المتغيـرات السياسيـة والأمنيـة التي شهدتها المنطقة في السنوات الاخيرة، والتي جعلت منها ملعباً للقوى الكبرى والقوى الإقليمية المتحالفة معها، اسهمت وبحسب بعض المراقبين بتزايد واتساع نفوذ ايران في بعض المناطق والدول، ومنها العراق وسوريا ولبنان واليمن وبعض الدول الخليجية، وهو ما اثار قلق خصومها في اسرائيل المملكة العربية السعودية، التي عمدت الى اتخاذ خطط واجراءات مضادة لاحتواء تمدد نفوذ ايران، التي اصبحت اليوم اكثر قوة بعد بعد توقيع الاتفاق النووي الذي وقعته صيف العام الماضي مع أمريكا و(مجموعة 5+1)، والانتصارات الاخيرة في سوريا وخصوصا في معركة حلب.

فقد لعبت إيران وبحسب بعض المصادر، دورا محوريا في حملة الرئيس السوري بشار الأسد لسحق الجماعات المسلحة وهي الآن قريبة من إقامة "هلال شيعي" من النفوذ الإقليمي يمتد من الحدود الأفغانية إلى البحر المتوسط. وأشاد قادة الحرس الثوري وكبار رجال الدين في طهران بهزيمة إيران "للإرهابيين الوهابيين" في سوريا والدولة التي يصفونها بأنها راعية المعارضة وهي السعودية المنافس الإقليمي السني للجمهورية الإسلامية.

ولا يوجد شك يذكر في أن السيطرة على حلب بعد سنوات من القتال ستجعل الأسد في منعة من هجمات المعارضة التي تسعى جهدها لإنهاء حكمه. ومن غير المرجح أن يتسنى انتصار من هذا القبيل من دون إمداد إيران المستمر للأسد بالمقاتلين والمال والسلاح. وظهر بجلاء الدور المركزي الذي تلعبه الدولة ذات الأغلبية الشيعية - والقوة التي تتمتع بها - عندما تأجل إخلاء الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة بعدما قال مسؤولون من المعارضة إن طهران وضعت شروطا جديدة.

وذكرت مصادر من المعارضة والأمم المتحدة أن إيران طالبت بإجلاء متزامن للمصابين من قريتين تحاصرهما المعارضة. وتضع الحرب الأهلية الأسد المدعوم من روسيا وإيران في مواجهة جماعات معارضة تساندها الولايات المتحدة وقوى عربية خليجية وتركيا. ولم تساعد مشاركة إيران منذ أكثر من خمس سنوات - في البداية عن طريق توفير المستشارين العسكريين ثم التدريب والتسليح في تشكيل الصراع السوري فحسب وإنما عززت نفوذها في أنحاء المنطقة.

فللمرة الأولى أمكن لطهران ممارسة سلطتها على مساحة واسعة في الشرق الأوسط تمتد عبر العراق وسوريا إلى لبنان - وهو قوس نفوذ كانت قوى عربية سنية خاصة السعودية تحذر منه منذ سنوات.

وقال هلال خشان أستاذ الدراسات السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت "نعرف أن الإيرانيين صبورون للغاية. هم لا يتوقعون مكافآت فورية. لذلك ثابروا ويحصدون ثمار صبرهم. "لا يخالجني شك في أن هذا القوس أو الهلال الشيعي سيتشكل. الإيرانيون سينشئون دائرة نفوذهم من العراق حتى لبنان." هذا ليس فقط بسبب سقوط حلب ولكن أيضا جراء المكاسب التي حققتها الحكومة في بغداد وهي حليف وثيق لطهران في معركة استعادة الموصل من تنظيم داعش.

وفي العراق يقاتلون للسيطرة على تلعفر وهي مدينة بين الموصل والحدود الغربية للعراق مع سوريا والتي - إذا استعيدت - فستسمح لإيران بوصول عسكري دون عوائق تقريبا حتى البحر المتوسط. ولإيران بالفعل قدر كبير من النفوذ في لبنان حيث لديها علاقات تاريخية عميقة مع الطائفة الشيعية وتمول حزب الله أقوى حركة سياسية وعسكرية في البلاد والتي تقاتل أيضا في سوريا دعما للأسد.

ومن شأن إقامة "هلال شيعي" أن يمنح طهران نفوذا سياسيا هائلا في المنطقة في ظل تنافسها المرير مع الرياض ويسمح لها بحماية الطوائف الشيعية في هذه البلدان. كما سيمثل تهديدا عسكريا لإسرائيل عن طريق سوريا ولبنان اللتين يعتبرهما المسؤولون الإيرانيون رادعا لأي عدوان تجاه إيران. وبالنسبة للسعودية والقوى السنية الإقليمية الأخرى ستأتي زيادة القوة الإيرانية على حساب مصالحها السياسية والعسكرية والتجارية.

ويقول دبلوماسيون ومحللون إن إيران بدأت منذ فترة مبكرة ترجع إلى 2012 تسليح وتدريب ودفع أموال لآلاف المقاتلين الأفغان والباكستانيين وكذلك لمسلحي حزب الله من لبنان للقتال إلى جانب الأسد. وهؤلاء المقاتلون الذين يشرف عليهم قادة الحرس الثوري الإيراني المتمرسون الذين اكتسب بعضهم خبرة تعود إلى الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي تمكنوا في مناسبات عديدة من عرقلة تقدم قوات المعارضة السورية.

ومن بين هؤلاء القادة قاسم سليماني رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني - الذراع المسوؤلة عن العمليات خارج إيران - الذي ترددت أنباء عن التقاط صور له على جبهات القتال في العراق وسوريا في السنوات الأخيرة. وقال دبلوماسيون ومحللون إن وجود سليماني وغيره من كبار قادة الحرس الثوري على الأرض مختلف تماما عن نهج دول مثل السعودية التي اكتفت بإرسال المال والعتاد العسكري للمعارضة. وقال دبلوماسي غربي في الشرق الأوسط "السعوديون لديهم العتاد. هم لا يملكون الخبرة في حقيقة الأمر. قدموا العتاد. قدموا المال. هذا ما ظنوا أنه سيكفي لكنه لم يكن كذلك. "هذا شيء فعله الإيرانيون لم يفعله الطرف الآخر - استثمار رؤوس الأموال على أرض الواقع."

انتصارات في عدة مناطق

وسجلت ايران سلسلة انتصارات في الشرق الاوسط بعد عقود من العزلة ما يعني انها ستكون قادرة على التعامل مع ما تخبئه حقبة رئاسة دونالد ترامب، لكن الخبراء يؤكدون ان الخوف من هيمنتها على المنطقة مبالغ به. وبعد ان تحفظت غالبا عن التعليق على دورها في النزاع السوري، قررت طهران فجأة الاحتفال بالنصر حتى قبل اعلان سيطرة قوات النظام السوري بالكامل على مدينة حلب.

وقال يحيى صفوي كبير المستشارين السياسيين للمرشد الاعلى آية الله خامنئي ان "تحرير حلب أبرز الثقل السياسي لجمهورية ايران الاسلامية. وعلى الرئيس الاميركي الجديد ان يقر بحقيقة ان ايران هي القوة الاولى في المنطقة". وبدا أن الرياح تجري بما تشتهيه ايران خلال الاسابيع الماضية. فالدعم الذي تقدمه الى الرئيس السوري بشار الاسد من خلال المستشارين العسكريين والمقاتلين المتطوعين يؤتي ثماره ويبدو ان عدوها تنظيم داعش سيتم اخراجه من الموصل وان تطلب الامر بعض الوقت.

وفي لبنان، انتهت معركة رئاسة الجمهورية بانتخاب العماد ميشال عون المتحالف مع حزب الله الشيعي الذي يحظى بدعم ايران. وتمكنت ايران من استعادة مليارات الدولارات من الاموال المجمدة ومبيعات النفط بفضل الاتفاق النووي مع القوى العظمى السنة الماضية وتمكن حلفاؤها الحوثيون في اليمن من الصمود على الرغم من التدخل العسكري الذي قادته السعودية ضدهم وحملة قصف جوي استمرت لاكثر من سنة.

ومن ثم هناك التنصيب الوشيك لدونالد ترامب الذي احاط نفسه بمستشارين معادين لايران والذي انتقد كذلك السعودية لحصولها على الدعم الاميركي ولنشر الاسلام السلفي. فبعد عقود من العزلة قد تكون ايران في افضل موقع للتعامل مع حالة الغموض التي ستثيرها مواقف ترامب من قضايا الشرق الاوسط، وفق ما يقول عدنان طبطبائي المحلل ورئيس مجلس ادارة معهد "كاربو" الفكري في المانيا.

