بماذا يفكر المرء حين يقترب الموت

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

مهما طالت الدنيا لكنها عند ساعة الموت تكون قصيرة، ويشعر الإنسان بالندم لأنها انتهت بسرعة فائقة. إن القليل من التفكر والاعتبار بسيرة من مضوا كفيلٌ بأن يوقظ القلب من سكرة الأمل الكاذب، ويُغير مصير المرء قبل أن يغلق باب التوبة وتتلاشى أوهام الملك والجاه...

(إنّ الدّنيا تغرّ الإنسان وتدفع به إلى الملذات، فما أكثر العِبَر وما أقل المعتبر)

سماحة المرجع الشيرازي

تنساب الحياة أمام عيني الإنسان كأنهار ممتدة لا تنضب، فيغرق في تفاصيلها اليومية وينغمس في صراعاتها وآمالها وطموحاتها التي لا تنتهي، راصداً أيامه وكأنها دهور سرمدية لا تزول، بيث يرجئ المرء أهدافه الحقيقية ويتغافل عن حقيقة وجوده، مخدوعاً بطول الأمل وبريق الأيام التي تبدو متتالية بلا نهاية.

 لكنه حين تزوره سكرات الموت وتدنو منه ساعات العمر الأخيرة، تنهار تلك الأوهام دفعة واحدة، وتتلاشى السطوة ويخبو بريق التفاخر والغرور ليحل محله شريط سريع يختزل العمر كله في لمحة خاطفة، في تلك اللحظة الحاسمة يكتشف الإنسان أن السنين الطويلة والأحقاب الممتدة لم تكن سوى حلم أو طيف عابر مرّ كلمح البصر. 

تُمحى كل اللذات وتتضاءل الأحلام وتموت الأهداف دفعة واحدة، ولا يبقى سوى شعور طاغٍ بالندم والحسرة على ما فرّط فيه من أوقات في السعي وراء السراب، وحينئذ يدرك العقل المحاصَر بالندم أن الدنيا أوهى من خيط العنكبوت، وأن كل الساعات التي ظنها أبدية لم تكن سوى لحظة عابرة انتهت بسرعة البرق، تاركة خلفها أثراً نادماً ورغبة مستحيلة في العودة إلى الوراء لتدارك ما فات، ولكن هيهات أن يستجيب الزمن لمن استيقظ بعد فوات الأوان.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها حول الدنيا ومغرياتها:

(مهما طالت الدنيا‌ لكنها عند ساعة الموت تكون قصرة ويشعر الإنسان بالندم لأنّها انتهت بسرعة فائقة، هذا ما يجري عندما يقترب الموت من الإنسان).

وهكذا يمرّ العمر بالإنسان كالظلّ الزائل أو الطيف العابر، دون أن يحتاج للتذكير بالموت كي يدرك هذه الحقيقة، فما إن يقطع المرء محطات الحياة المتقدمة ويكبر في السن، حتى يستبدّ به شعور مفاجئ بأن سنواته قد تسللت من بين يديه بسرعة خاطفة، وعندما يقف الإنسان ليلتفت إلى الوراء ويسترجع عشرين أو ثلاثين أو ستين سنة مضت من حياته، يراها كأنها حدثت في الأمس القريب بل لم تمر عليها سوى لحظات لا أكثر.

يمضي زبد الدنيا إلى زوال

لكنه في نفس الوقت يبقى محتفظاً بدهشة عارمة من تلاشي تلك الأحقاب الطويلة بهذه السهولة، وفي تلك اللحظة التأملية الفارقة، تتساوى في عينيه جميع التجارب، فيكتشف أن كل الملذات والمباهج التي طالما ركض خلفها، وكل المكروهات والهموم والآلام التي أرقته وطال أمدها في ظنه، لم تكن سوى محطات قصيرة ومواقف عابرة ذهبت آثارها. 

وهكذا تتدحرج السنون وتنسحب الذكريات لتؤكد له أن كل ما عاشه من متضادات الحياة لم يدم إلا لبرهة وجيزة، وأن الأيام مهما امتدت وتوالت، يظل زبدها زائلاً وحقيقتها زائفة، مقدّمةً له درساً عميقاً في طابع الحياة العابر وإيقاعها الدؤوب الذي لا ينتظر أحداً.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(لكن حتى قبل الموت عندما يكبر الإنسان يشعر بأنّ عمره مرّ سريعاً، وعندما ينظر إلى بقبة عمره الذي مضى منه عشرون أو ثلاثون أو ستون سنة، سوف يرى أنّ كل الملذّات والمكروهات التي مرّت كانت لفترة قصيرة). 

إن الاعتبار بحقائق الدنيا وسيرة الذين مضوا من قبلنا هي البوصلة التي تهدي الروح إلى جادّة الصواب، وتنقذ الإنسان من الغفلة قبل فوات الأوان، وهذا الأمر لا يتطلب تفرغاً طويلاً ولا جهداً شاقاً، بل يكفي أن يمنح المرء نفسه لحظات صادقة من التأمل والتفكر والتدبر في أحوال من سكنوا الأرض قبله، كيف أقاموا وعمروا ثم رحلوا ولم يأخذوا معهم سوى أعمالهم.  

