عقد مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات حلقة نقاشية بحضور عدد من المختصين واكاديميين من داخل محافظة كربلاء المقدسة وخارجها، وتأتي هذه الحلقة التي حملت عنوان (رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين عليه السلام ودورها في صياغة نظم حقوق الإنسان) ضمن النشاطات الشهرية للمركز التي يسعى من خلالها إلى النهوض بواقع حقوق الإنسان التي باتت تعاني في الآونة الأخيرة من تراجع ملموس في جميع المجالات.

 ومن اجل ما تم ذكره فقد شرع المركز بمناقشة رسالة الحقوق للإمام علي ابن الحسين عليه السلام كونها تعد الوثيقة الأولى في مجال الحقوق وبحث إمكانية إيصال هذه المبادئ وترسيخها في المحافل الدولية.

 استهلت الحلقة بتمهيد تقدم به مدير المركز الأستاذ احمد جويد حيث قال "كثيرا ما يطرق أسماعنا أسماء تتداولها النخب المثقفة مثل روسو والمهاتما غاندي ومارتن لوثر كغ وغيرهم الذين يعدون من رواد السلام وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، في الوقت الذي تناسينا ما لدينا من ارث حضاري وإنساني مثله لنا رائد الإنسانية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقام بصياغتها على شكل رسالة حقوقية حفيده الإمام علي بن الحسين عليه السلام".

 وأضاف أننا إذ نعيش هذه الأيام الذكرى الميمونة لولادته عليه السلام ننطلق لبحث ما جاء في مضامين هذه الرسالة الحقوقية من خلال ورقة بحثية يتقدم بها التدريسي في جامعة كربلاء الدكتور علاء الحسيني، خاتما حديثه بطرح ثلاث أسئلة على الحاضرين كان أولها، كيف يمكن أن نستفيد من مضامين رسالة الإمام عليه السلام في بناء مجتمع يحترم حقوق الإنسان؟، وكيف نبرز تلك المضامين في المحافل الدولية المعنية بحقوق الإنسان؟، وما هي المقترحات والتوصيات لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان انطلاقا من تلك الرسالة؟، تاركاً الحديث للباحث كي يطرح ما جاء في ورقته.

الجوانب القانونية في الرسالة الحقوقية

الدكتور علاء الحسيني في ورقته البحثية التي تقدم بها قال، "إلف وثلاث مائة عام انطلقت هذه الرسالة الإنسانية على لسان الإمام السجاد عليه السلام حيث تضمنت الكثير من الحقوق التي تنشدها الشعوب والمجتمعات الإنسانية اليوم، مشيرا إلى إن الدول والأفراد والمنظمات الحقوقية لم تنجح في تكريس وترسيخ هذه الحقوق إلا بعد مضي ثلاثة عشر قرن، لاسيما وان القرآن الكريم والسنة النبوية أكدت كثيرا على هذه الحقوق من خلال نصوص لا تزال خالدة.

وبين الحسيني إن المتصفح لهذه الرسالة يجد إنها احتوت على نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة فضلا عن كلام الإمام علي بن الحسين عليه السلام، موضحا أن الرسالة قسمت حقوق الإنسان إلى أجزاء مختلفة حيث استطاعت تلك الأجزاء أن تتناول الحقوق بشكل مفصل.

 وركز الحسيني من خلال ورقته على الجوانب القانونية في الرسالة الحقوقية التي أصبحت فيما بعد مواد دستورية ومعاهدات ومواثيق دولية، مستعرضا الحقوق التي جاءت فيها يأتي في مقدمتها حق الله عز وجل وهو أن تعبده ولا تشرك به شيئاً وكذلك حق النفس في طاعة الله وعدم الإساءة إليها وهو ما يطلق عليه اليوم في القانون الحق في السلامة الجسدية، مبينا أن هذه الحقوق وردت في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل الذي يسمى الشريعة العامة لحفظ الحقوق إذ ننطلق من هذا القانون إلى حماية الحقوق والحريات مستعرضا النصوص التي وردت في هذا القانون منها المادة 405 التي جرمت العدوان على النفس، وكذلك المادة 406 التي أشارت إلى عقوبات مشددة في حال الاعتداء على النفس كالانتحار وقتل أكثر من نفس وغيرها، موضحا أن المشرع العراقي لم يغب عنه حماية النفس ففي المادة 407 من القانون العراقي لقد حرم الانتحار.

