«يا أبا ذر، إيّاك والتسويف بأملك، فإنّك بيومك ولستَ بما بعده. فإنْ يكن غدٌ لك، فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإنْ لمْ يكنْ غدٌ لك، لم تندم على ما فرّطتَ في اليوم.

يا أبا ذر، كم مِن مستقبلٍ يوماً لا يستكمله، ومنتظرٍ غداً لا يبلغه!!».

يوجّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الصحابيّ الجليل أباذر بأن يعمل وكأنّه يعيش في آخر يوم من حياته، بحيث لو عاش في غد لا يستولي عليه الندم في كونه ترك فرضاً أو عبادة فاتته في الأمس، أو عملاً صالحاً بعينه لم يمارسه، أو ارتكب معصية بحقّ الله تعالى أو أذى بحق إنسان صدر منه.

وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وآله الأماني ههنا من باب المثال، والغرض هو أن يتأمّل الإنسان في حياته وأن يكون قصير الأمل، لأنّه لا يدري هل سيعيش غداً؟

لقد مضى على رحيل أبي ذر حوالي (1400) عام، لكن اسمه ووصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ما يزالان خالدين في الأذهان. لقد التزم أبو ذر بوصيّة سيّده ومولاه، فأصبح اسمه لامعاً مشرقاً في كتب التأريخ والتفسير والثقافة.

لقد رحل أبو ذر وانتهت حقبته، وجاء الدور إلى أُناسٍ آخرين، فما هي مدى وكمية استفادة هؤلاء من ثروة أعمارهم وفرصهم في الحياة؟

قصة وعبرة

قصد أحدهم المرحوم آية الله العظمى السيّد الميرزا مهدي الشيرازي قدس سره وطلب منه أن يكلّف شخصاً كي يصلّي نيابة عن جدّه صلاة الاستئجار ويصوم عنه شهراً كاملاً، وقال: لقد أوصى جدّي قبيل وفاته أن يباع بيت من بيوته ويخصّص ثمنه للصلاة والصوم نيابة عنه، ولكنّ أيّاً من الورثة لم ينجز هذه الوصية، ولكنني أريد الآن القيام بذلك بعد حوالي سبعين سنة وأن أعمل بوصيّته. فمع أنّه ترك أموالاً كثيرة لورثته، لكنه لم يطلب أكثر من أن تباع إحدى دوره للصلاة والصوم نيابة عنه.

لقد رُزق هذا الشخص حفيداً صالحاً، وإلا كان سيحرم حتى من صلاة وصيام هذه السنة كما هو حال كثيرين.

ويُنقل عن شخص آخر أنّه كان مستطيعاً لأداء فريضة الحجّ، ولكنه لم يفعل ذلك. وحينما أحسّ باقتراب الأجل منه أوصى أن يحجّ ابنه عنه، ولكن المؤسف أنّه لم يكن ابناً باراً، فلم ينفّذ وصيّة أبيه، وحينما كان يسأل عن تقصيره في تنفيذ وصيّة أبيه، كان يردّ قائلاً: لمَ لم يحجّ في حياته، لا شأن لي بذلك!!

أقول: إنّ الإنسان ما دام يتمتّع بفرصة الحياة، فإنّ من الحريّ به أن يهتمّ بإعمار آخرته، وإن استطاع ـ جدلاً ـ أن يهجر النوم والطعام في سبيل ذلك، فعليه أن يفعل وإن كان لا مناص له منهما؛ إذ بدون النوم لا يستطيع مواصلة العبادة أو الدراسة أو الكتابة، ما يعني ضرورة الاقتصار على الحدّ الأدنى من المنام والطعام وغير ذلك، كمن يقصد المستشفى، فيُرقده الأطباء فيها للعلاج، ولكنّه مع ذلك ليس على استعداد لأن يبقى لحظة إضافية في هذا المكان على الوقت اللازم، وإن كان البقاء مجانيّاً. والنوم والطعام واللباس كذلك شأنها؛ أي ينبغي الاستفادة بحدود الضرورة، مع الأخذ بنظر الاعتبار لزوم مراعاة الآخرين ومداراتهم في بعض الأحيان، ومثاله: إذا حلّ ضيف على إنسان فإنّه يجب عليه مداراة الضيف إلى الحدّ الممكن. ولكن هذه الوصايا متعلّقة بحالة كون الإنسان وحيداً، فمن المفترض أن يسعى للاكتفاء بالحدّ الأدنى من الاستفادة من النوم والطعام ما أمكنه.

