سياسة - تقارير

غزة: مشهد متغير واضطراب مستمر

لا يزال آلاف من سكان قطاع غزة يعانون من آثار الحروب والحصار الإسرائيلي المستمر وخلافات السياسية المستمرة بين فتح وحماس، وهو ما اسهم بتفاقم أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل والمشردين، هذه المعاناة والأزمات ما تزال في ذيل قائمة اهتمامات الكثير من الدول و المنظمات الإنسانية والحقوقية التي انشغلت بقضايا ومشكلات اخرى. ويشكل قطاع غزة نحو 1.33% من مساحة فلسطين التاريخية. واكتسب اسمه من أكبر مدنه مدينة غزة، وهي ثاني أكبر مدينة فلسطينية بعد القدس. وبناءً على تقديرات سابقة أعدها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد السكان في فلسطين حوالي 4.55 مليون نسمة، منهم 1.76 مليون نسمة عدد سكان غزة. وتضم مدينة غزة وحدها أربعمائة ألف نسمة، ومعظم سكان القطاع هم من لاجئي 1948. كما يعتبر القطاع واحداً من أكثر المناطق كثافةً سكانية في العالم، حيث تبلغ نسبة الكثافة فيه وفقاً لأرقام حديثة 26 ألف ساكن في الكيلومتر المربع الواحد، أما في المخيمات فترتفع الكثافة السكانية إلى حدود 55 ألف ساكن تقريباً بالكيلومتر المربع الواحد.

وبحسب بعض المصادر فقد كشفت العديد من التقارير، أن كافة المؤشرات تؤكد بأن قطاع غزة دخل مرحلة الانهيار الاقتصادي, واصبح نموذج لأكبر سجن بالعالم. فقطاع غزة بلا إعمار, بلا معابر, بلا ماء, بلا كهرباء, بلا عمل, بلا دواء, بلا حياة, وبلا تنمية، خاصة وأن الحصار الإسرائيلي والحروب المتكررة التي أنتجت الدمار الهائل في البنية التحتية وكافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية.

وفي تقريره تحت عنوان "حصاد اقتصاد قطاع غزة خلال عام 2016"، اوضح د.ماهر تيسير الطباع، الخبير والمحلل الاقتصادي ومدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، انه مع نهاية عام 2016 مازال الاقتصاد في قطاع غزة يعاني من سياسة الحصار التي تفرضها إسرائيل على قطاع غزة للعام العاشر على التوالي, بالإضافة إلى الحروب والهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة والتي عمقت من الأزمة الاقتصادية نتيجة للدمار الهائل التي خلفته للبنية التحتية و كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية. وقال: إن التأخر في عملية إعادة الاعمار أدى الى تداعيات خطيرة على الاوضاع الاقتصادية في قطاع غزة, حيث حذرت العديد من المؤسسات الدولية من تداعيات إبقاء الحصار المفروض على قطاع غزة وتأخر عملية إعادة الاعمار على كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية. وأضاف: استمرت إسرائيل خلال عام 2016 بإتباع سياساتها وإجراءاتها العقابية بحق قطاع غزة, والتي تمثلت بتشديد الخناق على تنقل التجار ورجال الأعمال, وتجاوزت ذلك باعتقال العشرات من التجار ورجال الأعمال, كما أضافت إسرائيل العديد من السلع والبضائع إلى قوائم الممنوعات, وكل هذا يأتي في إطار سياسة إسرائيل بتشديد الحصار وخنق قطاع غزة. كما شهد عام 2016 إرتفاع في معدلات البطالة وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني فإن معدل البطالة في قطاع غزة قد بلغ 43.2% في الربع الثالث من عام 2016 وتجاوز عدد العاطلين عن العمل ما يزيد عن 218 ألف شخص, وبحسب البنك الدولي فإن معدلات البطالة في قطاع غزة تعتبر الأعلى عالميا, وارتفعت معدلات البطالة بين فئة الشباب والخريجين في قطاع غزة لتتجاوز 50%.

كما ارتفعت معدلات الفقر والفقر المدقع لتجاوز 65% وتجاوز عدد الاشخاص الذين يتلقون مساعدات إغاثية من "الاونروا" والمؤسسات الإغاثية الدولية أكثر من مليون شخص بنسبة تصل إلى 60% من سكان قطاع غزة, وتجاوزت نسبة انعدام الأمن الغذائي 72% لدي الأسر في قطاع غزة, وبحسب أخر إحصائية صادرة عن مركز الإحصاء الفلسطيني للفقر في الأراضي الفلسطينية في منتصف عام 2012, أي قبل تعرض قطاع غزة لحربي 2012 و 2014, فإن 38.8% من سكان قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر الوطني في فلسطين والذي يبلغ 2293 شيكلا, و21.1% يعيشون تحت خط الفقر المدقع والذي يبلغ1832 شيكلا.

