الاختبار الأخلاقي الحقيقي لا يبدأ في الظروف العادية، بل حين يقع الظلم ويكون الصمت أكثر أماناً، أو حين تتعارض العدالة مع مصالحنا وانحيازاتنا. نحتاج الحسين عليه السلام حين يُهان إنسان فنختار كرامته، وحين يُحرم موظف أو طالب من حقه بفعل المحسوبية؛ فالوفاء لكربلاء ليس ادعاءً يمنح حصانة، بل هو التزام يتجدد كلما انتصر الإنسان للحق...
قد لا يحتاج الإنسان إلى موقف أخلاقي كي يكتشف حقيقة نفسه ما دام يعيش في ظروف عادية؛ فالكلمات سهلة، والشعارات متاحة، والحديث عن العدالة والرحمة لا يكلّف كثيرًا. غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يقع الظلم أمامه، ويكون قادرًا على الاعتراض، ثم يجد أن الصمت أكثر أمانًا، أو أن الدفاع عن المظلوم قد يضر بمصلحته أو يضعه في مواجهة أشخاص ينتمي إليهم. عند هذه اللحظة تتراجع قيمة ما يقوله الإنسان عن نفسه، ويظهر ما يؤمن به فعلًا.
من هنا تبرز حاجتنا إلى الإمام الحسين عليه السلام في حياتنا اليومية. فالحسين ليس ذكرى نستعيدها في موسم محدد، ولا سيرة نضعها في مساحة منفصلة عن تفاصيل عيشنا، وإنما تجربة أخلاقية تعيد طرح السؤال عن علاقتنا بالحق، وعن قدرتنا على مقاومة الظلم حين يصبح الصمت مريحًا، أو حين تتعارض العدالة مع مصالحنا وانحيازاتنا.
أين نجد الحسين في حياتنا؟
نحتاج الحسين حين يُهان إنسان أمامنا، فنختار حفظ كرامته بدل المشاركة في إذلاله، وحين يُحرم موظف من حقه لأن نفوذه محدود، أو يُقدَّم شخص على آخر بفعل المحسوبية، أو يُجبر طالب على الشعور بالمهانة بدل أن يجد في جامعته بيئة تحترم عقله وكرامته. ونحتاجه حين يتحول الاختلاف في الرأي أو الدين أو المذهب إلى ذريعة للإقصاء والكراهية، وحين يصبح الانتماء سببًا لتبرير خطأ القريب والتشدد في محاسبة البعيد.
في هذه المواقف لا تكون المسألة بعيدة عن كربلاء؛ فجوهر السؤال الذي تتركه النهضة الحسينية يتصل بموقف الإنسان من الحق حين تتوزع المصالح والولاءات. قد لا نعيش ظروف المعركة التاريخية، غير أننا نواجه صورًا يومية من الاختبار الأخلاقي: هل ننصف من نختلف معه؟ هل نرفض التجاوز حين يصدر عن شخص نحبّه؟ هل نحمي الضعيف حين لا ننتظر من موقفنا مكسبًا؟ وهل نستطيع قول الحقيقة عندما يكون ثمنها خسارة رضا الآخرين؟
إن قيمة الموقف الأخلاقي تظهر خصوصًا عندما لا يخدم صاحبه. فالإنصاف مع الصديق فضيلة، غير أن الإنصاف مع الخصم يكشف رسوخها. ومقاومة الفساد حين يمس مصالح الآخرين موقف مطلوب، أما رفضه حين يهدد منفعتنا الشخصية فهو الاختبار الأصعب. ولهذا يصبح استحضار الحسين فعلًا يوميًا حين نراجع قدرتنا على التمييز بين الولاء الذي يحفظ القيم والولاء الذي يجعلنا نتغاضى عن انتهاكها.
من العاطفة إلى المسؤولية
تمنح المحبة الحسينية الوجدان قوةً ومعنى، ويزداد أثرها حين تتحول إلى مسؤولية في السلوك. فالحزن على مظلومية الحسين ينبغي أن يجعلنا أكثر حساسية تجاه مظلومية الإنسان المعاصر، واستذكار رفضه للانحراف ينبغي أن يوقظ فينا القدرة على مواجهة الخطأ، والحديث عن الإصلاح ينبغي أن يدفعنا إلى إصلاح ما نستطيع في الأسرة والعمل والمؤسسة والمجتمع.