يُنقل أنّ قوماً كانوا يعيشون على ساحل البحر، وكان من شأنهم أنهم ينتخبون لأنفسهم ملكاً يحكمهم في كلّ سنتين، ولم تكن تهمّهم حقيقة من يحكمهم، سواء كان حمّالاً أو بقّالاً أو عالماً، شابّاً أو شيخاً، وكانوا يخبرونه بأنّهم سيطيعونه طاعة مطلقة خلال هاتين السنتين، ولكنّهم يقومون برميه في البحر عند انقضاء المدّة، ولذلك قلَّ أن يتقدّم شخص لتقبّل المنصب، إلا أنّ حكيماً مفكّراً أعلن استعداده لأن يكون ملكاً عليهم. فكان له ذلك، وخلال السنتين أرسل جمعاً من أفراد حاشيته ليعثروا له على جزيرة مناسبة للعيش، وأن ينقلوا إليها وسائل لإقامة العيش الرغيد، كما أمر بتشييد البساتين والمزارع فيها، وصنع الزوارق للانتقال إليها، وقام بإخفائها في ناحية من نواحي الشاطئ. وحينما انقضت سنتا حكومته رماه الناس إلى البحر، فأوصل نفسه إلى الزوارق وقصد الجزيرة وأمضى بقيّة عمره فيها.

فتلك السنتان هما الدنيا، وتلك الجزيرة هي الآخرة. والإنسان إذا عمّر مئة عام، فإنّها تعدل تلك السنتين، ثمّ يرمى إلى البحر، وفيه قد يكون من نصيب الحيتان المفترسة. فإن لم يكن من أهل المعاصي، فإنّه يتحسّر على ما فرط منه فقط، ولكنّه إن كان من أهل المعاصي ـ والعياذ بالله ـ فإنّ الحسرة ستمتزج بالعذاب الإلهي.

إنّ قول ذلك سهل على اللسان ولكن ما أصعبه في الواقع!

فمثلاً: إذا سافر شخص ثمّ تنبّه إلى أنّه قد نسي وسائل السفر ومتطلّباته، فهو لاشكّ سيتحسّر لذلك، مع أنّه يستطيع توفير تلك الوسائل لاحقاً بواسطة مكالمة هاتفية أو إرسال برقيّة، ولكن في سفرة الموت ينتهي عنده كلّ شيءٍ، ومن كان من أهل العصيان سيتأكّد بأنّه قد قُضي عليه ويعجز عجزاً مطلقاً عن فعل شيءٍ ما، وتبدأ إذ ذاك مأساته.

التعجيل بالتوبة

ما دام ابن آدم حيّاً، فإنّ باب التوبة مشرع لديه، فيمكنه أن يصلح ماضيه ويضع نفسه في طريق السعادة والتكامل.

وبهذا الصدد، يؤكّد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله:

«إنّ الله تعالى يتوب على عبده قبل سنة من موته، بل سنة كثير، إنّه يتوب عليه قبل شهر، بل شهر كثير، إنّه يتوب عليه قبل أسبوع من موته، بل أسبوع واحد كثير، إنّه يتوب عليه قبل يوم، بل يوم كثير، إنّه يتوب على ابن آدم قبل لقائه ملك الموت إن تاب واستغفر... »(1).

أي: إنّ الله تعالى يقبل التوبة من العبد حتى قبيل نظره إلى عالم الآخرة بلحظة، ولكن لا ينبغي التسويف في التوبة وإيكالها إلى الغد وما بعده، إذ ما هي الضمانة لديه في أن يبقى حيّاً إلى الغد؟ وهل الذين ماتوا كانوا يعلمون بموعد انقضاء آجالهم؟

إنّ من المستحسن أن يزور الإنسان القبور، ليعلم أنّ أهلها نائمون تحت أكداس من التراب، وكان فيهم من هو أعلم وأذكى وأغنى وأقوى وأكثر ـ أو أقلّ ـ عمراً منه. فكلّ واحد منهم كان يمنّي نفسه بالعديد من الأماني، ولكن ما هي النهاية التي انتهى إليها؟ وهل حقّق جميع الموتى أمانيهم؟

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: «إيّاك والتسويف» فلْيمتنع من يظنّ في نفسه العقل والإرادة عن التباطؤ في إعلان التوبة ومشروع الإصلاح النفسي.

يروى أنّ عمر بن سعد لعنه الله قال أبياتاً من الشعر بعد أن عزم على حرب الإمام الحسين سلام الله عليه؛ منها قوله:

فإن صدقوا فيما يقولون إنني

أتوب إلى الرحمن من سنتين(2)

فهل تاب حقّاً؟ وهل كانت ستنفعه توبته المزعومة؟ علماً أنّ الله تعالى لا يتجاوز عن حقّ المظلوم.

