطة بأسعاره مستقبلا، إذ يتوقع أن ترتفع الأسعار سنويا بما يراوح بين 8 إلى 10 في المائة، ما جعل المعدن محور اهتمام كبرى شركات التعدين في العالم.

مع هذا فإن إحدى إشكاليات المعدن التي تجعل التزاحم العالمي عليه محتدما، تكمن في أن معظم الكوبالت في العالم يتم استخراجه كمنتج ثانوي من النحاس وخامات النيكل، أما التعدين على الكوبالت بمفرده فإنه مكلف للغاية، وبالتالي فإن عرض الكوبالت يعتمد إلى حد كبير على أسعار النحاس والنيكل، فارتفاع أسعار النحاس والنيكل يدفع إلى مزيد من التنقيب وبالتالي إلى مزيد من الكوبالت، أما انخفاض أسعار النحاس والنيكل، فإنها تؤدي تلقائيا إلى تثبيط النشاط الاستكشافي، وبالتالي تؤثر في التوسع في إنتاج الكوبالت.

وهنا علق لـ "الاقتصادية" جيمس هيبل من الشركة العالمية للمعادن، قائلا "من المؤكد أن عددا من الصناعات المتقدمة التي تعد أساسية لوضع الدول في مصاف الاقتصادات القوية تعتمد في تطورها على الكوبالت، والاحتياطي العالمي المؤكد من الكوبالت بلغ 7.2 مليون طن متري في نهاية عام 2016، لكن وفقا للمسح الجيولوجي الأمريكي فإن المتوافر منه يصل إلى 25 مليون طن متري، وهذا سيكون كافيا لتلبية الطلب العالمي الحالي لنحو 250 سنة".

وأضاف، أن "جمهورية الكونغو الديمقراطية لديها أكبر احتياطي في العالم ويقدر ب 3.4 مليون طن أي ما يعادل 47 في المائة من الاحتياطي العالمي، تليها استراليا 14 في المائة، ثم كوبا 7 في المائة، أما الصين فإن نصيبها من الاحتياطي العالمي لا يزيد على 1.1 في المائة، أما أكبر المنتجين فكندا التي تنتج 7 في المائة من الإنتاج العالمي تليها الصين وروسيا بنحو 6 في المائة".

وأشار إلى أن "هناك اختلافا شاسعا بين الكونغو ودولة مثل أستراليا، ويرجع الفرق في الأساس إلى البنية التحتية المتخلفة في الكونغو ونقص منشآت الصهر والتجهيز العميق على عكس أستراليا، أما بالنسبة إلى المنتجين الرئيسيين فإنهم يقومون بتصدير الخام إلى الصين وفنلندا لمزيد من الصهر والمعالجة العميقة، ولذلك نجد أن حجم إنتاج الكوبالت في الصين بلغ نحو 650 طنا في عام 2016، تم استخلاص معظمها من الخام المستورد".

بصفة عامة تبدو الآفاق إيجابية بالنسبة إلى الطلب على الكوبالت خاصة بعد عام 2022، فمن المتوقع أن يتجاوز استهلاك الكوبالت 122 ألف طن هذا العام، مقارنة بـ 75 ألف طن عام 2011، وعلى الرغم من الزيادة المحتملة في الإنتاج التي يمكن أن تساعد في تلبية الطلب في السنوات المقبلة، إلا أن أغلب التقديرات تشير إلى فجوة بين العرض والطلب بعد عام 2022 لمصلحة الطلب، وسط تقديرات عالمية بأن يبلغ الطلب على الكوبالت 310 آلاف طن بحلول عام 2027، وسيأتي أكثر من 240 ألف طن من البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية والحواسيب والهواتف المحمولة، وهو ما سيترجم عمليا في شكل ارتفاع في أسعار الكوبالت.

وتدرك واشنطن وأوروبا واليابان أنه حتى مع توسيع منشآتها الإنتاجية، فإن الصين ستظل لاعبا مهيمنا في عالم تكرير الكوبالت، وهو ما يوجد صراعا عنيفا بين تلك الأطراف للهيمنة على مناطق الخام الرئيسية في العالم وتحديدا الكونغو.