عدد السكان

وفي هذا الشأن قال مسؤول من الأمم المتحدة إن سكان غزة سيزيد عددهم إلى أكثر من مثليه خلال نحو 30 عاما مما ينذر بمشكلات اقتصادية أكثر خطورة سيواجهها الفلسطينيون في القطاع إذا لم يحل الصراع مع إسرائيل. وقال اندرياس طومسن من صندوق الأمم المتحدة للسكان "سيكون من الصعب للغاية تصور أن يكون بالإمكان تهيئة الظروف الملائمة للنمو (الاقتصادي) الذي يمكنه أن يلبي احتياجات هذه الزيادة السكانية الهائلة."

وكان طومسن يعلق على تقرير جديد للصندوق يدرس التغيرات السكانية وفرص التنمية في قطاع غزة والضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل. وتوقع التقرير زيادة في عدد سكان غزة من مليوني نسمة إلى 4.2 مليون بحلول عام 2050 ليتجاوز العدد سكان الضفة الغربية الذين يتوقع التقرير زيادة عددهم من 2.9 مليون حاليا إلى 4.7 مليون. وقال طومسن إنه بحلول عام 2030 سيكون 1.3 مليون شخص قد زادوا على سكان غزة التي تديرها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وستمثل تلبية احتياجاتهم تحديا.

ويقول مسؤولو الإغاثة إن غزة التي شهدت حربا بين حماس وإسرائيل في عام 2014 تحتاج بالفعل لآلاف الوحدات السكنية ومئات المدارس والمراكز الطبية. وتابع تقرير الصندوق أنه بدون التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل "سيظل الاستقرار السياسي والاحتلال من العقبات الرئيسية أمام تحقيق مكاسب التنمية." وانهارت محادثات السلام عام 2014. وأشار البنك الدولي كذلك إلى انخفاض بنحو 50 بالمئة في المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية في السنوات الثلاث الأخيرة كعامل وراء ما وصفها بأنها توقعات اقتصادية مقلقة للفلسطينيين. بحسب رويترز.

وبشكل عام من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الفلسطيني بمعدل نحو 3.5 بالمئة في السنوات المقبلة. وقال طومسن ممثل صندوق السكان في الأراضي الفلسطينية إنه مع وصول معدل البطالة في غزة إلى 43 بالمئة و18 بالمئة في الضفة الغربية يتعين إتاحة مليون فرصة عمل جديدة في المنطقتين بحلول عام 2030 لمنع هذه المعدلات من التدهور مع الزيادة السكانية وحسب. وقال "للقيام بذلك يتعين أن تكون هناك استثمارات موجهة للشباب وللنساء الذين سيدخلون سوق العمل." ودعا إلى "حوار جاد مع إسرائيل وأطراف أخرى بشأن كيفية رفع الحصار (الإسرائيلي) ببطء وبالتدريج." وتقول إسرائيل إنها خففت القيود بشكل عام على حركة البضائع إلى غزة لكن الحصار البحري يجب أن يبقى لمنع تهريب الأسلحة.

غزة وحكومة الوفاق

من جانب اخر قال رامي الحمد الله رئيس الحكومة الفلسطينية إن حركة حماس لا تسمح لحكومته بإدارة قطاع غزة. وأضاف في مؤتمر صحفي في رام الله "من غير المعقول أن تقوم حكومة الوفاق بكافة الجهود لتلبية احتياجات أهلنا في قطاع غزة ودفع المصاريف التشغيلية... بينما تقوم حركة حماس بإدارة القطاع." وتابع قائلا "بصراحة هناك حكومة أمر واقع كنت أقول حكومة ظل والآن بكل صراحة أقول حكومة الأمر الواقع."

وتم التوصل في عام 2014 إلى اتفاق بين حركتي فتح وحماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007 تم بموجبه تشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة رامي الحمد الله كان من المفترض أن تتولى إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة. وبرزت العديد من العقبات أمام عمل الحكومة منها ملف الموظفين في قطاع غزة إضافة الى المعابر ومنها معبر رفح الذي يربط القطاع مع مصر والمعابر التجارية التي تربطه مع إسرائيل.