ويضيف انه "من الاسهل بكثير بالنسبة لايران الا تعتمد على الولايات المتحدة لأنها استغنت عن ذلك طيلة العقود الثلاثة الماضية في حين ان عدم الاعتماد على واشنطن سيشكل تغيرا جوهريا بالنسبة للسعودية وللخصوم الاقليميين الاخرين لايران". وحتى قبل تولي ترامب منصبه، يواجه السعوديون جملة من المشكلات بدءا بالاقتصاد الذي يعاني جراء تدهور اسعار النفط وتشرذم الفصائل المقاتلة التي دعموها في سوريا وشعور حلفائهم الغربيين بالحرج جراء حملة القصف الوحشي في اليمن.

ومع كل هذا، يقول محللون ان لا اساس للمخاوف المتعلقة بهيمنة ايران على الشرق الاوسط. ويقول طبطبائي ان "الكثير من نجاحات ايران في المنطقة هي في الحقيقة نتيجة اخفاقات الاخرين. ليس علينا ان نبالغ في تقدير قدراتها". ويضيف ان "سوريا مهمة من اجل الابقاء على تواصل مع حزب الله في لبنان والذي يعتبر بمثابة قوة حماية بالنسبة لايران في وجه تفوذ اسرائيل في المنطقة، ولكن الاولوية بالنسبة لايران تكمن ببساطة في حماية حدودها مع العراق وافغانستان وضمان سلامة ووحدة اراضيها".

ويقول استاذ السياسة الدولية في جامعة طهران فؤاد ازادي ان دعم الاسد كان "شرا لا بد منه" ودفاعيا في طبيعته في نهاية الامر. ويضيف "اذا سقطت سوريا، فاما ان تحصل على حكومة موالية لاسرائيل فيها او على تنظيم داعش او على ما يشبه ليبيا. هذه ليست خيارات جيدة بالنسبة لنا". ويتابع "اذا تفككت سوريا، سيتفكك العراق، وهذا في الجوار. هذا لا علاقة له بالهيمنة على المنطقة، هذا يتعلق بتجنب الحرب الدائمة".

ولكن ايران تواجه كذلك قيودا تمنعها من توسيع نفوذها. ويقول ارام نرغيزيان المحلل في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن ان "بعد كل ما يقال عن تحسن مكانة ايران فان هذا لا يغير واقع ان ايران هي قوة شيعية في منطقة ذات غالبية سنية. لا يريد اي من الطرفين حربا شاملة. وفي مرحلة ما، عليهما ان يقبلا بان يحظى الطرف الاخر ببعض النفوذ. البديل عن ذلك سيكون حربا ايديولوجية لا نهاية لها بين السنة والشيعة وهذا لا يمكن لاي طرف تحمله". ويضيف نرغيزيان ان السعودية لا تزال تسجل بعض النقاط لصالحها، ليس اقلها ترسانة عسكرية بمليارات الدولارات اشترتها من حلفائها الغربيين. ويقول ان "البعض يتوقع انهيار مملكة آل سعود منذ ستين عاما ولكن الامر لم يحدث" مضيفا "فعلى الرغم من عدم استقرارها، تمكنت دول الخليج من تحقيق تكامل افضل مع الاقتصاد العالمي مقارنة مع ايران ولا تزال تحظى بدعم حلفاء غربيين رئيسيين". بحسب فرانس برس.

ولا يمكن لايران ان تعتمد تماما على روسيا، حليفها المقرب في النزاع السوري. ويقول نرغيزيان ان "علاقة ايران مع القوى الكبرى مثل روسيا والصين ليست ثابتة. فهذه الدول لديها اولوياتها الخاصة. سوريا هي مجرد جزء صغير من المنطقة. وعندما يتعلق الامر بامور مثل الطاقة، ستكون روسيا سعيدة باقامة شراكات مع دول اخرى في منطقة الخليج".

1000 قتيل

من جانب اخر قال مسؤول إيراني إن أكثر من ألف جندي أرسلتهم إيران إلى سوريا لدعم القوات الحكومية قتلوا وهو ما يبرز التواجد الإيراني المتزايد على الخطوط الأمامية للصراع. وتمثل هذه زيادة كبيرة في أعداد القتلى عما أعلن قبل أربعة أشهر حين قالت الجمهورية الإسلامية إن 400 من جنودها قتلوا في ساحات القتال في سوريا.