من جانبها، قالت لـ"الاقتصادية" الدكتورة أماندا جورج؛ أستاذة الدراسات الإفريقية، "إنه لا يمكن فهم الأزمة السياسية في الكونغو المتواصلة منذ سنوات وأدت إلى صراعات مسلحة عنيفة، دون فهم الصراع الأمريكي الأوروبي الياباني من جانب في مواجهة الصين من جانب آخر للسيطرة على إنتاج خام الكوبالت". وتابعت أن "المعدن بات حيويا للغاية بالنسبة إلى الصناعات الإلكترونية وصناعة السيارات، وطوكيو على سبيل المثال تعتبر أن نجاح الصينيين في السيطرة على خام الكوبالت يعني عمليا وفاة صناعة السيارات اليابانية مستقبلا".

ولتوحيد الجهود أعلنت وزارة الصناعة اليابانية أواخر الشهر الماضي، أن شركات صناعة السيارات اليابانية تهدف إلى إنشاء هيئة مشتريات مشتركة بحلول مارس المقبل، لتأمين إمدادات مستقرة من الكوبالت، عبر توقيع عقود طويلة الأجل مع الموردين العالميين أو الاستثمار في مشاريع تنموية في البلدان المنتجة للكوبالت.

وربما تكون تلك المخاوف واحدا من أسباب تركيز جميع البلدان المتقدمة على تطوير منشآت إعادة تدوير الكوبالت لتفادي تعرضها لأي نقص في هذا المعدن الحيوي، وعلى الرغم من تلك الآفاق الواعدة لمعدن الكوبالت، فإن أسعاره شهدت انخفاضا نسبيا في الفترة الأخيرة.

وأوضح لـ "الاقتصادية" إدوارد أونيل؛ المحلل المالي في بورصة لندن، أن "التراجع السعري كان نتيجة تأجيل المستهلكين عمليات الشراء للسيارات الكهربائية على أمل انخفاض أسعارها، لكن الاتجاه العام للطلب على السيارات الكهربائية سيستمر في الارتفاع، وهذا يعني أن تراجع أسعار الكوبالت مؤقت، وخلال العام الماضي كان متوسط الزيادة السعرية 66 في المائة".

وأصدرت منظمة الطاقة العالمية، تقريرا بشأن أوضاع سوق الكوبالت العالمية، تدعو فيه إلى زيادة الجهود الدولية لمزيد من الاكتشافات بشأن الكوبالت، محذرة من أن السوق العالمية قد تتعرض إلى هزات ضخمة، إذ واصل العالم اعتماده على الكونغو كمصدر أساسي للمعدن.

بدوره، بين أرون مهتا؛ المدير التنفيذي في شركة الاستثمارات الدولية، أن "تحذير منظمة الطاقة العالمية منبعه أن طلب شركة صناعة السيارات الكهربائية على الكوبالت سيتضاعف 25 مرة خلال العقد المقبل، وذلك في ظل تعهد الاقتصادات المتقدمة بأن 30 في المائة من سوق السيارات العالمية ستكون سيارات كهربائية، بمعنى آخر ستكون هناك 220 مليون سيارة كهربائية في الطرقات".

وأضاف "يزداد الوضع خطورة بالنسبة إلى الدول المتقدمة في أن الاعتماد على الكونغو في إنتاج الخام يترافق مع اعتماد شبه مطلق على الصين التي تتحكم حاليا في 90 في المائة من الطاقة الإنتاجية لمنشآت ومعامل إعادة تدوير الكوبالت، وهذا بالطبع وضع غير مريح للمنافسين الآخرين".

أكبر دول العالم إنتاجا للكوبالت.. أصل صناعة البطاريات

يعد معدن الكوبلت عنصرا أساسيا في صناعة الإلكترونيات وتحديد البطاريات، وبلغ الإنتاج العالمي 140 ألف طن، فما هي أكبر الدول المنتجة له؟

يعود اكتشاف الكوبلت لعام 1739 حين اكتشف عالم الكيمياء السويدي جورج براندت معدن الكوبالت، والذي تزداد أهميته مع تسارع الجهود العالمية لخفض انبعاثات الكربون، إذ يُستخدم هذا المعدن في صناعة العديد من أنواع الإلكترونيات، كما يدخل في صناعة البطاريات القابلة لإعادة الشحن المستخدمة في تصنيع السيارات الكهربائية.

وأنتج العالم نحو 140 ألف طن من الكوبالت خلال عام 2019، وساهمت جمهورية الكونغو الديمقراطية بأكثر من 70% من الكوبالت المُنتج، وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

ويقدر احتياطي الكوبالت في العالم بسبعة ملايين طن، وتمتلك الكونغو أكثر من نصف هذه الاحتياطيات، وفيما يلي أكبر دول العالم إنتاجا لمعدن الكوبلت.