وقد لخّص الإمام علي عليه السلام هذا الواجب في وصيته: «كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا» (نهج البلاغة، الكتاب 47). فالموقف الأخلاقي يتحدد بما نفعله تجاه الظلم، لا بما نعلنه من انتماء. ويؤكد القرآن الكريم هذا الميزان بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8). فالعدل مطلوب حتى مع من نختلف معه، وتُقاس قوة القيم بقدرتها على ضبط انفعالاتنا ومصالحنا، لا بمجرد حضورها في خطابنا.
من هنا لا يقتصر الاقتداء بالحسين على استحضار الشجاعة في معناها المباشر، وإنما يشمل شجاعة الاعتراف بالخطأ، ورفض التبرير، وحماية كرامة الآخرين، ومحاسبة الذات قبل اتهامها للآخرين. وقد يكون الموقف الحسيني في حياتنا أن نرفض شهادة زور، أو نعيد حقًا إلى صاحبه، أو نعترض على إهانة لا تخصنا، أو نمتنع عن استغلال حاجة إنسان، أو نختار النزاهة حين تتيح لنا المخالفة منفعة سريعة.
هذه الأفعال تبدو صغيرة أمام ضخامة الحدث التاريخي، لكنها المجال الذي تُختبر فيه القيم وتكتسب حضورها الاجتماعي. فالمجتمع الذي يستذكر رموزه الأخلاقية يحتاج إلى مؤسسات تحمي الضعيف، وقوانين تُطبَّق على الجميع، وعلاقات لا تجعل الكرامة امتيازًا يمنحه صاحب النفوذ لمن يشاء. وتبدأ هذه الثقافة من الفرد، ثم تتسع عبر الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل، حتى تصبح العدالة ممارسةً عامةً تتجاوز النوايا الطيبة.
الحسين سؤالٌ يتجدد
إن أصعب ما يواجه الإنسان ليس دائمًا معرفة الحق، وإنما تحمّل تبعات الوقوف معه. فكثيرون يعرفون أن الإهانة ظلم، وأن المحسوبية إخلال بالعدالة، وأن استغلال الضعيف سلوك مرفوض، غير أن المعرفة قد تتراجع عندما يدخل الخوف أو المنفعة أو ضغط الجماعة إلى الموقف. وهنا تستعيد النهضة الحسينية معناها بوصفها دعوة إلى تحمل المسؤولية، وإلى عدم تسليم الضمير لما تفرضه المصلحة العابرة.
نحتاج الإمام الحسين حين نكون أمام خيار بين الحقيقة والمجاملة، وبين العدالة والانحياز، وبين صيانة كرامة الإنسان وحماية صورتنا أمام الآخرين. نحتاجه عندما نكتشف أن الشعارات التي نرفعها لا تظهر في معاملاتنا، وأن محبتنا للقيم قد تبقى ناقصة ما لم تمنحنا القدرة على الدفاع عنها في المواقف التي تختبر صدقها.
ليس الوفاء للحسين ادعاءً يمنح الإنسان حصانة أخلاقية، وإنما التزام يتجدد كلما راجع سلوكه، وكلما انتصر للحق على حساب مصلحته، وكلما حفظ كرامة إنسان لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه. فالمعنى الذي يبقى من كربلاء يتجاوز حدود الذاكرة إلى مسؤولية الحاضر، ويمنح الإنسان فرصةً كي يجعل من المحبة وعيًا، ومن الوعي موقفًا، ومن الموقف أثرًا يلمسه الآخرون في حياتهم. عندما يُظلم إنسان، أين تقف أنت؟ هنا تبدأ حاجتنا إلى الحسين؛ في اللحظة التي يصبح فيها الحق مسؤوليتنا، ويصبح الصمت اختيارًا علينا أن نراجع ثمنه الأخلاقي.



اضف تعليق