اكثر من عام مرت على الاتفاق النووي الذي عقد بين ايران والدول العظمى، ولا تزال اغلب الامال المعقودة عليه حبيسة الصراع الامريكي الايراني، ومساحة هذا الصراع توسعت على عكس التوقعات التي اشارت الى امكانية تقلصه، كما ان ايران لم تترك حلفاء ولم تتخلى عن تطوير برامجها التسليحية.

روسيا التي تدخل يوما بعد اخر في عمق حروب الشرق الاوسط قد تكون هي السبب الاخر في عدم حصول تقدم ملموس او تقارب بين طهران وواشنطن، لا سيما وان بعض التحليلات قد اشارت سابقا الى خسارة روسيا لايران كحليف يزاحم الادارة الامريكية في المنطقة في حال تم تصفية المشاكل على اثر الاتفاق النووي، لذلك فلا عجبٌ ان نرى القاذفات الروسية الاستراتيجية تنطلق من قاعدة همدان الجوية ولا نستغرب من التعاون العسكري الايراني الروسي المتصاعد.

ايران التي فرضت نفسها كقوة اقليمية بات الجميع يحسب لها الحسابات في اغلب المعادلات الاقليمية، فما بين التحالف مع الروس يبدو ان الامريكيين قد قدموا تنازلات سرية من اجل كسب الطرف الايراني، إذ أشار تقرير نقلت عنه وكالة رويترز إلى أن الولايات المتحدة وشركاءها في التفاوض اتفقوا "سرا" على السماح لإيران بالالتفاف على بعض القيود في الاتفاق النووي التاريخي الذي أبرم العام الماضي بهدف الوفاء بموعد نهائي لبدء تخفيف العقوبات الاقتصادية عن طهران. ويستند التقرير إلى معلومات من عدة مسؤولين في حكومات شاركت في المفاوضات لكن أولبرايت رفض الكشف عن هوياتهم.

وقال رئيس معهد العلوم والأمن الدولي ديفيد أولبرايت "الإعفاءات أو الثغرات تحدث في السر ويبدو أنها تحابي إيران". وبحسب التقرير فإن من بين الإعفاءات اثنان يسمحان لإيران بتجاوز ما نص عليه الاتفاق بشأن كمية اليورانيوم منخفض التخصيب التي يمكن لطهران الاحتفاظ بها في منشآتها النووية. ويمكن تنقية اليورانيوم منخفض التخصيب وتحويله إلى يورانيوم عالي التخصيب وهو الذي يستخدم في تصنيع الأسلحة.

وأضاف التقرير أن الإعفاءات حظيت بموافقة اللجنة المشتركة التي تشكلت بموجب الاتفاق للإشراف على تنفيذه. وتتألف اللجنة من الولايات المتحدة وشركائها في التفاوض وهي دول مجموعة خمسة زائد واحد وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا إلى جانب إيران. ونقل التقرير عن مسؤول "مطلع" كبير قوله إنه لو لم تتحرك اللجنة المشتركة وتقرر هذه الإعفاءات لكانت بعض المنشآت النووية الإيرانية ستخفق في الالتزام بموعد السادس عشر من يناير كانون الثاني وهو الموعد النهائي للبدء في رفع العقوبات.

وذكرت الإدارة الأمريكية أن القوى العالمية التي تفاوضت على الاتفاق -وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لم تتفق على أي ترتيبات سرية. وقال مسؤول في البيت الأبيض طلب عدم نشر اسمه إن اللجنة المشتركة ودورها "ليسا بسر". ولم يتطرق إلى تأكيدات التقرير بشأن الإعفاءات.

تعزيز القدرات العسكرية

وسائل إعلام حكومية إيرانية ذكرت أن الجمهورية الإسلامية نشرت منظومة الدفاع الجوي الصاروخي اس-300 الروسية التي تشمل صواريخ سطح جو حول منشاة فوردو السرية لتخصيب اليورانيوم. وبث التلفزيون الإيراني نهاية اب الماضي لقطات لنشر المنظومة التي حصلت عليها إيران حديثا عند المنشأة النووية الواقعة في وسط إيران.

وقال البريجادير جنرال فرزاد إسماعيل قائد قوات الدفاع الجوي التابعة للحرس الثوري الإسلامي للتلفزيون الحكومي "أولويتنا الرئيسية هي حماية المنشآت النووية الإيرانية تحت أي ظرف".

وألغت روسيا تحت ضغط من الغرب في 2010 عقدا لتوريد منظومة صواريخ اس-300 لإيران. لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع الحظر المفروض ذاتيا في ابريل نيسان 2015 بعد التوصل إلى اتفاق مرحلي بين إيران والقوى الست. وقالت إيران في أغسطس آب إن روسيا وردت الأجزاء الأساسية من المنظومة للبلاد وأضافت أن النظام الصاروخي سيسلم بالكامل بحلول نهاية 2016.

ولم يذكر اسماعيل ما إذا كانت المنظومة قابلة للتشغيل لكنه قال "اليوم سماء إيران أحد آمن السماوات في الشرق الأوسط". وقال الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي إن القدرة العسكرية للبلاد هدفها دفاعي. وأضاف في كلمة بثها التلفزيون الإيراني على الهواء "منظمة اس-300 نظام دفاعي وليس هجوميا لكن الأمريكيين بذلوا ما في وسعهم لمنع إيران من الحصول عليه".

وتوصلت إيران مع ست من القوى العالمية الكبرى إلى اتفاق نووي تاريخي في عام 2015 يهدف إلى تحجيم برنامج طهران النووي مقابل رفع عقوبات اقتصادية فرضت عليها بسبب أنشطتها النووية. وتوقف تخصيب اليورانيوم في منشاة فوردو الواقعة على مسافة مئة كيلومتر جنوبي طهران منذ بدء تنفيذ الاتفاق النووي في يناير كانون الثاني.

تطوير القدرات المحلية

وكشفت إيران يوم 21/ اب 2016، ولأول مرة، عن منظومتها الدفاعية الصاروخية الجديدة "باور 373" المصنعة محليا، والمماثلة لمنظومة الصواريخ الروسية إس-300، ما يدل على تصميم طهران على تطوير قدراتها العسكرية رغم مخاوف الغرب. وأظهرت الصور التي نشرتها وكالات الأنباء الإيرانية الرئيس حسن روحاني ووزير الدفاع حسين دهقان أثناء الحفل الذي أقيم للإعلان عن المنظومة الجديدة، المشروع الذي انطلق إبان الحقبة التي كانت تخضع فيها إيران للعقوبات الدولية.

وقال دهقان في أيار/مايو "دخول منظومة باور 373 قيد الإنتاج" موضحا أنها "قادرة على تدمير صواريخ وطائرات بدون طيار وطائرات حربية وصواريخ بالستية". مضيفا أن هذه المنظومة قادرة أيضا على "تدمير أهداف عدة في آن واحد".

ويشار إلى أن إيران قررت الانطلاق في هذا المشروع عندما قررت روسيا تعليق عقد تسليم منظومة "إس-300" العام 2010 بسبب العقوبات. وبسبب العقوبات التي فرضت من قبل الغرب والأمم المتحدة لدفع طهران المتهمة بالسعي إلى اقتناء السلاح الذري، إلى وقف أنشطتها النووية الحساسة. لكن إبرام الاتفاق النووي التاريخي بين إيران والقوى العظمى في طليعتها الأمم المتحدة، في تموز/يوليو 2015 سمح برفع تدريجي للعقوبات بعد أن تعهدت طهران ضمان الطبيعة السلمية المحضة لبرنامجها النووي عبر خفض كبير لقدراتها في هذا المجال.

الى ذلك قال الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي يوم الأربعاء 31/ 8/ 2016 إن إيران في حاجة إلى تعزيز قدراتها العسكرية الهجومية. ونقلت وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء عن خامنئي قوله في معرض للجيش في طهران حيث تجمع عدد من كبار القادة العسكريين "من أجل تأمين شعبنا وأمتنا ومستقبلنا ينبغي أن نعزز قدراتنا الهجومية بالإضافة إلى قدراتنا الدفاعية".

وجاء تصريح الزعيم الأعلى الإيراني بعد أسبوع من إطلاق سفينة حربية أمريكية أعيرة تحذيرية باتجاه زورق هجومي إيراني بعد اقترابه من سفينتين حربيتين أمريكيتين حسبما أفاد متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). وقال البنتاجون أيضا إن زوارق إيرانية تحرشت بسفينة حربية أمريكية الأسبوع الماضي قرب مضيق هرمز وهو ممر حيوي لشحن النفط والغاز.

من جهته اتهم الجيش الإيراني الولايات المتحدة بإرسال طائرة بدون طيار إلى مجاله الجوي يوم الاثنين وفقا لما ذكرته وكالة أنباء تسنيم. وأضاف أن الطائرة غادرت المجال الجوي الإيراني بعد توجيه تحذير لها.

اتفاق غير ملائم

الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي جدد انتقاداته للاتفاق النووي الذي وقعته بلاده مع القوى العالمية الست في كلمة ألقاها في طهران في الاول من اغسطس اب الماضي واتهم الولايات المتحدة بعدم تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها به.

وقبل خامنئي بالاتفاق النووي لكن انتقاداته المتكررة لتطبيقه سمحت للمتشددين بتقييد الرئيس حسن روحاني بينما يحاول استغلال المكاسب التي حققها حلفاؤه المعتدلون في الانتخابات البرلمانية ليضمن فوزه بولاية رئاسية ثانية العام المقبل.

ونقلت وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء عن خامنئي قوله "مرة أخرى الاتفاق النووي كتجربة أثبت عدم جدوى التفاوض مع الأمريكيين ووعودهم الباطلة ووجوب عدم الوثوق في وعود أمريكا." وقال خامنئي إن العقوبات ترفع تدريجيا وإن الشركات الأجنبية لم تبدأ الاستثمار في إيران بعد.

وتحجم كبرى البنوك الأوروبية وكبار المستثمرين الأوروبيين عن التعامل مع إيران لأسباب من بينها أن العقوبات أحادية الجانب التي تفرضها الولايات المتحدة لا تزال قائمة إلى جانب الصعوبات المصاحبة للتعامل مع الإجراءات الإيرانية المعقدة والافتقار للشفافية في القطاع المصرفي وعدم وضوح آليات فض المنازعات وقضايا العمال والفساد.

وتأجل تدشين عقود جديدة لجذب استثمارات لقطاع النفط الرئيسي في إيران عدة مرات لأن خصوم روحاني المحافظين بدعم من خامنئي يرفضون إلغاء نظام يمنع الشركات الأجنبية من استغلال الاحتياطيات أو شراء حصص في الشركات الإيرانية.

وأوصى خامنئي بالبحث داخل إيران عن فرص التنمية وسبل تحسين حياة الأشخاص العاديين. وقال إن الولايات المتحدة عرضت التفاوض مع إيران بشأن قضايا إقليمية لكن تجربة الاتفاق النووي السلبية أظهرت أن هذا سيكون مثل تناول "سم زعاف". ومن القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين محاربة تنظيم داعش في سوريا والعراق.

انتقادات للأمم المتحدة

انتقدت كل من الولايات المتحدة وروسيا الأمين العام للأمم المتحدة بان جي مون يوم الاثنين (16/ يوليو تموز 2016) لتجاوز تفويضه في تقرير بشأن تنفيذ قرار لمجلس الأمن يدعم الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى.

ورفعت معظم عقوبات الأمم المتحدة عن إيران في يناير كانون الثاني عندما أكدت منظمة الطاقة الذرية الدولية أن طهران أوفت بالتزاماتها بموجب اتفاقها النووي مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا والولايات المتحدة. لكن إيران لا تزال خاضعة لحظر أسلحة فرضته الأمم المتحدة إلى جانب قيود أخرى. وأطلع رئيس الشؤون السياسية بالأمم المتحدة جيفري فيلتمان مجلس الأمن المكون من 15 دولة على أول تقرير نصف سنوي لبان بشأن تنفيذ العقوبات والقيود المتبقية على إيران.

وقالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سامانثا باور للمجلس "الولايات المتحدة تختلف بشدة مع عناصر هذا التقرير ومنها أن محتواه يتجاوز النطاق المناسب. ندرك أن إيران تختلف بشدة أيضا مع أجزاء من التقرير". وأضافت باور "وفي حين حاجج البعض بأنه لكي يكون التقرير متوازنا يجب أن يعطي لإيران فرصة للتعبير عن شكاواها بشأن الإعفاء من العقوبات بموجب الاتفاق" فإن مجلس الأمن لم يفوض بان بالحديث عن قضايا من هذا القبيل".

وجاء في تقرير بان أن إيران شكت من أنها لم تستفد بشكل كامل بعد من رفع العقوبات وأثار مخاوف بشأن قيود السفر الأمريكية ومصادرة أصول البنك المركزي الإيراني بموجب أمر قضائي أمريكي.

وقال السفير الروسي في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين إن التقرير احتوى على أخطاء واقعية وعناوين تشير إلى "قيود" على أنشطة الصواريخ الباليستية الإيرانية "لا تتسق ببساطة مع موضوع التقرير".

وينص قرار للأمم المتحدة على أن إيران "مطالبة" بالإحجام عن العمل على الصواريخ الباليستية المصممة لحمل رؤوس نووية لمدة تصل إلى ثماني سنوات.

النووي الايراني نحو العالمية

وفي اطار تحقيق الاستفادة من الاتفاق النووي قال مدير مشروع مقره فرنسا لإنشاء مفاعل اندماج نووي إن إيران تدرس إمكانية التقدم بطلب للمشاركة في المشروع بعد عام واحد من توقيعها اتفاقا مع ست قوى دولية لتقليص برنامجها النووي.

ويهدف مشروع المفاعل الحراري التجريبي الدولي (إيتر) الذي انطلق قبل عشر سنوات بمشاركة أوروبا والولايات المتحدة والصين والهند واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية لتشييد أكبر مفاعل تجريبي في العالم. ومن المنتظر أن يولد المفاعل الطاقة بالاندماج النووي وليس بعملية الانشطار المستخدمة حاليا في محطات الطاقة النووية في مختلف أنحاء العالم إذ يوفر الاندماج وسيلة أكثر نظافة وسلامة وفعالية.

وزار علي أكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية مقر المشروع في جنوب فرنسا في شهر تموز وذكرت وسائل إعلام إيرانية أنه توصل "لتفاهم عام" بشأن المشاركة في المشروع. لكن برنار بيجوت مدير مشروع إيتر قال لرويترز في مقابلة إن هدف الزيارة لم يتجاوز التعرف على المشروع.

وأضاف "بعد ذلك أبلغونا أنهم مهتمون منذ فترة طويلة بعملية الاندماج وإنهم سيدرسون كيفية المشاركة في مشروع إيتر لكن بالتأكيد ليس كعضو كامل". ويشارك كل عضو كامل بمهندسين وعلماء من أصحاب الخبرة بالإضافة لتوفير مساهمات مالية. وقال بيجوت "يشعرون أن العضوية الكاملة ليست أفضل شيء بالنسبة لهم لكنهم يدرسون المشاركة في بعض الجوانب والنواحي المحددة التي يمكنهم المساهمة فيها. الأمر لهم الآن لحسم قرارهم."

وسيتخذ الأعضاء الكاملون السبعة قرارا بالإجماع بعد نظر أي طلب وستستغرق العملية ستة أشهر على الأقل. وتدرس إيران بالفعل تطوير الاندماج النووي ولديها أجهزة معملية صغيرة للمفاعلات الحرارية. لكن مشروع إيتر سيوفر لإيران طريقة للوصول إلى تكنولوجيا جديدة وسيساعدها على دخول تجمع الطاقة النووية المدنية الدولي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2