جمهورية الكونغو الديمقراطية

أنتجت جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 100 ألف طن كوبالت في 2019، بما يمثل أكثر من 70% من إجمالي الكوبالت المُنتج في العالم في ذلك العام، ويوجد في مقاطعة كاتانغا بعض أكبر مناجم الكوبالت في العالم، بما في ذلك منجم "موتاندا"، و"كاموتو"، و"إيتوال".

وفي حين تستخرج العديد من الشركات الكبرى الكوبالت من الكونغو، إلا أنه وفقًا لتقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يساهم التعدين على نطاق صغير بنسبة تتراوح بين 15% إلى 30% من إجمالي الكوبالت المُنتج في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

روسيا

جاءت روسيا في المركز الثاني بحجم إنتاج بلغ 6.1 ألف طن كوبالت في 2019، بما يمثل نحو 4% فقط من الكوبالت المُنتج عالميًا.

يتركز نشاط تعدين الكوبالت في روسيا في منطقة جمهورية ألتاي، والتي يوجد بها منجم "كاراكول"، والذي يعد أحد أكبر مصادر الكوبالت في الدولة، وتمتلك روسيا احتياطي كوبالت يبلغ 250 ألف طن، وتسعى إلى تعزيز قدرتها الإنتاجية للكوبالت في السنوات المقبلة.

أستراليا

أنتجت أستراليا 5.1 ألف طن كوبالت في 2019، بما يمثل زيادة في الإنتاج مقارنة بعام 2018، والذي بلغ إنتاجها من الكوبالت به 4.5 ألف طن.

ورغم أن أستراليا ساهمت بنحو 3.6% فقط في الإنتاج العالمي للكوبالت في 2019، إلا أنها تمتلك ثاني أكبر احتياطيات للكوبالت في العالم بعد جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي تبلغ 1.2 مليون.

الفلبين

جاءت الفلبين في المركز الرابع بحجم إنتاج بلغ 4.6 ألف طن كوبالت في 2019، بما يمثل نحو 3.3% من الإنتاج العالمي للكوبالت خلال ذلك العام، وتمتلك الدولة رابع أكبر احتياطي من الكوبالت في العالم، والذي يبلغ 260 ألف طن.

كوبا

ساهمت كوبا في عام 2019 بـ 2.5% من الإنتاج العالمي للكوبالت، بحجم إنتاج بلغ 3.5 ألف طن، وتمتلك الدولة ثالث أكبر احتياطي كوبالت في العالم، والذي يبلغ 500 ألف طن، ويتواجد معظمه في منطقة موا شرق البلاد.

مدغشقر

جاءت مدغشقر في المركز السادس بحجم إنتاج بلغ 3.3 ألف طن كوبالت في 2019، بما يمثل نحو 2.4% من الإنتاج العالمي للكوبالت، ويُقدر احتياطي الدولة من هذا المعدن بـ 120 ألف طن، ويتركز تعدين الكوبالت في مدغشقر في مشروع "أمباتوفي" لتعدين النيكل والكوبالت، والذي تبلغ تكلفته حوالي 8 مليارات دولار.

بابوا غينيا الجديدة

جاءت بابوا غينيا الجديدة في المركز السابع بحجم إنتاج بلغ نحو 3.1 ألف طن كوبالت في 2019، بما يمثل 2.2% من الإنتاج العالمي للكوبالت، وتمتلك الدولة احتياطي كوبالت يبلغ 56 ألف طن.

كندا

انخفض إنتاج كندا من الكوبالت في عام 2019 بنحو 15%، وبلغ 3.0 ألف طن، ورغم أن الدولة تأتي في المركز الثامن في القائمة، إلا أنها تمتلك احتياطيًا ضخمًا من الكوبالت، والذي يبلغ 230 ألف طن، وبالتالي فهناك إمكانية لزيادة نشاط التعدين بها.

عبودية الكوبالت: بطارية هاتفك قد تكون مخضبة بالدماء

يستيقظ دورسون، الطفل صاحب الأعوام التسعة، صباح كل يوم مع صديقه ريتشارد الأكبر منه بثلاث سنوات على صوت هادر قبيح يحمل كثيرًا من السباب لهما ولبقية الأطفال من رفاقهما من المنجم، وقد تأخرا عن العمل اليوم قليلًا بسبب الإرهاق والمرض وقلة الطعام؛ ماذا يمكن أن تأكل بثمانية سنتات يوميًّا، وهي كل ما يحصل عليه دورسون مقابل 12 ساعة عمل؟

يبدأ مباشرة عمله الشاق دون إفطار، يجب حفر أنفاق جديدة ونقل حمولة منتظرة من المعدن المهم للعملاء في وادي السيليكون، يبدأ دورسون الحفر وجمع الخام بيديه العاريتين دون أي أدوات مساعدة، ودون ملابس واقية.. لم يعرف دورسون في حياته أي شيء سوى هذا المنجم.

