ظاهرة الهجرة غير الشرعية الى المانيا التي اعتمدت سياسة الباب المفتوح، اصبحت واحدة من أكثر المشكلات التي تؤرق حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تواجه تحديات كبيرة خصوصا بعد وصول اكثر من مليون طالب لجوء الى المانيا، يضاف الى ذلك ووقوع بعض الاعتداءات ارهابية التي تبناهما تنظيم داعش، الامر الذي اسهم بصعود اليمين الشعبوي، حيث أظهر استطلاع وكما نقلت بعض المصادر، أن شعبية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الداخل تراجعت فيما عارض 50 في المئة من الألمان توليها السلطة لفترة ولاية رابعة بعد إجراء الانتخابات الاتحادية العام المقبل.

وسلطت سلسلة من الهجمات ضد المدنيين في يوليو تموز وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن اثنين منها الضوء على سياسة الباب المفتوح التي انتهجتها ميركل مع المهاجرين والتي سمحت لمئات الآلاف من الشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى بدخول ألمانيا العام الماضي، وتواجه المانيا الان استحقاقين انتخابيين محليين قد يسددا صفعة انتخابية للمستشارة انغيلا ميركل مع صعود اليمين، وهذه الانتخابات ستكشف عن الواقع السياسي للمستشارة المحافظة قبل عام من الانتخابات التشريعية المقبلة، وبالرغم من تزايد شعبية حركة "البديل لالمانيا" الشعبوية المعادية للهجرة، ما زالت ميركل تؤكد باستمرار على الخيار الذي اتخذته في خريف 2015 باعتباره "واجبا انسانيا"، وتتمسك بشعارها "سننجح في ذلك".

غير ان حماسة الالمان الذين تجمعوا في محطات القطارات لاستقبال المهاجرين المنهكين تبدد ليحل محله واقع متباين في بلد تبقى تعبئة المتطوعين فيه فريدة من نوعها بموازاة تزايد القلق، وتتهم ميركل سواء في اوروبا او في المانيا بما في ذلك داخل معسكرها نفسه، بانها تسببت بموجة هجرة هائلة زعزعت استقرار بلادها والاتحاد الاوروبي، ومع تدفق مئات الاف الرجال والنساء والاطفال هربا من الحرب والفقر، سيطرت "مخاوف جديدة" على القوة الاقتصادية الاولى في اوروبا، ادت الى انتقال النقاش السياسي الى اليمين، وفق ما اوضح غيرو نويغيباور من جامعة برلين الحرة.

وانطلقت حركة "البديل لألمانيا" في ربيع 2013 بناء على خط معاد لأوروبا، وهو منذ ذلك الحين يستغل المخاوف الراهنة واعتمد في الخريف الماضي خطابا معاديا للهجرة حوله بعد اغلاق طريق البلقان امام المهاجرين الى برنامج معاد للإسلام، ويحدث هذا التنظيم الجديد تعبئة بين الممانعين الذين يقاطعون الانتخابات، كما يستقطب ناخبين من جميع التوجهات السياسية، من حزب "دي لينكي" اليساري الراديكالي الى النازيين الجدد، مرورا بالحزب الليبرالي الديموقراطي، بحسب معهد "دي آي في" للأبحاث، وفي ظل النظام النسبي، فان "البديل لالمانيا" ارغم مرارا حتى الان الاحزاب الراسخة في المشهد السياسي على البحث عن وسائل مبتكرة لتشكيل غالبيات تحكم المناطق، على صورة الائتلاف بين الخضر والمحافظين الذي تولى السلطة في الربيع في بادي فورتمبرغ (جنوب غرب).

خارج أوروبا

وفي هذا الشأن قالت زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا الذي يمثل اليمين المتطرف إن على برلين إرسال المهاجرين الذين يتم رفض طلبات لجوئهم والمهاجرين غير الشرعيين إلى جزر خارج أوروبا وتحويل مكتب اللاجئين التابع لها إلى مكتب للتهجير، وتسبب تدفق أكثر من مليون مهاجر العام الماضي في زيادة شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا الذي له الآن مقاعد في ثمانية من مجالس الولايات الست عشرة. ومن المتوقع أن يحقق الحزب مكاسب قوية في الانتخابات.