هذه الوقفات الفكرية القليل، رغم بساطتها وقصر مدتها، تمتلك قوة هائلة على إحداث تحول جذري في وعي الإنسان؛ فهي تعيد ترتيب أولوياته، وتصحيح مسار حياته، وتمنحه نظرة ثاقبة لتمييز الباقي من الفاني، لأن العاقل حين يتأمل في تقلبات الأيام ومصير السالفين، يستيقظ قلبه من سكرة الأمل الكاذب، فيبادر إلى إصلاح نفسه وتدارك تقصيره بالعمل الصالح. 

ولذلك فإن القليل من التفكير الواعي كفيل بأن يغير مصير الإنسان بالكامل، وينقله من طريق الخسران إلى طريق النجاة، مستبقاً تلك اللحظة التي لا ينفع فيها الندم ولا تعاد فيها الفرص.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، يقول حول ذلك:

(على الإنسان أن يعتبر من الدنيا ومن سيرة الماضيين، وهذا بحاجة إلى تأمّل وتفكّر، وتدبّر، ولا يستغرق التأمّل والتفكّر وقتاً كثيراً لكنه سيغيّر من مصير الإنسان وحياته قبل حلول الندم). 

ولعلنا نقطف من الذين جمعوا المال الحرام واقترفوا الذنوب والمعاصي إرضاءً لشهواتهم ولذاتهم العابرة درسٌ بليغٌ لمن ألقى السمع وهو شهيد، فقد ظن هؤلاء أن الانغماس في المحرمات واقتراف المظالم سيبني لهم مجداً خالداً أو سعادة دائمة، غير أن الدائرة دارت عليهم، وانقضت اللذات الشائكة في لحظات خاطفة، ولم يتبقَّ منها إلا ثقل الأوزار وتأنيب الضمير. 

السعادة الحقيقية تكمن في طهارة اليد

وعند الوقوف على نهاياتهم ومآل أمورهم، يتضح للعيان أنهم لم يجنوا من صنيعهم سوى الخسران المبين، فلا الأموال الحرام التي كنزوها وقفت في وجه الأجل، ولا الشهوات المحرمة التي استنزفوا فيها أعمارهم بقيت لتعزيهم عند الحساب، لذا فإن الاعتبار بسيرة من آثروا الفاني على الباقي يوقظ العقل من غفلته، ويبرهن على أن كل مظلمة أو معصية هي حطب يحرق صاحبه قبل غيره، وأن السعادة الحقيقية إنما تكمن في طهارة اليد وبياضها وفي سلامة القلب والابتعاد عن الحرام قبل أن يُغلق باب التوبة.

لذا سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكد:

(على الإنسان أن يأخذ العِبرة ممن جمع المال الحرام واقترف الذنوب والمعاصي والسيئات والمظالم، خدمة لشهوته وملذّاته المحرّمة، وكيف انتهى به الأمر، وماذا جنى من ذلك كلّه).

وهناك من يلقي نفسه في أحضان الحكومات، فيتملق لها ويدعنها أملا في عطاياها وامتيازاتها، لذلك هناك من يبيع دنياه في مساندة الحكومات الظالمة، لذا فكل فرد يعيش تحت مظلة حكومات الظلم والضلال يتحمل قسطاً من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية عن أفعاله ومواقفه، فالاستبداد لا يستقيم له عود إلا بمساندة من يقفون في ركابه.

ومن هنا فإن عقاب المرء وتبعات صنعه يتحددان بدقة وفقاً لمقدار ما يقدمه لهذه السلطة الجائرة من تأييد أو إسناد، سواء بالكلمة أو الفعل أو التشريع أو الصمت المريب، لأن الدعم الذي يمنحه الإنسان للظلم -مهما بدا صغيراً- يسهم في توطيد أركان الجور واستمرار اضطهاد العباد، مما يجعله شريكاً مباشرًا في تلك الآثام. 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:

(إنّ كل انسان في حكومة الظلم والضلال بمقدار تأييده واسناده للحكومة الظالمة يكون مسؤولاً عن عمله ويقع عليه العقاب).

وهنا لابد أن يعي الإنسان حقيقة الدنيا الخاطفة ويتأمل عميقا في سيرة السالفين ومآل الظالمين حيث يمثل له هذا النوع من التأمل طوق النجاة الحقيقي، فالعمر لحظة عابرة، والمسؤولية فردية لا مفر منها ومَن يتدارك نفسه قبل فوات الأوان، بالابتعاد عن الحرام والظلم والاستعداد للحساب، هو من يفوز بسعادة الدارين وينجو من حسرة الندم يوم لا ينفع الندم.

اضف تعليق