طفل يعمل على تنقية الخام من الشوائب يدويًا

الكوبالت.. ربما (أو على الأغلب) لم تسمع عن أهمية المعدن من قبل، لكنه مهم، ومهم جدًا كذلك. أنت الآن تقرأ هذا المقال على هاتفك الذكي أو حاسبك المحمول الذي يحوي بالتأكيد بطارية قابلة لإعادة الشحن. الكوبالت يستخدم كمكون رئيسي في هذه البطاريات التي تستخدم في جميع الأجهزة ببطاريات قابلة للشحن في العالم، هواتف وسيارات كهربية وأجهزة ذكية وساعات. تحوّل الكوبالت في ظرف ربع قرن من معدن مهمل ينتج بشكل جانبي عن عمليات التعدين الأكثر أهمية إلى معدن مهم يتنافس عليه العالم، كلمة السر هي بطاريات أيونات الليثيوم، تلك التي تحمل أحدها في جيبك طوال اليوم.

ثلثا إنتاج الكوبالت في العالم كله يأتي من الكونغو الديموقراطية، وأسعار الكوبالت قد تضاعفت عدة أضعاف خلال آخر بضعة أعوام بسبب الطلب البالغ عليه مع ندرته النسبية. هذا بالطبع تسبب في ازدحام المنافسة على المعدن الذي يستخرج في ظروف غير آدمية. 40.000 طفل مثل دورسون يعملون في مناجم الكوبالت في الكونغو الديموقراطية حسبما تقول منظمة اليونيسيف، وسط معركة نقلتها شبكة Sky تحت السطح تدور حوله، معركة تدر المليارات على البعض، وتقتل البعض الآخر.

امرأة حامل

كان موبابا طبيب النساء والتوليد في القرية في ختام عمله عندما سمع صوتًا لامرأة يبدو أنها تتعرض لآلام شديدة؛ صوتًا خافتًا ضعيفًا يكاد يشبه الأنين. خرج موبابا من مكتبه ليرى امرأة ضعيفة البنيان وفي مرحلة بداية الولادة وتبدو عليها أعراض مشاكل تنفسية، حيث إنها تتنفس بصعوبة بالغة، وجّه بعض السباب لمناجم الكوبالت القريبة من القرية، يعلم أنها سبب كل الأمراض التي يتعرض لها الأهالي هنا، تمنى في سره أن يكون الجنين على ما يرام وأن تتحمل المرأة الولادة. بدأ موبابا عمله بعد أن طلب الممرضة وجهز منضدة الولادة، بعد حوالي ربع ساعة تصاعد صراخ طفل مع تنهيدة ارتياح، هذه روح جديدة تنتزع من بين يدي الموت. يبدو على الطفل بعض المرض، هذا لا يهم الآن.

رغم أهمية الكوبالت لجسم الإنسان كونه عنصرًا في مركب فيتامين B12، إلا أن ما يحتاجه الجسم من الكوبالت كم محدود للغاية. والتعرض لتسمم الكوبالت يحتاج للتعرض له لفترة طويلة «أسابيع وحتى شهور» أو العمل في نشاط متعلق بالكوبالت، كالتنجيم أو تصنيع منتجات تحتوي الكوبالت، أو أن تسكن في قرية بجانب مناجم الكوبالت البدائية، حيث تختلط مخلفات التنجيم بماء النهر القريب، ويمتلئ الهواء بأتربة ملوثة بالكوبالت.

تنفّس الكوبالت يسبب أعراضًا تنفسية دائمة تشبه الربو، وقصر النفس، مع تليف في الرئة، وتدهور في القدرات البدنية. ربما يتسبب كذلك في أمراض القلب المزمنة، الصمم، مشاكل في الأعصاب والدم وأورام بالغدة الدرقية. كما أن العمل بشكل مباشر في ظروف تعرضك لملامسة الكوبالت قد تسبب حساسية والتهابات في الجلد.