وقال الحمد الله "أوكد لكم حرص القيادة بقيادة الرئيس أبو مازن(محمود عباس) والحكومة الدائم على تلبية احتياجات أهلنا في قطاع غزة وتقديم الخدمات لهم رغم عدم تمكين حكومة الوفاق الوطني من الاضطلاع بسؤولياتها في قطاع غزة." وأضاف خلال المؤتمر الذي عقده للحديث عن أزمة الكهرباء في قطاع غزة "لم ولن نتخلى عن أهلنا في قطاع غزة."

ويرى الحمد الله أن "حل مشكلة الكهرباء بشكل جذري والقضايا الأساسية يتطلب من حركة حماس التحلي بالمسؤولية وتمكين حكومة الوفاق الوطني من الاضطلاع بكافة مسؤولياتها في قطاع غزة." وقال الحمد الله "حكومة الأمر الواقع تفرض ضرائب وتسيطر على كل مرافق الحياة في قطاع غزة." وتتهم حركة حماس الحكومة برئاسة الحمد الله بالمسؤولية عن أزمة الكهرباء في قطاع غزة. ودعت حماس في بيانات لها خلال الأيام الماضية إلى "ضرورة التزام حكومة الحمد الله والرئيس محمود عباس بالقيام بدورهم وتحمل كامل مسؤولياتهم في إنهاء معاناة قطاع غزة بالكامل."

وعلى مدى أسابيع لم تصل إمدادات الكهرباء لسكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو مليوني نسمة سوى لبضع ساعات كل يوم بما يقل عن نصف معدل الإمداد المعتاد. وقال مسؤولون إن أزمة الكهرباء التي أثارت إحتجاجات واضطرابات في قطاع غزة انحسرت بعد أن تبرعت قطر بمبلغ 12 مليون دولار لشراء وقود لمحطة الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة. بحسب رويترز.

وقال الحمد الله إن حكومته ستتمكن من شراء الكمية الأولى من الوقود اللازم لمحطة توليد الكهرباء من المنحة القطرية التي ستدفع على ثلاثة أشهر. وأضاف "بالنسبة للمنحة التركية وصلنا أمس رسالة من الحكومة التركية تحدثوا عن التبرع بخمسة عشر طنا من الديزل الصناعي ولكن تفاصيل هذه المنحة غير موجودة لدينا." واستعرض الحمد الله في المؤتمر الصحفي ما تدفعه حكومته لقطاع الطاقة في قطاع غزة والذي يصل مجموعه إلى حوالي 270 مليون دولار سنويا.

صيادو غزة

في السياق ذاته عندما تعرض الصياد الفلسطيني أبو محمد للضغوط ليصبح مخبرا للمخابرات الإسرائيلية اتخذ الرجل البالغ من العمر 45 عاما قرارا متطرفا.. ترك الصيد وامتهن البناء. ويقول أبو محمد وهو أب لخمسة إن العمل قبالة ساحل غزة حيث تفرض إسرائيل قيودا تمنع قوارب الصيد من الإبحار لأكثر من ستة أميال بحرية صعب بما يكفي من دون أن تحاول أجهزة الأمن الإسرائيلية تجنيده.

ووفقا لجمعية الميزان الفلسطينية المعنية بحقوق الإنسان فقد احتجزت إسرائيل 113 صيادا في 2016 مقارنة بواحد وأربعين في الفترة ذاتها من عام 2015. ويقول من احتجزوا إن هناك ضغوطا متزايدة عليهم - تتضمن التهديد بخسارة قواربهم - لتقديم معلومات قد تساعد أجهزة الأمن الإسرائيلية.

وأكد القائد البحري الإسرائيلي الذي يشرف على ساحل غزة أن نحو 70 صيادا احتجزوا. وأضاف أنه جرى تسليمهم إلى أجهزة أخرى بينها جهاز الأمن الداخلي (شين بيت) لاستجوابهم قبل إعادتهم إلى غزة. وقال القائد الذي قال إن اسمه كابتن جاي "مهمتنا هي رصد العدو والتعامل مع الصيادين هو أمر يصرف انتباه القوات.. نريدهم أن يكسبوا عيشهم ونريد حماية مصالحنا الحيوية." ولم يرد شين بيت على طلب بالتعقيب. وبالنسبة لأبو محمد وآخرين فإن التجربة تركت ندوبا لا تمحى.