وترسل إيران مقاتلين إلى سوريا منذ المراحل المبكرة للحرب التي دخلت عامها السادس لدعم حليفها الرئيس بشار الأسد في مواجهة مقاتلي المعارضة والإسلاميين المتشددين بما في ذلك تنظيم اعش الذين يسعون للإطاحة به. وعلى الرغم من أن الكثير من الجنود الذين ترسلهم إيران من مواطنيها فإنها توسع شبكة التجنيد الخاصة بها فتدرب وترسل شيعة من أفغانستان وباكستان أيضا. وكان نصف عدد القتلى الذي أعلن في أغسطس آب من الأفغان.

ونقلت وكالة تسنيم للأنباء عن محمد علي شهيدي محلاتي رئيس مؤسسة الشهيد التي تقدم دعما ماليا لأقارب من يلقون حتفهم خلال القتال لصالح إيران قوله "الآن تجاوز عدد شهداء إيران من المدافعين عن المقام الألف." وتشير إيران لمقاتليها في سوريا بتعبير "المدافعين عن المقام" في إشارة إلى مقام السيدة زينب قرب دمشق. بحسب رويترز.

وعارض الكثير من الإيرانيين في البداية المشاركة في الحرب السورية لأنهم لا يتعاطفون كثيرا مع الأسد. لكنهم الآن يستعدون للمهمة اعتقادا منهم أن تنظيم داعش السني يمثل تهديدا لوجود بلدهم وأن من الأفضل محاربته خارج الحدود الإيرانية. وفي ظل ميل الرأي العام المتزايد لتأييد القضية زادت أعداد المتطوعين عما كانت إيران مستعدة لإرساله إلى سوريا بكثير.

حلف جديد

على صعيد متصل قال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين إن روسيا وإيران وتركيا والرئيس السوري بشار الأسد، وافقوا على إجراء محادثات جديدة تهدف لحل الصراع في سوريا بمدينة أستانة عاصمة كازاخستان. وعقدت روسيا وإيران وتركيا محادثات في موسكو، قالت الدول الثلاث بعدها إنها على استعداد للمساعدة في التوسط في اتفاق سلام سوري. واقترح بوتين عقد المفاوضات في كازاخستان، وهي حليف مقرب لروسيا.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي، جينادي جاتيلوف، في وقت سابق إنه يتوقع إجراء المحادثات في أستانة منتصف كانون الثاني/يناير. لكن وكالة "تاس" الروسية للأنباء نقلت عن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قوله "لن أتحدث الآن عن التوقيت. في الوقت الراهن تجرى اتصالات وتحضيرات للاجتماع". وأضاف أن بوتين سيجري سلسلة من الاتصالات الهاتفية الدولية في وقت لاحق لمناقشة محادثات أستانة. وقال بوتين في مؤتمر صحافي عقده بمناسبة نهاية العام، إن الخطوة التالية بالنسبة لسوريا هي التوصل لوقف إطلاق نار في كافة أنحاء البلاد.

وقال سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، إن كلا من روسيا وإيران وتركيا توافقوا على بيان مشترك "إعلان موسكو،" لإحياء العملية السياسية ووقف الأزمة السورية. ونقلت وكالة أنباء سبوتنيك الروسية الحكومية على لسان لافروف قوله: "بيان روسيا وإيران وتركيا يؤكد سيادة ووحدة أراضي سوريا كدولة ديمقراطية وعلمانية،" وتابع لافروف قائلا: "روسيا وإيران وتركيا مستعدون لوضع اتفاق بين السلطات السورية والمعارضة ومستعدون ليكونوا جهة ضامنة. كما أكدوا العزم على محاربة داعش والنصرة بشكل مشترك وعزل المعارضة عن الإرهابيين في سوريا، واتفقوا على استمرار التعاون حول سوريا والإجراءات التي تساعد على تخطي الركود في التسوية ودفع العملية الإنسانية."

ولفت الوزير الروسي، قائلا: "نعتبر الإطار الثلاثي، روسيا وتركيا وإيران، الأكثر فاعلية بشأن سوريا.. المجموعة الدولية لدعم سوريا لم تتمكن من أن تلعب دورها في تنفيذ القرارات المتخذة بشأن سوريا.. موسكو وواشنطن حققتا نتائج بشأن سوريا في سبتمبر/ أيلول لكن واشنطن لم تتمكن من تأكيد مشاركتها في الأعمال المشتركة."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0