تاجر صيني

يجلس شوان يونج على مقعده في مكان غير معروف للسلطات بالقرب من مناجم الكوبالت. بعد قليل سيبدأ أصحاب المناجم المحلية في التوافد عليه هنا، كلهم يريدون بيع الكوبالت الخام ويتنافسون عليه في خفض السعر. يعرف يونج أن هنالك العشرات من التجار مثله يشترون الكوبالت، وعليه الخروج اليوم بصفقة رابحة له دون أن يخسر مزودوه في نفس الوقت لصالح صيني آخر أو ربما هندي.

يعرض أصحاب المناجم بضاعتهم ويدور كثير من النقاش حول السعر. في جميع الأحوال هو الرابح، لا مقارنة بين السعر الذي يشتري به والسعر الذي يبيع به لشركات الاستيراد الصينية العملاقة، ولا أوراق تثبت أي شيء، عملية البيع والشراء بدائية تمامًا، كأننا عدنا للقرون الوسطى، في الواقع، كل ما حوله يجعله يؤمن بالفعل أن هناك آلة زمنية ما تنقله للقرون الوسطى، بالتأكيد لم تتجاوز المنطقة التي يتاجر فيها الآن القرن السادس عشر.

أحد الأسواق

شبكة تجارة الكوبالت شبكة معقدة لا يسهل تتبعها، حيث ينتشر في الكونغو الديموقراطية مجموعة من صغار التجار من جنوب شرق آسيا، أغلبهم صينيون أو قليل من الهنود. يقوم التجار بشراء الكوبالت بأرخص سعر ممكن من المناجم المحلية، ثم يعيدون بيعه لشركات كوبالت صينية عملاقة مثل Zhejiang Huayou Cobalt والتي تعد أحد أكبر الشركات العاملة في المجال، والمزود الأهم لصناع البطاريات والشركات التقنية بالخام المهم.

تتغافل الشركات الصينية ويليها الشركات التقنية عن مصدر الكوبالت الأصلي، حيث لا شيء موثق، لا يمكن إثبات أي تجاوزات في العقود والصفقات بشكل رسمي. وبهذا تربح الشركات مليارات الدولارات من مبيعات منتج نهائي استخرج أحد مواده الخام طفل مقابل ثمانية سنتات لكل اثنتي عشرة ساعة عمل، ولن يستطيع بهذا الدخل أن يشتري أو يستخدم طوال عمره أي منتج ساهم بعرقه وصحته وعمره في صناعته.

هكذا يطلق على عمال مناجم الكوبالت اليدوية، أو على الأقل هذا ما أطلقته عليهم منظمة منظمة العفو الدولية في تقريرها التفصيلي في أكثر من 90 صفحة والصادر في 2016، وهو الذي تقول المنظمة إنه أول محاولة جادة لدراسة وضع منجمي الكوبالت بالكونغو الديموقراطية، أحد أفقر الدول الأفريقية، وأكثرها حروبًا ومعارك داخلية وفسادًا سياسيًّا، كما أنه أول محاولة لدراسة الشبكة التجارية القائمة على تصديره وتصنيعه، حتى يصل للمنتج النهائي ليظهر بين يدي المستخدم في بطاريات الأجهزة الإلكترونية كلها بلا استثناء.

حسب تقديرات الحكومة الرسمية، حوالي 110-150 ألفًا من العمال يُنتجون 20% من الكوبالت الذي تصدره الدولة هم في قطاع «العمال الحرفيين»، يعملون في بيئات عمل سيئة بدون أي أدوات، أو أدوات بدائية للغاية، بدون أي وسائل حماية أو أمان صناعي أو حتى تنظيم هندسي آمن للمناجم والأنفاق تحت الأرض، والتي تحفر يدويًّا وتصل أحيانًا لعشرات الأمتار بدون أمان أو تهوية. نسبة غير محددة رسميًّا من العمال الحرفيين هم من الأطفال والنساء، يعملون في التنجيم عن الخام، ثم غسله وتنقيته من الشوائب، وتصنيفه حسب الجودة قبل نقله.

تنتشر ظاهرة العمال الحرفيين في الجنوب تحديدًا، حيث الأراضي غير صالحة للتنجيم الصناعي المتطور، وحيث تسيطر شركات أجنبية. وتنظم الحكومة الأمر بقبضة متراخية في مناطق تسمى Artisanal Mining Zones بدون وجود ضوابط حقيقية تضمن اشتراطات الأمان الصحي والصناعي للعمالة. وبدون سيطرة حقيقية للحكومة، يخرج أغلب العمالة بشكل غير رسمي من المناطق المحددة كذلك ليعملوا بالتنجيم في الخفاء في مناطق خارج إطار التصريح المتاح أو تحت سيطرة الشركات الأجنبية كذلك، تحت مرأى ومسمع من مراقبين فاسدين ورجال أمن يفرضون عليهم مقابلًا غير شرعي للتغاضي عنهم.

