مبدأ الثقة المتبادلة بين الفرد والحزب السياسي يعد عماد تحقق الغاية المتقدمة ويتحقق ذلك حين يشعر المواطن بالانتماء لمجموعة قيمية يكون هو جزء من صياغتها أو تحقيقها وعندما يكون الحزب وسيلة وليس غاية فهو أداة لخدمة المواطن وليس العكس حين يغدو الفرد محلاً للتحكم أو الاستغلال السياسي، فالصدق والأمانة...

حين يسود المذهب الديمقراطي في بلد ما ولا شك ان في ذلك مؤشر حقيقي على سيادة الحقوق وصيانة الحريات وان الدولة تنتمي إلى الدول القانونية التي تحترم شعبها، فالتحول من الحالة البدائية التي ارتبطت بأنظمة الحكم الاستبدادي أو الدكتاتوري إلى حكم تعددي ديمقراطي يمثل وبحق حالة من الانتقال من السلبية المدقعة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى حالة إيجابية تتمثل في التأثير المتبادل بينهما.

 فالتداول السلمي للسلطة والمساءلة لمن أخفق في تحقيق تطلعات الشعب تمثل جوهر الحكم الديمقراطي، وتمثل الانتخاب والمشاركة الشعبية في عملية صنع القرار ورسم السياسات ومراقبة الأداء اليومي للقابض على السلطة أركان النظام الديمقراطي وعناصره الأساسية، وليس بلوغ ما تقدم نهاية الطريق بل هو الوصول إلى القمة.

 وللحفاظ على هذا المنجز لابد من توافر مقومات تعمل لصيانة المنجز وتعزيزه بشكل دوري، ولذا يعد مبدأ تعزيز النظام الحزبي القائم على قواعد قانونية وتقاليد سلوكية حزبية وأعراف سياسية مستقرة الضمان الأهم لما تقدم، فالديمقراطية المستدامة تتطلب نضالاً مستمراً هدفه الحفاظ على المكتسبات والسعي الجاد لتعزيزها بشكل مستمر، وتعد حرية العمل الحزبي واحدة من أهم الحريات العامة التي كفلتها المواثيق والعهود الدولية والدساتير الوطنية ومنها الدستور العراقي للعام 2005 الذي نص في المادة (39) منه إلى أن "حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، أو الانضمام إليها مكفولة، وينظم ذلك بقانون".

ومن المهم التأكيد على ان مبدأ الثقة المتبادلة بين الفرد والحزب السياسي يعد عماد تحقق الغاية المتقدمة ويتحقق ذلك حين يشعر المواطن بالانتماء لمجموعة قيمية يكون هو جزء من صياغتها أو تحقيقها وعندما يكون الحزب وسيلة وليس غاية فهو أداة لخدمة المواطن وليس العكس حين يغدو الفرد محلاً للتحكم أو الاستغلال السياسي، فالصدق والأمانة في الخطاب والسلوك السياسي الصحيح يفضي إلى تطبيق سليم للقانون وصيانة مؤكدة للحقوق والحريات العامة والخاصة.

 ولا يتحقق ما تقدم ما لم تتوافر النية الصادقة لدى القائمين على إدارة الحزب أولاً ووجود قواعد تنظم السلوك ثانياً وتوافر المساءلة الحزبية الحقيقية القادرة على الوقوف في وجه كل من يحاول الهيمنة على الحزب وتحويله إلى مجرد أداة لتبرير السلوكيات الفردية المنحرفة عن النظام الأساس للمنظمة الحزبية، والى هذا المعنى أشارت المادة (8) من قانون الأحزاب العراقي رقم (36) لسنة 2015 بأنه "يشترط لتأسيس أي حزب ما يأتي:

أولاً: عدم تعارض مبادئ الحزب أو أهدافه أو برامجه مع الدستور. 

ثانياً: يكون للحزب برنامجه الخاص لغرض تحقيق أهدافه".