وأدلت زعيمة الحزب فراوكه بيتري بهذه التصريحات في مقابلة مع صحيفة بيلد، وقالت بيتري "سيتم نقل المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء الذين يتم رفض طلباتهم إلى جزيرتين خارج أوروبا تحت حماية الأمم المتحدة". لكنها لم تحدد الجزيرتين اللتين قصدتهما. وفسرت وسائل إعلام ألمانية تصريحات بيتري بأنها إشارة إلى ناورو ومانوس وهما جزيرتان في المحيط الهادي تمول فيهما استراليا مخيمات لإيواء طالبي اللجوء الذين تعترض طريقهم أثناء محاولتهم الوصول إلى شواطئها بالقوارب. ويتم إبلاغ هؤلاء بأنهم لن ينقلون أبدا إلى استراليا. بحسب رويترز.

وقالت بيتري "أقترح تحويل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين إلى مكتب للتهجير (إلى خارج البلاد) بما يضمن مغادرة كل المهاجرين غير الشرعيين لهذه الأرض بأسرع ما يمكن." ومنذ العام الماضي يعج مكتب الهجرة بمئات الآلاف من طالبات اللجوء.

من جهة اخرى اعلنت حركة بيغيدا الالمانية التي تروج لكراهية الاسلام والمناهضة للهجرة انها تعمل على انشاء حزب سياسي، من دون ان تنافس حزب البديل من اجل المانيا اليميني الشعبوي. وقال رئيس هذه الحركة لوتس باخمان خلال اجتماع ان الحزب الجديد سيحمل اسم "الحزب الشعبي من اجل الحرية والديموقرطية المباشرة"، مؤكدا في الوقت نفسه انه لن يكون مرشحا لرئاسته. وبرر هذا القرار بالقول ان الجمعية التي تقف وراء بيغيدا مهددة بالحظر من قبل السلطات التي باتت تنظر بكثير من القلق الى مواقفها المتطرفة.

وحرص باخمان على التاكيد ان الحزب الجديد لن ينافس حزب البديل من اجل المانيا اليميني الشعبوي الذي ازدادت قوته بشكل كبير خلال الاشهر القليلة الماضية. واضاف "سندعم حزب البديل من اجل المانيا خلال الانتخابات التشريعية المقبلة (المقررة في خريف 2017) ولن نقدم ترشيحات الا في عدد محدود من الدوائر الانتخابية". واكد ان علاقة بيغيدا بهذا الحزب جيدة في غالبية مناطق البلاد حيث فهم حزب البديل من اجل المانيا حسب قوله "اننا عندما نكون معا" يكون الفوز مضمونا. واكد باخمان انه سيبقى ناشطا داخل حركة بيغيدا.

أخطاء وانتقادات

على صعيد متصل قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مقابلة مع صحيفة ألمانية إن ألمانيا ودولا أخرى بالاتحاد الأوروبي غضت الطرف عن أزمة اللاجئين وهي تتفاقم على حدودها الخارجية لفترة طويلة. وأضافت ميركل -التي تواجه انتقادات في ألمانيا بسبب سياسة الترحيب باللاجئين التي انتهجتها قبل عام- لصحيفة زود دويتشه تسايتونج أن ألمانيا والاتحاد الأوروبي سيحتاجان للتحلي بالصبر والجلد في التعامل مع هجرة الناس إلى أوروبا.

وقالت "هناك قضايا سياسية يمكن للمرء أن يراها تلوح في الأفق لكن في الحقيقة لا يوليها اهتماما في لحظة معينة .. وفي ألمانيا تجاهلنا المشكلة لفترة طويلة واستبعدنا الحاجة إلى حل على المستوى الأوروبي." وأدلت ميركل بهذه التعليقات في صورة تحليل يحمل نقدا ذاتيا بالتزامن فيما يبدو مع ذكرى مرور عام على عبارتها الشهيرة "نستطيع أن نفعل ذلك" التي أطلقتها عندما سُئلت عن تصاعد موجة تدفق اللاجئين. ومن المتوقع أن يمنى حزبها المحافظ بضربة موجعة في الانتخابات القادمة وذلك يعود جزئيا لسياساتها الخاصة بالهجرة.