دروسون مرة أخرى

يحكي تقرير منظمة العفو الدولية القصص البائسة للأطفال العاملين بالتنجيم، 40 ألف طفل تقريبًا حسب تقدير اليونيسيف. يعمل أغلب الأطفال في ظروف غير مناسبة لعمل البالغين، فما بالك بالأطفال؟ ولمدة 10 وحتى 12 ساعة يوميًّا، بمقابل يتراوح بين بضعة سنتات وحتى دولارين يوميًّا حسب المكان، وربما يتعرضون للمضايقات الأمنية أو حتى الضرب من قبل حراس المناجم الصناعية التي يتسللون لها كثيرًا. وحتى الأطفال المنتظمون في المدارس يعملون في إجازاتهم الأسبوعية والسنوية بسبب الفقر والعوز. يقول بول -طفل بسن 14 عامًا- للباحثين: «أحيانًا أدخل الممر تحت الأرض صباحًا لأخرج في الصباح التالي، أعمل لمدة 24 ساعة».

لن نتحدث هنا عن جهود الحكومة الرسمية في مكافحة العمالة غير الرسمية للأطفال، أو حتى توفير بيئة عمل أكثر صحية لهم، فمن صفحات كثيرة في التقرير، وجدت أنه لا شيء حقيقي تقوم به الحكومة من أجل تحسين الوضع.

مصالح معقدة

يصل الكوبالت إلى مخازن الشركة الأكبر في الكونغو الديموقراطية عادة بعد أن يمر بمراحل البيع المختلفة، المنجم، النقل، التاجر الصيني، تاجر أكبر، ثم شركة Congo Dongfang Mining International والمملوكة بالكامل للشركة الصينية Huayou Cobalt Company Ltd، إحدى كبرى الشركات العاملة في مجال الكوبالت. تقوم الشركة بتنقية الخام ثم نقله للصين ليمر بمرحلة تقنية جديدة قبل بيعه لشركات صناعة البطاريات في جنوب شرق آسيا.

خط سير الكوبالت من المنجم للمستهلك

قام الباحثون في منظمة العفو الدولية بتتبع الخيوط عبر البيانات الرسمية والعقود المعلنة للشركات، لتصل في النهاية لكيفية وصول الكوبالت لأيدي المستخدمين. رصد التقرير العلاقات بين شركات تصنيع البطاريات وبين كبرى الشركات التقنية في مختلف أنحاء العالم، ووصل لأن الكوبالت يصل في النهاية لمنتجات شركات عملاقة مثل أبل وسامسونج و LG ومايكروسوفت و HP ولينوفو وHuawei وDell وسوني وكذلك بعض شركات تصنيع السيارات الكهربية. على من تقع المسئولية هنا؟

مازلنا نتحدث هنا من خلال واقع تقرير منظمة العفو الدولية، والذي يستعرض قوانين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين فيما يخص مسئولية الشركات عن خطوط الإمداد بالمواد الخام، وعلى من تقع المسئولية القانونية، وواجب كل شركة في خط الإمداد والإنتاج.

القوانين في مختلف الدول والأسواق تتشابه هنا، وكلها تؤكد أن الشركة على قمة الإنتاج والتي توفر المنتج النهائي مسئولة تمامًا عن تتبع خطوط الإمداد الخاصة بها والتأكد من تطبيقها لكل شروط حقوق الإنسان والعمال والأمان الصناعي، حسب كل دولة. عندما قام الباحثون بالتواصل مع الشركات محل التساؤل، كان الرد من أغلب الشركات أنها تتبع القانون، لكن دون دليل كافٍ على أنها تقوم بإجراءات حقيقية بالفعل، وأنكر البعض وجود علاقة بينهم وبين الكوبالت المشئوم رغم أن العلاقات رسمية معلنة.

لكن، لم يجد الباحثون أي دليل حقيقي واقعي يؤكد أن الشركات تهتم بالفعل بما خلف المزود الرئيسي للكوبالت الخام، وهو شركة كبرى كذلك، أما ما هو أسفل ذلك لا تعيره جميع الشركات تقريبًا أدنى اهتمام، رغم أن ما يحدث من عمالة الأطفال وعدم توافر شروط الأمان وكذلك المقابل المادي غير المجزي بتاتًا ليس بأمر خفي على أحد. طالبت منظمة العفو الدولية الشركات أن تغير هذا الوضع السيئ بشكل عاجل!

هل تغير الأمر؟

تابعت منظمة العفو العمل على تقرير جديد بعد التواصل مع كل الشركات التي وصل إليها تقرير 2016 مع إضافة شركات جديدة كذلك، وأصدرت تقريرًا جديدًا قرب نهاية 2017 يحكي عن التطور «الذي لم يحدث».

اتخذت الشركة الصينية أولى الخطوات اللازمة لتحسين الأوضاع، وهو ما لم يكن كافيًا بالطبع، حيث قامت بالاعتراف بمسئوليتها عن الوضع مع محاولة جادة لوضع خريطة عامة لشبكة إمداد الكوبالت خاصتها في الكونغو الديموقراطية، لكنها خطوة تقول منظمة العفو إنها غير كافية.

لم توضح الشركة ماضي الأمر بل وضحت ما ستحاول فعله مستقبلًا، كما لم تكشف عن مصادر حصولها على الكوبالت ولا عن وجود أطفال فيما سبق. لكنها أعلنت أنها ستصبح مسئولة وستحاول تغيير الوضع عبر إستراتيجية responsible [artisanal and small scale] mining أو التعدين الحرفي المسئول، تحاول فيه تغيير وضع العمالة لكن دون التوقف عن الشراء منها، وذلك بسبب احتياجهم المادي للعمل مهما كانت الظروف. هذا عن الشركة الصينية، ماذا عن شركات التقنية، صاحبة الفائدة الرئيسية من تعدين الكوبالت؟

درجات متفاوتة

قام الباحثون بتقييم الشركات المستهلكة للكوبالت بخصوص القضية المطروحة حسب أدائهم في 5 محاور أساسية بعد مرور حوالي عامين، وهي أسئلة تتعلق بمدى اهتمامهم بمعرفة مصدر الكوبالت، وسياساتهم في حال تأكدهم من وجود انتهاك لحقوق العمالة، وهل قاموا بإجراءات حقيقية لإيقاف التعامل مع الشركات المعتمدة على عمالة حرفية كمصدر للكوبالت الخام، وكذلك شفافية الشركات فيما يخص الأمر بالكامل. نتذكر هنا أن هذه الشركات هي من بين الشركات الأغنى على مستوى العالم. التقييم كان من 4 درجات، لم تحصل أي شركة على التقييم الكامل.

تقدمت أبل على الجميع بين الشركات المنتجة للأجهزة الإلكترونية، بينما نالت مايكروسوفت صفرًا كبيرًا في التقييم، ومعها هاويوي ولينوفو مع أداء متوسط لـ Dell وHP. أما عن الشركات المنتجة للسيارات الكهربية فكان أداؤها مخيبًا للآمال بدون استثناء واحد، مع تقدم بسيط لـ BMW لا يحدث فارقًا حقيقيًّا.

نالت سامسونج أعلى درجة فيما يخص الأقسام المنتجة للبطاريات بالشركة، ويليها LG، بينما لم تقم باقي الشركات التي تواصل معها الباحثون بالرد، فنالت صفرًا كبيرًا كذلك. أما عن الشركات المنتجة لبعض مكونات البطاريات الداخلية والمحتوية على الكوبالت، فلم تقم بالرد كذلك. المحصلة النهائية كانت تفوقًا كبيرًا، لكنه ما زال غير كافٍ ولا يغير من واقع الأمر شيئًا، لأبل وسامسونج وHP وLG، مع فشل كبير لعمالقة مثل مايكروسوفت ولينوفو وشركات السيارات بأكملها.

أبل وسامسونج: الخطوات القادمة دائمًا للأمام

تضاعف سعر خام الكوبالت بضعة أضعاف خلال الأعوام الأخيرة، ولم يكن ذلك فقط بسبب تقرير منظمة العفو وبداية التحرك تجاه الاهتمام بحقوق العمالة، لكن أيضًا بسبب تضاعف الطلب عليه من مصنعي السيارات الكهربية، مع اتجاه كبرى شركات السيارات للطاقة «النظيفة» وتوقع ازدياد الطلب عليها مستقبلًا، مما أدى لأن تعتبره الكونغو الديموقراطية خامًا ثمينًا وتفرض عليه ضرائب جديدة.

ودافع رئيسي وحيد قد يدفع شركة عملاقة لأن تهتم بشراء الخام بنفسها في مجال عملها؛ النقص الحاد وارتفاع السعر، وبالنسبة لـ «أبل»، نضيف أيضًا حقوق الإنسان. هذا ما يعرضه تقرير حديث من بلومبرج حسب مصادرها الخاصة، يقول إن «أبل» في مفاوضات منذ عام تقريبًا مع مزودي خام الكوبالت مع تضارب حول التأكيد على الوصول لاتفاقات نهائية.

فبعد أن نشرت أبل في 2017 قائمة كاملة بكل مزوّدي الكوبالت الرسميين لها ردًّا على تقرير منظمة العفو الدولية، أعلنت الشركة أنها ستتوقف تمامًا عن التعامل مع أي مزود كوبالت يثبُت أنه يشتري من مناجم العمالة الحرفية بالكونغو الديموقراطية دون التيقن التام من عدم وجود أي تجاوزات تخص أمان العمل وحقوق العمالة والأطفال.

من رد أبل على تساؤلات cbsnews

الآن ستذهب الشركة بنفسها للسوق لضمان استمرار تدفق الكوبالت حسب شروطها وسط منافسين شرسين وطلب عملاق على الخام الذي ارتفع ثمنه أضعافًا في بضع سنوات فقط. نتذكر سويًا قصة أبل مع مصانع فوكس كون وأجور العاملين المنتجين لأجهزة آيباد منذ سنوات، وهي التي أدت أحيانًا لانتحار بعض العمال من ضغط العمل وشظف العيش، هل اتخذت الشركة نفس الإجراءات؟

قررت سامسونج أن تتبع خطوات أبل، حيث دخلت في مفاوضات مع شركة Somika SPRL لشراء الكوبالت من مناجمها مباشرة، وضمان ألا يكون الخام المستخدم في أجهزتها مختلطًا بخام من مناجم العمال الحرفيين، مع عقود طويلة ممتدة تضمن أن يظل الخام مستمرًا بأسعار مناسبة كذلك. ستقوم سامسونج أيضًا بإعادة استخدام الكوبالت في الهواتف والأجهزة القديمة، وتعتقد الشركة أن هذا سيوفر الكثير من الخام خصوصًا بعد محاولات تطوير مستمرة لبطاريات أقل احتياجًا للكوبالت في معاملها.

المستقبل

في العام السابق توقفنا عن شراء الكوبالت المنجم عنه في مناجم الحرفيين من Huayou، ولن نشتري منها مرة أخرى قبل أن نتوثق بواسطة محققين مستقلين أن التنجيم يتم بشكل منتظم.

تتوقع كثير من التنبؤات نمو الطلب على الكوبالت أضعافًا مضاعفة خلال العقود القادمة بسبب توجه الدول الرسمي لاستخدام الطاقة النظيفة ومنع استخدام الوقود الأحفوري في السيارات تمامًا انطلاقًا من اهتمامات بيئية، مع تضاعف نمو سوق السيارات الكهربية، واتجاه الشركات الصينية لتصنيع سيارات كهربية منخفضة السعر، مما سيضاعف من حجم المستهلكين المتوقعين لها، وبالتالي لبطارياتها العملاقة. كذلك فالطلب يتضاعف على الأجهزة الإلكترونية الذكية ذات البطاريات القابلة للشحن.

سيعني هذا بالتأكيد أن الضغوط ستتزايد على دولة الكونغو الديموقراطية وعلى العمالة وعلى الأطفال وعلى النساء وعلى الأسر في المناطق المحيطة بالمناجم. وفي ظل عدم اهتمام أغلب الشركات بالتقارير الحقوقية في ظل عالم نيوليبرالي لا يضع أي اعتبار إلا للمال، لا يبدو أن الوضع سيتحسن بالنسبة لهؤلاء قريبًا!

لست مطالبًا على المستوى الشخصي بشيء، فقط التذكر، في ظل عالم تسطير عليه معايير رأسمالية نيوليبرالية، واقتصاد حر، وقوانين حاكمة لكل شيء، عليك التذكر بأن هاتفك هذا ثمنه لم يكن المال فقط، والأهم من ذلك، تذكر أنك لست فقط من دفع ذلك الثمن، ربما يغير هذا من الأمر شيئًا مع الوقت.

اضف تعليق