أمرٌ مؤكَّد أنكم شاهدتم شجرة البلوط، سواءً في غابات حقيقية، أو في الصور والفيديوهات، هذه الشجرة العملاقة تشبه الإبداع والمبدعين إلى حد كبير، فهي حين بدأت رحلة التكوين وثبات الجذور ومن ثم التطور والنمو، لم تكن سوى بذرة صغيرة لا تلفت النظر، والمبدع حين يبدأ رحلة إبداعه، يكاد لا أحد يعبأ به ولا يتنبّه إليه أو إلى إبداعه في أي مجال كان.

محمد مهدي الجواهري، الشاعر العراقي الأهم في العصر الحديث، يقول إنه شقّ طريقه بصعوبة في وسط شديد الانضباط، وأي كيان يسعى لاختراقه يثير هواجسه، وهكذا عانت نبتة الإبداع الصغيرة لدى الجواهري، وغيره من كبار الأدباء، عانت من موجة التوجّس عند الوسط الأدبي الشعري الراسخ، مما يتولّد ما يُسمى بـ صراع الأجيال كاصطلاحٍ نقدي أطلقه واتفق عليه نقاد لهم باع كبير في ساحة النقد.

يبدأ الصراع حين ينظر الراسخون إبداعيا، إلى القادمين الجدد بتوجس، وكذلك هناك قلق وخشية تتلبس من يسعى إلى الانضمام للجيل الراسخ، إذا هذا الصراع تكويني يُخلَق مع الإنسان، ولا سبيل لإلغائه، ولكن يمكن تغيير من صراع إلى تنافس، والأخير هو المحرك الأول والأعظم الذي يقف وراء تحريك عجلة الحياة وتطويرها.

في مطالع كتاباتي الأدبية الضعيفة، وهو أمر طبيعي، كنت أعاني من الشعور بالقلق ممن سبقوني إلى حومة الكلمة، لاسيما أصحاب التجارب المهمة، أولئك الذين تتردد أسماءهم في الوسط الثقافي، بإعجاب مدعوم بهيبة واحترام، إذ أن أسماءهم تشعّ في سماء الصفحات الثقافية، والنقاد يتكالبون على نصوصهم لقراءتها نقديا، كان هذا الشعور المقلق يتلبّسني بقوة، وهو ما يعاني منه أغلب المبتدئين.

الأديب الراحل هادي الربيعي تمكن من أن يمتص قلقي ومخاوفي، وأن يحوّل الصراع التكويني إلى نوع من التنافس الذي يليق بالمبدعين الإبداع، فالمبدع الحقيقي لا يمكن أن يخوض صراعا مؤذيا مع الآخرين، نعم إنه يخوض تنافسا إبداعيا معهم، وهذا أمر وارد بل مطلوب، وهو ما فعله الشاعر الراحل هادي الربيعي معي.

في بداية رحلتي الأدبية كان شاعرنا الراحل اسماً معروفا، وتجربته الإبداعية تنوعت بين الشعر والسرد والنقد والكتابة التلفزيونية والإذاعية، وكان ذا حظوة في العلاقات المتبادَلة بين الأدباء والمثقفين، فقد كان رحمه الله بسيطا متواضعا في تعامله، كما أنه منضبط منضَّم وحريص على اشتغالاته المتعددة، ومع هذا كلّه لا ولت أتذكر لقائي الأول معه حتى هذه اللحظة رغم مرور نصف قرن على هذا اللقاء.

كنت لازلت أحبو في بداياتي، وكنت أقرأ كتاباته وأرى صوره منشورة فيزداد إعجابي وخشيتي منه، ذات يوم رأيته على دراجة هوائية في الحي الذي أسكنهُ، لم يكن يعرفني لكنني أعرفهُ، لم تكن تفصل بيني وبيته سوى أمتار، لكنني خشيت من التحدث معه، وما أعظم تلك الخطوة التي بادرني بها، حين ناداني باسمي مطلقاً ترحيبا وسيلا من كلمات الودّ لن أنساه.

نزل من دراجته، وقادني من يدي إلى بيته القريب، إننا نسكن في حي واحد اسمه (حي رمضان)، ولعل قلقي أو خوفي من الكبار جعلني أجهل سكنهُ قريبا مني، وصلنا إلى بيته، لم يتركني عند الباب، بل أدخلني مباشرة معه إلى بيته.

في لحظة دخولي فوجئت بزوجته التي شكلت محورا شعريا دلاليا مهما في أشعاره، مجسَّداً بما أسماه بـ (نورندا)، وقد رحَّبتْ بي كأنني من أفراد العائلة، أدخلني الربيعي إلى صومعته التي تشبه صومعة الجاحظ، حيث الكتب تملأ ثلاث جدران من الغرفة، تتعالى في رفوف كثيرة تلامس السقف.

كل شيء في الغرفة يوحي بالإبداع، رائحة الكتب، صور كبار الكتاب، اللوحات العالمية والمحلية، أشرطة الكاسيت الإذاعية والثقافية التي أخذت حيّزا من المكتبة، تضاعف قلقي أكثر وأنا أصطدم بهذه الأجواء التي لم أرَ مثلها سابقا، بعد دقائق أقدم لي حاملا بنفسه كأسا من عصير البرتقال، فقفزتُ من مكاني كالملدوغ، إنه يأتي لي بالعصير بنفسه، إذن كم أنا واهم بشأن حالة الصراع بين الجدد والأقدمين؟

بدا حديثه المحبّب بجمال وعذوبة أضفت عليَّ الهدوء والاطمئنان، إنه يتحدث معي كأنني كاتب مهم، قرأ القصص القليلة التي نشرتها، واطلع على النصوص التي كانت تُنشر لي في صفحة المواهب الجديدة، أشاد بأكثر من قصة ونص أو خاطرة، أكد لي بـأنني أمتلك الموهبة واللغة والخيال المطلوب، وقال بالحرف الواحد ما لا أنساه ما حييت: (أنت موهبة سوف تفرض نفسها بقوة في عالم السرد شرط أن تستمر).

حين خرجت من بيت الراحل هادي الربيعي، شعرت بأنني شخص آخر تماما، يمكنه أن يدخل قلعة الإبداع من أوسع أبوابها، ولا زلت أتذكر حالة الزهو التي عشتها بعد ذلك اللقاء، وكيف زرع الثقة في أعماقي، ومنحني زخما لا ينضب في مواصلة رحلة الإبداع.

رحم الله الأستاذ الأديب هادي الربيعي الذي جعلني قادرا على تحويل حالة الصراع بين الأجيال، إلى تنافس إيجابي إنساني كبير، وهذا ما أتمناه اليوم على كبار الأدباء ومبتدئيهم، بأن يزيحوا حواجز الصراع الإبداعي بين الأجيال، ويحوّلوه إلى التنافس في إطار المحبة الحقيقة للإبداع.

اضف تعليق