 وأضاف الحسيني أن الإمام زين العابدين عليه السلام انطلق في رسالته الحقوقية من اجل تكريم الإنسان في الجوانب المعنوية والروحية في حياته، معرجا على مسألة الرعية والحاكم وإذا أسقطنا هذه القضية على واقعنا الذي نعيشه في العراق نجد أن الدستور العراقي لعام 2005 تناول جانب الحكم في الدولة وكيف يتم تسيير الأمور، داعيا الى التحلي بما ورد بهذه الرسالة الحقوقية من قبل القابضين على السلطة بمختلف مستوياتهم.

 وبين الحسيني أن من ضمن الحقوق التي أشارت إليها الرسالة الحقوقية هو حق أهل الذمة وما يعرف اليوم بالأقليات التي ذكرها الدستور العراقي ففي المادة الثالثة نص واضح يقول أن الشعب العراقي يتكون من مجموعة متجانسة أو غير متجانسة من الأقليات المذهبية واللغوية والدينية وهنا يجب المحافظة على التنوع، في الوقت الذي يشهد فيه العراق هجمة شرسة خارجة عن الدين والقانون.

المداخلات

 وكعادتها لم تخلو الحلقة من مناقشات قيمة للحاضرين حيث كانت المداخلة الأولى للنائب السابق في البرلمان عبد المهدي الخفاجي قال فيها أنا اتفق مع ما جاء في الورقة البحثية في أن لا يوجد مثل هذه الرسالة الحقوقية، مبينا أن جميع الدراسات والقراءات هي دراسات أخروية فلم تكن هناك قراءة دنيوية لتلك الرسالة وبالتالي يتم الانتفاع بمضامينها من قبل الجميع.

 الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية بين أن هذه الرسالة عميقة تنطلق من ذات الإنسان لتصل إلى مفاصل المجتمع كافة، مشيرا إلى أن هذه الرسالة مازالت غير واضحة للمجتمعات الإنسانية، موضحا أن مشكلة المشرع الإسلامي المعاصر عندما ينطلق من منظمة التشريع الإسلامي محاولا توظيف هذه المنظومة لإكساب تشريعاته الوضعية وإضفاء صفة المشروعية الإسلامية على سلوكياته وهذا مغاير للواقع تماما، مشددا على أن تكون هذه الرسالة أمرا مطلوبا من المجتمع ذاته اي أن يقوم المجتمع تطبيق هذه المنظومة الحقوقية، أما في ما يخص ترسيخها في المحافل الدولية قال العرداوي من الصعب ترسيخها في الوقت الحالي وذلك لان المجتمعات الإسلامية لم تقدم أنموذجا للحقوق والحريات وفق المنظور الإسلامي، داعيا إلى تغيير النخب السياسية في المجتمعات الإسلامية وتحل بدلها نخب تعمل من اجل الإنسان.

 الدكتور حيدر الحسناوي، هذه الرسالة التي وضعها الإمام زين العابدين عليه السلام بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام بعد انتهاك حقوقه كافة، موضحا أن الإمام وضع هذه الوثيقة ليبين للناس الحقوق التي يجب أن يحصل عليها الأفراد للتعايش فيما بينهم.

 أما الدكتور حسن علي كاظم الأستاذ في القانون ذكر في مداخلته إذا أردنا الانفتاح على العالم الخارجي وترسيخ هذه المفاهيم في المحافل الدولية يجب علينا بيان شخصية الإمام زين العابدين لدى المجتمعات الأخرى الذي شبه بعيسى بن مريم عليه السلام بزهده وبالنبي أيوب عليه السلام بصبره، مبينا أن هذه الرسالة في مضامينها المتعددة التي ركزت على بناء الإنسان روحيا وأخلاقيا وجسديا ومن ثم تكون الانطلاقة إلى بناء المجتمع برمته، فجاء منهج الإمام زين العابدين ليتمم منهج الإصلاح الذي جاء به جده رسول الله صلى الله عليه وآله، موضحا أن الرسالة جاءت لترفض كل إشكال الاستعباد والرق وسيطرة الإنسان على أخيه الإنسان.

 ودعا كاظم إلى إتباع آلية معينة من اجل الانفتاح على المجتمع الدولي تتمثل باعتبار رسالة الحقوق وثيقة دولية تعتمد من قبل الأمم المتحدة، مستدركا القول أن هذه الرسالة تختلف عن الإعلان لحقوق الإنسان في إنها جاءت لتمازج بين الجانب المادي والروحي على العكس ما تفرد به الإعلان العالمي الذي أفرط في الإيغال في المادية، مشددا على وجوب ترجمة هذه الحقوق ومخاطبة الفئات المختلفة بإدخالها ضمن المناهج التربوية للمراحل الدراسية كافة.

 فيما يرى الباحث باسم عبد عون من مركز الفرات أن المشكلة تكمن في كيفية تسويق هذه الرسالة على المستوى التشريعي للقوانين وكذلك على المستوى الدولي بالإضافة إلى ضعف الخطاب من اجل إيصال هذا الإرث التاريخي.

 الدكتور بشير الخطيب قال أن الحقوق والواجبات حقيقتان لهما جذورهما التاريخية في حياة الإنسان فهي تهدف إلى تنظيم الحياة البشرية، مبينا أن على الرغم من اهتمام المعنيين بهذه الحقوق إلا إننا لم نجد تطبيق حقيقي على ارض الواقع.

 الدكتور احمد المسعودي أشار إلى أن لا تزال الجهات المعنية غير قادرة على تقديم مشروع إيماني لاسيما وان الشعب يصبوا إلى مزيد من التشريعات التي تضمن حقوقه من الضياع، مبينا هناك شيئا لم تدركه الجهات صاحبة القرار في العراق هو أن الأئمة عليهم السلام يؤسسون إلى دولة تحترم الإنسان متسائلا عما إذا كان تغيير هناك تغيير في منابع الفكر غير الذي سنه أهل البيت عليهم السلام. معتقدا بأن هناك أربع محاور لضمان ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان من خلال رسالة الحقوق تتمثل بالفرد ذاته والأسرة والمجتمع والمحور الحكومي.

 الشيخ مرتضى معاش من جهته، ذكر أن الإمام علي بن الحسين عليه السلام هو أول رائد وبشكل واضح في حقوق الإنسان وكذلك أول من كتب بطريقة فنية متخصصة محاربا بذلك العبودية التي كانت متجذرة في المجتمعات البشرية من خلال شراءه العبيد وتحريرهم ومن ثم تعليمهم العلم والعمل وهو بذلك يكون قد طبق حقوق الإنسان بشكل عملي.

وأضاف، أن من الملاحظ ليس أمريكا أول من حرر العبودية بل، أول من حاربها هو الإمام عليه السلام، عاداً رسالته بمثابة ميثاق عالمي تأريخي سبق الكثيرين بعقود طويلة، مبينا أن إشكاليات نظم حقوق الإنسان اليوم من الناحية العملية تمثل في كونها ناتجة من حالات وقتية معينة حصلت بعد الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن من ضمن هذه الإشكاليات إنها وضعت للأقوياء وليس للضعفاء وللأغنياء وليس للفقراء في حين رسالة الحقوق قامت على ثلاثية وهي الرحمة والإنصاف والإنسانية.

وختام هذه المداخلات كانت مع الدكتور اسعد الإمارة الكاتب رئيس قسم الاجتماع في جامعة واسط، قال أن جانب حقوق الإنسان في رسالة الإمام علي بن الحسين عليه السلام واضح جدا، موضحا أن حقوق الإنسان بنيت على أساس احترام الإنسان لكن ما يطرح الآن وخاصة في دول العالم الثالث نجده مخالف تمام لهذه النظرة حيث يتعرض إلى الضرب وسلب الحقوق وغيرها، وهنا يتطلب بناء الإنسان على أساس إنسانيته وليس على أساس تجربة سياسية وهذا صلب ما دعت إليه هذه الرسالة المتكاملة، مشددا على ضرورة تطبيق ما جاء في الرسالة من مبادئ وغيرها من قوانين على ارض الواقع.

والجدير بالذكر ان مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0