وإذا كان الله تبارك وتعالى هو العادل و (إنّ اللهَ لا يَظْلمُ مثقالَ ذرّةٍ)(3) فإنّه ينبغي الخوف والحذر من عدل الله. فهو لا يتجاوز عن مظلمة صغيرة لعباده، ولا يقبل في ذلك عذراً أو تبريراً.

بعض الظالمين يردّد مقولة «المأمور معذور» وهي مقولة خاطئة إذا اُريد منها الإطلاق، ولا تكون مقبولة إلاّ في منطق الطغاة، كفرعون ويزيد وهارون العباسي، غير أنّ الأمر ليس على هذا النحو في منطق الرسول المصطفى صلّى الله عليه وآله ومنطق القرآن الكريم ومنطق الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وعباد الله الصالحين.

فالمهمّ هو الآمر من يكون، وهل أمره حقّ؟ فعندما يكون المأمور كأبي ذر رضوان الله تعالى عليه والآمر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، فهنا ليس المأمور معذوراً فحسب، بل هو مأجور أيضاً.

أما المأمور من ناحية سلطان الجور، فإنّ جميع أعماله ـ وإن كان ظاهرها صالحاً ـ هي في عداد الباطل والإثم.

على سبيل المثال: لا فضيلة في الإسلام كعمارة المساجد؛ إذ ورد في القرآن الكريم والروايات الشريفة أنّ في بناء المساجد فضائل جمّة، ذلك لأنّها محالّ العبادة والدعاء والتوبة والاعتكاف وغير ذلك، لكننا نلاحظ أنّ الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه يقول لأحد أصحابه:

«لا تُعنْهم - الطغاة والظلمة - على بناء مسجد»(4).

إنّ القضيّة مهمّة للغاية وخطيرة، فحتّى إذا بنى شخص ما للظالم مسجداً أو داراً للأيتام أو حسينيّة، فلا يقبل منه، لأنّ عمله هذا يوجب تقوية ودعم المؤسّسة الظالمة على الصعيد الدعائي ومحاولة خداع الناس، ولذلك لُعنت بعض المساجد في بعض الروايات المرويّة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام!!

أقول: هناك من بين آلاف الرواة الشيعة عدّة مئات من هم في عداد الثقات ومحطّ الاعتماد، ومن بين هؤلاء عشرات أفضل من الآخرين، ولعلّ من بين هؤلاء العشرات من يوصفون بأنّهم خيرة الخيرة، وقد كان أحد هؤلاء رجل يدعي صفوان بن مهران الجمّال.

كان لصفوان هذا جمال كثيرة يكسب رزقه بما يعود عليه من مال إجارتها. ذات يوم استأجر هارون العباسي جمالاً منه.

يقول صفوان: دخلت على أبي الحسن الأول (موسى بن جعفر سلام الله عليه) فقال لى: يا صفوان، كلّ شيء منك حسن جميل، ما خلا شيئاً واحداً. فقلت: جعلت فداك، أيّ شيء؟ قال: إكراوك جمالك هذا الرجل ـ يعنى هارون ـ.

قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا لصيد ولا للهو، ولكني أكريته لهذا الطريق، يعنى طريق مكّة، ولا أتولّيه بنفسي، ولكني أبعث معه غلماني.

فقال لي: يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم؟

قلت: نعم، جعلت فداك.

فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟

قلت: نعم.

قال: فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان وروده في النار.

قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها. فبلغ ذلك الى هارون، فدعاني فقال لى: يا صفوان، بلغني أنك بعت جمالك. قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: أنا شيخ كبير وإن الغلمان لا يفون بالأعمال. فقال: هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر سلام الله عليه. فقلت: ما لي ولموسى بن جعفر سلام الله عليه! فقال: دع هذا عنك، فو الله لولا حسن صحبتك لقتلتك»(5).

* مقتطف من كتاب (يا أباذر) لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي
وهو شرح نصوص مباركة من وصيّة الرسول الأعظم (ص) لصاحبه الجليل أبي ذر الغفاري

.....................................
(1) الكافي ج2، ص440، ح2.
(2) اللهوف في قتلى الطفوف ص193.
(3) سورة النساء، الآية: 40.
(4) التهذيب ج6، ص338، باب المكاسب.
(5) الحدائق الناضرة للمحقق البحراني: ج18، ص119.

اضف تعليق