ومن المؤكد ان الوظيفة الأساسية للحزب السياسي هي المساهمة في التداول السلمي للسلطة عبر مسارين، الأول إعداد برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها قادرة على تشخيص المشاكل التي تعترض حياة المجتمع وأفراده، والمسار الثاني السعي عند الوصول إلى السلطة لتحقيق الأهداف والبرامج التي أعلن عنها في الحملة الانتخابية بشكل موضوعي وفي ضوء النصوص القانونية والمسار السلمي ووفق الآليات الحديثة، فالغاية الأساسية من تأسيس الحزب هو إشاعة المذهب الديمقراطي وضمان المشاركة الفاعلة والمتساوية للأفراد في الشأن العام، وفي ضوء ما تقدم يمكن ان تشيع الروح الديمقراطية وتتحقق العدالة الاجتماعية.

ويعتمد النظام السياسي الديمقراطي بالدرجة الأساس على الأحزاب السياسية لدورها الرائد في تبني وتفعيل مبدأ التداول السلمي للسلطة والفصل العضوي بين السلطات، ويمكن ان يكون الحزب بمثابة المدرسة السياسية والمهنية التي تخرج الأفراد المؤهلين لتولي المناصب العامة وممارسة الأدوار التشريعية أو التنفيذية على نحو من الكفاءة والاقتدار، لذا نؤكد على الأسس الآتية التي من شأنها تحقيق الغاية النهائية من التنظيم الحزبي:

أولا تعد الأحزاب منظمات حرة: بمعنى أنها حرة في تنظيم شأنها الداخلي ولضمان ان تكون بالفعل منظمة حرة يجب أن يبنى نظامها الداخلي على أسس قانونية وديمقراطية لاسيما في بناء هيكلها التنظيمي أو اختيار قياداتها الحزبية، والى ذلك أشار المشرع العراقي في قانون الأحزاب رقم (36) لسنة 2015 في المواد(21، 22) إلى أنه" المادة 21: للحزب الحق في: 

أولاً: المشاركة في الانتخابات والحياة السياسية وفق القانون.

ثانياً: الاجتماع والتظاهر بالطرق السلمية وفق القانون.

المادة -22- أولاً: للحزب إصدار صحيفة سياسية ومجلة سياسية أو أكثر، وإنشاء موقع الكتروني وامتلاك واستخدام وسائل الاتصال كافة للتعبير عن أرائه ومبادئه، وفق القانون." 

ثانياً: الأحزاب منظمات تنموية: فهي قادرة على ان تشرع بتنمية الممارسات الفردية أو الجماعية ذات الشأن الديمقراطي، بمعنى ان الأحزاب تدعم الحريات الأساسية وفي مقدمها حرية الفكر والتعبير عن الرأي، ومن الثابت أن الحزب السياسي شأنه شأن النظام السياسي يوصف بأنه ديمقراطي أو استبدادي وكل ما تقدم رهن بالتنظيم الداخلي وإيمان القيادة الحزبية بالانتخاب كطريق وحيد للوصول إلى قيادة الحزب أو الوصول إلى السلطة للمشاركة فيها أو التأثير بها.

ثالثاً: الأحزاب منظمات وظيفية: فهي تبرع بوظيفة سياسية بوصفها أحد أهم مكونات النظام السياسي وإليها يعود الفضل في التأسيس لنظام ديمقراطي أو غير ديمقراطي، فحين تتبنى النهج القائم على المساواة بين الأفراد بدون أي تمييز بسبب الجنس أو اللون أو الطائفة أو العرق لا شك أنها ستحقق الغاية من وظيفتها السياسية والاجتماعية، ويتفرع عما تقدم واجب الحزب السياسي الوطني في تنشئة الأفراد على المواطنة الإيجابية بمعنى الحث على المبادرة الإيجابية والدعوة إلى كل ما فيه الخير والصلاح للمجتمع أو الدولة أو للغير، لا ان يكون الفرد مستهلكاً فحسب أو يقف على الحياد حين يتطلب الموقف التدخل لمصلحة الوطن أو الشعب.

وحين نستطلع خارطة الأحزاب أو الجماعات السياسية في العراق نلاحظ أنها:

- إما نشأت كمعارضة للنظام الدكتاتوري البائد في العراق.

- أو أنها نشأت كحركة تحرر من السيطرة الأمريكية على العراق عقب العام 2003.

- أو أنها انشقت من الأحزاب الكبيرة والتقليدية لأسباب مختلفة وغالبا يمكن ان تعود لطموحات شخصية.