وقال أبو محمد وهو يصف أحداثا وقعت في وقت سابق رافضا ذكر اسمه بالكامل خوفا من الانتقام منه "كنت على القارب أنا ومجموعة صيادين من أقاربي وأصدقاء عندما بدأ قارب للجيش الإسرائيلي بالاقتراب منا وهم يطلقون النار." وتابع قوله "استمروا في إطلاق النار وطلقة رصاص أصابت المركب ومن ثم توقفنا واعتقلونا.. قيدوا أيدينا وعصبوا أعيننا ومن ثم أخذونا على موقع للجيش في المجدل."

وهناك طلب منه ضابط أمني إسرائيلي معلومات عن نشطاء في الحي الذي يسكن به وقال إنه سيمنحه فرصة للتفكير. وتابع أن الضابط قال له "سأتصل عليك بعد ثلاث أيام وأتمنى أنك تتعاون." ويقول أبو محمد الذي انتابته الحيرة والذعر إنه عندما عاد لغزة كسر شريحة هاتفه المحمول وسلم نفسه إلى جهاز أمني محلي وظل عاطلا عن العمل لعدة أشهر قبل أن ينضم لأصدقاء له في قطاع البناء. وقال "فضلت أن أموت من الجوع ولا أن أكون جاسوسا." ورغم أنه يوجد نحو أربعة آلاف صياد في غزة - مما يجعله واحدا من أكبر قطاعات التوظيف في القطاع الذي يسكنه 1.9 مليون نسمة - فإن ما بين 500 و 700 صياد فقط هم الذين يصطادون بشكل منتظم إما لأن العمل صعب للغاية أو لأنهم يخشون من الاحتجاز.

وبموجب اتفاق سلام مؤقت فمن المفترض أن يسمح لصيادي غزة بالإبحار لنحو 20 ميلا بحريا من الساحل. لكن بعد أن سيطرت حماس على القطاع في 2007 في أعقاب حرب أهلية وجيزة مع حركة فتح فرضت إسرائيل حدا يتراوح بين ثلاثة وستة أميال بحرية. وجرى تخفيف هذه القيود خلال فترات منذ ذلك الحين لكنها ظلت مفروضة معظم السنوات العشر المنصرمة الأمر الذي يعني أن الحياة السمكية في تلك المياه استنفدت نتيجة الصيد المفرط. ويستورد القطاع الآن بيض السمك من إسرائيل ومزارع السمك.

وقال إياد البزم المتحدث باسم وزارة الداخلية الفلسطينية في غزة والتي تسيطر عليها حركة حماس "الاحتلال الاسرائيلي يهدف من هذه العمليات إلى ابتزاز الصيادين الفلسطينيين لكي يكونوا أذرع استخبارية له في المجتمع الفلسطيني وبالتالي يقوم بكل هذه الممارسات للتضييق عليهم.. نحن نقوم بتوعية الصيادين في كيفية التصرف مع مثل هذه الإجراءات وعدم التعاطي مع ضباط المخابرات الاسرائيليين."

وأضاف نجح الاحتلال في إسقاط بعض الصيادين.. ولكنها تبقى في إطار ضيق والأجهزة الأمنية هنا تقوم بالمعالجة والمتابعة السريعة.. نحن نؤكد أنه لم يعد من السهل أن يقوم الاحتلال بإسقاط المواطنين الفلسطينيين." وقال ماجد أبو ريالة (41 عاما) الذي أصبح صيادا وهو في السابعة من عمره "هذه السنة هي الأسوأ ليس فقط في العشر سنوات الماضية بل في المئة سنة الماضية." بحسب رويترز.

وتابع قوله "أنا أعيش على الديون لأربعة أشهر الآن لا يوجد عمل. أيضا لا يوجد أمان، الذي يدخل إلى البحر لا يوجد عنده ضمانات أن يرجع سليما." ويقول هشام بكر مدير جمعية الصيادين إن القيود التي فرضتها إسرائيل وما وصفه بابتزازها وصلا إلى مستويات لم يشهدها القطاع من قبل الأمر الذي يضع مهنة الصيد في خطر. وقال "تم عزوف كثير من الصيادين عن هذه المهنة ونتخوف أن يلحقهم الكثير."

الاستدانة من اجل الزواج

الى جانب ذلك وبعد انتظار دام سنوات طويلة، بدأ عبد الحكيم زغبر وفلسطين طناني حياتهما الزوجية أخيرا في شقة صغيرة في مدينة غزة، بفضل حملة الكترونية ساعدتهما في تحمل تكاليف الزواج الباهظة في القطاع الفقير. ففي القطاع المحاصر، حيث يقيم 1,8 مليون شخص، تعد نسبة البطالة من اعلى المعدلات في العالم، ويعيش 80 % من السكان معتمدين على المساعدات الانسانية. في هذه الظروف، ينظر الى الزواج في غزة على انه نوع من الترف، ويتأخر بذلك زواج الكثيرين ومنهم من يضطر الى الاستدانة لتغطية نفقات الزفاف، وتقسيط الدين على سنوات.

وتقول فلسطين طناني وهي تعد الشاي بينما ينشغل زوجها باصلاح الحاسوب "الزواج ليس مجرد توقيع عقد، بل ينتظر منا القيام بعدة امور". وتضيف "لا يستطيع احد الزواج من دون الاستدانة، وبعدها يمضي عامين او ثلاثة في سد الديون، واحيانا عن طريق بيع المجوهرات والذهب الذي قدم الى العروس". وقد اضطر العروسان الى مراعاة التقاليد واقامة حفلة كبيرة، وشراء فستان ابيض، واستئجار قاعة للمناسبة، وتقديم وجبات طعام للمدعوين، عدا عن العثور على شقة جاهزة للسكن.

ويقول عبد الحكيم "يحتاج اي شاب راغب في الزواج الى ما بين 15 الفا وعشرين الف دولار" لتغطية نفقات العرس. وعبد الحكم مهندس معماري، لكن مجال عمله راكد جدا بسبب الحصار المفروض على القطاع ومنع دخول مواد البناء اليه، اما فلسطين فهي تعمل في منظمات حكومية تعنى بالاطفال ولا تتقاضى راتبا ثابتا. ولهذا قرر الشابان اتباع طريقة غير مألوفة في تأمين نفقات العرس، فأطلقا حملة الكترونية لمساعدتهما على جمع التكاليف اللازمة.

وتقول فلسطين التي نشأت في مخيم جباليا المكتظ باللاجئين في شمال القطاع "من دون عمل، لا يمكننا ان نطلب قرضا مصرفيا، ولم يتمكن اصدقاؤنا ولا اقاربنا من مساعدتنا لانهم في الوضع نفسه". ويقول زوجها "بفضل هذه الحملة، تزوجت واقمت في منزلي والان يمكني ان انام بهدوء، فلم تثقل كاهلي الديون". لكن هذه الحملة الفريدة من نوعها والتي قد لا تتفق كثيرا مع العادات السائدة لم تكن بمنأى عن الانتقادات، رغم ان الحديث عن عقبات الزواج هي الشغل الشاغل لسكان القطاع.

فبعدما كان الزواج المبكر سمة في غزة، ادى الحصار الاسرائيلي المفروض عليه منذ عشر سنوات الى فقدان عشرات الالاف من الاشخاص تصاريح العمل داخل اسرائيل والى زيادة البطالة ووضع الاقتصاد على حافة الانهيار، وكلها عوامل قلبت الاوضاع رأسا على عقب وجعلت الزواج المتأخر هو السمة الغالبة، بحسب الخبير الاقتصادي سمير ابو مدللة. وفي محاولة لتذليل عقبات الزواج، ازدهرت في غزة اخيرا مكاتب "تسهيل الزواج" التي تقدم قروضا من دون فائدة، وصارت اعلاناتها تحتل اثير الاذاعات المحلية.

ويدير محمد البهتيمي مؤسسة "سعادة" لتيسير الزواج التي تقدم عروضا للشبان للزواج بمبلغ 2500 دولار. ويقول "نحن هنا حتى لا ينتظر الشبان ليصبح عمرهم اكثر من ثلاثين عاما ليتزوجوا"، مؤكدا انه لا يحقق اي ربح من هذا العمل. ويضيف "نطلب مساهمة قدرها 700 دولار اميركي وبعدها يتم السداد بشكل شهري. وفي المقابل، نقدم صالة الاحتفالات وصور الاستوديو والموسيقى وملابس العرسان بالاضافة الى الوجبات ونقل المدعوين واثاث غرفة النوم". بحسب فرانس برس.

وبفضل هذه المؤسسة، تمكنت ام محمد من تزويج ابنها، في مقابل دفع 400 شيكل شهريا (قرابة 100 دولار اميركي) على 18 شهرا. ويرى ابو مدللة ان الظروف الاقتصادية الصعبة تؤثر ايضا على اختيار شريك الحياة، ويقول "يبحث الشبان عن زوجات يعملن من اجل مساعدتهم (ماديا)، كونهم اما عاطلين عن العمل او لان دخلهم لا يكفي لمواجهة ارتفاع الاسعار في السنوات الاخيرة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0