وقالت ميركل إن ألمانيا تركت اسبانيا ودول أوروبية حدودية أخرى تتعامل مع أزمة اللاجئين بمفردها. واستقبلت ألمانيا معظم المهاجرين البالغ عددهم أكثر عن مليون لاجئ من الشرق الأوسط وآسيا الذين وصلوا إلى الاتحاد الأوروبي العام الماضي. وأضافت "لقد رفضنا آنذاك توزيعا متناسبا للاجئين." ومضت تقول إن ألمانيا لم تدعم نماذج مثل الوكالة الأوروبية لأمن الحدود (فرونتكس) التي كان يمكن أن تمس سيادة الدول الأعضاء بالاتحاد. وتابعت "قلنا سنتعامل مع المشكلة في مطاراتنا نظرا لأننا ليس لنا أي حدود خارجية في الاتحاد . لكن هذا لم يكن مفيدا." بحسب رويترز.

وقالت ميركل التي تولت منصب مستشارة ألمانيا ثلاث فترات إن قضية اللاجئين ستظل قضية طويلة المدى. وأضافت "لم نتعامل مع المشكلة بطريقة مناسبة ... وهو ما حدث أيضا فيما يتعلق بحماية الحدود الخارجية لمنطقة شنجن" في إشارة إلى المنطقة التي يتحرك فيها المواطنون بدون تأشيرة. وقالت ميركل إن الاتحاد الأوروبي في حاجة لتكثيف التعاون وزيادة مساعدات التنمية بشكل كبير لدول أفريقية إضافة إلى تركيا ومناطق أخرى مضطربة. وحذرت ميركل من وصم جميع المهاجرين بأنهم إرهابيون. وقالت "لا يصح أن نقول إن الإرهاب جاء فقط مع اللاجئين... كان هنا بالفعل بأشكال مختلفة ومع مهاجمين محتملين مختلفين ."

دمج المهاجرين

الى جانب ذلك قال زيجمار جابرييل نائب المستشارة الألمانية إن المحافظين بقيادة أنجيلا ميركل "هونوا من شأن" التحدي المتمثل في دمج عدد قياسي من اللاجئين الذين تدفقوا على ألمانيا. وتأتي تصريحات جابرييل -وهو أيضا زعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي الشريك الأصغر في الحكومة الائتلافية بقيادة ميركل- لقناة تلفزيون (زد.دي.إف) في ظل الحملة الانتحابية استعدادا لانتخابات اتحادية العام القادم.

وقال جابرييل "قلت وقلنا دائما إن من غير المعقول أن تستقبل ألمانيا مليون شخص كل عام." وأضاف "يوجد حد أقصى لقدرة أي بلد على الاندماج." ويقول معهد الأبحاث التابع لمكتب العمل إن نحو 16 ألف شخص ما زالوا يتوافدون كل شهر مقارنة بأكثر من 200 ألف شخص في نوفمبر تشرين الثاني الماضي. وانتقد جابرييل أيضا عبارة ميركل الشهيرة "نستطيع أن نفعل ذلك" التي أطلقتها في خضم أزمة الهجرة الصيف الماضي واستخدمت مرارا منذ ذلك الحين. بحسب رويترز.

وقال جابرييل إن تكرار هذه العبارة لا يكفي وان المحافظين في حاجة لخلق الظروف التي تمكن ألمانيا من التعامل مع الأزمة مضيفا أنهم عرقلوا دائما فرصا للقيام بذلك. ورفضت ميركل انتقاد جابرييل وقالت في مقابلة مع قناة تلفزيون (إيه.آر.دي) إن الحكومة الاتحادية بذلت قصارى جهدها بالتعاون مع سلطات الولايات والبلديات لحل المشكلات وغيرت القوانين وقدمت التمويل. وأشارت ميركل إلى أنها منفتحة على إجراء تغييرات على نظام الحصص المقترح بالاتحاد الأوروبي الذي يستهدف نقل نحو 160 ألفا من طالبي اللجوء من اليونان وإيطاليا إلى دول أخرى بالاتحاد لكنها قالت إن من المهم إيجاد حل لتقاسم المسؤولية. وأضافت أنه من غير المقبول أن تقول الحكومة "لا نريد بوجه عام وجود مسلمين في بلادنا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0