- أو أنها أحزاب مغمورة تأسست لخوض غمار العمل الديمقراطي على يد سياسيين من المساهمين في العمل السياسي أو البرلماني.

وأهم ما يميزها أنها لا تملك تجربة ديمقراطية بيد راسخة أو تقاليد سياسية يعتد بها بل أن ما يميز الكثير من الأحزاب العراقية أنها لم تتمكن من التخلص من الأفكار النمطية المتمثلة في الزعامة والقيادة التاريخية لأشخاص بعينهم، بعبارة أخرى لم تتحول بعد إلى مؤسسة قادرة على العيش بذاتها معبرة عن إرادتها الذاتية ومصالحها الخاصة، فلا نجد أن أي واحداً منها قد برع في: 

1- التنظيم الداخلي المثالي.

2- العمل السياسي المثالي.

3- العمل الحزبي الاحترافي في صفوف الائتلاف الحكومي أو المعارضة.

ويعود ما تقدم لافتقادها إلى الأيدلوجية الموضوعية، فجل الأحزاب غير قادرة على ان تضع حداً فاصلاً بين العمل الاجتماعي والسياسي على سبيل المثال فالأول يتفرع من واجب الحزب في دعم الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع وتنمية ملكاتهم والاستجابة لاحتياجاتهم، أما الثانية فهي تتصل بضرورة العمل على تنمية حرية الرأي والتعبير لدى الأفراد ورفع الوعي الشعبي ليكون قادراً على التمييز بين البرامج وانتقاء الأفضل منها، في الوقت الذي نجد ان الأحزاب تستغل المناسبات الديمقراطية كالانتخابات العامة أو المحلية لتقديم خدمات أو مساعدات بغية شراء الأصوات والولاءات بعيداً عن الموضوعية والتنافس الحر الشريف بين المرشحين ما يؤشر على أنها لم تبلغ بعد مرحلة النضج السياسي.

 ونشير إلى أن غالب الأحزاب تفتقد إلى التسويق السياسي للأفكار التي يؤمن بها الحزب وإتباعه، وسلوك طرق تسويقية مبتكرة لدعم رصيد الحزب من الأنصار والإتباع والتجدد في اعتماد وسائل التواصل مع الأنصار والمؤيدين، التي تقوم بالدرجة الأساس على الإقناع بصواب الرأي، بل الوسائل المتبعة لا تزال بدائية قائمة على أساس الترويج للشخص بحسب انتمائه القبلي أو القومي أو الديني بعيداً عن إمكانياته الفردية وانجازاته الحزبية.

 كما تفتقد هذه المؤسسات السياسية إلى الإستراتيجية الفاعلة في التواصل أو في ترجمة الأفكار وتحويلها إلى واقع عملي يعيشه الفرد، إذ تمثل الأحزاب السياسية حلقة الوصل بين الفرد والسلطة حين يفترض أنها تخلص في نقل معاناته إلى صناع القرار وتسهر على متابعة همومه، ليس بالصيغة الشهيرة في العراق حين يعمل البعض كالمعقب الذي يتابع حثيثاً مطالب جمهوره، بل في صيغة منظمة ومؤسسية حين يهدف إلى تعديل التشريعات النافذة واستكمال ما يعتريها من نقص أو غموض يتسبب بالضرر للأفراد، وكذا الأمر في القرارات والخطط الحكومية المركزية أو المحلية التي قد تصاغ على عجل أو بأسلوب الارتجال ليكون دور الحزب إطلاع الرأي العام وتقديم البديل الحقيقي والمقنع، على ان تكون الحلول من النوع المستدام.

 بعبارة أخرى ان تعمد الأحزاب الوطنية إلى تشخيص مكامن الضعف والاشكال والسعي لمعالجتها جذرياً بإعادة النظر بالقوانين الناظمة للمؤسسة التشريعية والتنفيذية والقضائية لجعلها أكثر استجابة للتطورات التي تشهدها الحياة العامة اليومية، ونؤكد أهمية ان تؤمن الأحزاب العراقية بالنهج المعارض للقابض على السلطة والتحول من الرغبة الجامحة في المشاركة بالسلطة الحاكمة إلى لعب دور جهاز المعارضة في البرلمان أو الميدان السياسي والإعلامي.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق