رحلة الإنسان نحو التَّميُّز والإبداع عمليَّة متكاملة تتطلَّب تضافر عناصر الإلهام، وصقل الموهبة، وتطوير المهارات، والحوار المبني على أسس علميَّة. فالإلهام يشعل الطَّاقات الكامنة، ويحرِّك الرغبة في الابتكار، بينما يسهم العمل بالعلم وترميم النقص في الموهبة في تحويل الإمكانات إلى قدرات فعليَّة ملموسة. وأمَّا الحوار المثمر، المبني على...
في رحلة الإنسان نحو التَّميُّز والإبداع، تتجلَّى ثلاثة عناصر جوهريَّة تشكِّل الأساس المتين للنُّمو الشَّخصيّ والفكريّ، وتفتح أمامه آفاقًا واسعة لاكتشاف ذاته وتطوير قدراته: أوَّلُها شرارة الإلهام؛ تلك القوَّة الخفيَّة التي توقظ الطَّاقات الكامنة وتحرِّكها نحو العطاء والابتكار، فتمنح العقل دفعة للاستكشاف والتَّجديد. ثانيها، تطوير الموهبة وصقل المهارات، وكيف يتعلَّم الإنسان تحويل أي نقص أو قصور إلى فرصة للتَّعلُّم والتَّقدم، فيصقل إمكاناته حتَّى تصل إلى أعلى درجات التَّمكن والاحتراف. ثالثها، الحوار المبني على أسس علميَّة؛ ذلك الجسر الذي يربط الأفكار، ويمنح العقل قدرة على التَّفكير النَّقدي والتَّحليل العميق، ويتيح للإنسان تبادل الخبرات والنَّظريات بأسلوب موضوعي يوسع المدارك ويعمِّق الفهم.
وحين يجمع الإنسان بين هذه العناصر الثَّلاثة، تتآزر قواه الدَّاخلية والخارجيَّة، فتتحوَّل إمكاناته إلى قوَّة فعَّالة تُثمر إنجازات ملموسة، ويصبح أكثر استعدادًا لمواجهة العقبات بحكمة وبصيرة، وأكثر قدرة على ترك أثر إيجابي وبنَّاء في محيطه ومجتمعه، ليصبح مثالًا على الإنسان الذي يمزج بين الفكر، والمهارة، والإبداع في رحلة متواصلة نحو التَّميُّز الحقيقي.
المحور الأوَّل: الإِلهَامُ.
تتناقلُ أذهانُ الكثيرينَ فكرةَ أنَّ الإلهامَ هو حظُّ خاص بالمقربينَ إلى اللهِ (سبحانه وتعالى)، وقد يُفهم من هذا التَّصور أنَّ الإلهامَ يقتصر فقط على قلَّةٍ محظوظةٍ؛ لكن هذه النَّظرة ليست دقيقة بالكامل، والواقعُ إنَّ الإلهامَ ليس حكرًا على فئةٍ معيَّنةٍ، وهو متاحٌ للجميعِ بقدر ما يمكن لكلِّ شخصٍ أن يسعى لهُ وينميهِ.
والإلهامُ هو شعور يتيحُ لنا أن نبدعَ ونبتكرَ؛ إلَّا أنَّه يختلفُ من شخصٍ لآخر، ولا يُمكن لأحدٍ أن ينكرَ أنَّ الإلهامَ موجودٌ في كلِّ إنسان، وإن كان بدرجات متفاوتة، ولكن السُّؤال يظلُّ: كيف يمكنُ للفردِ أن يحصلَ على هذا الإلهامِ أو يرتقي إلى درجةٍ من درجاتِهِ؟
الإجابةُ تكمنُ في التزامِ الإنسانِ ببعضِ المبادئ والأساليبِ التي تفتحُ أمامَه أبوابَ الإبداع:
الأسلوب الأوَّل: الإكثار من الفكر.
عن الإمام علي (عليه السلام): "منْ أكثرَ الفكرَ فيما تعلَّم أتقنَ علمهُ، وتفهَّمَ ما لم يكنْ يفهمُ"(1)؛ فعندما نكرِّس وقتًا وجهدًا في التَّفكير العميقِ حولَ ما نتعلَّمه، فإننا نحقِّقُ إتقانًا أكبر للعلم الذي ندرسُهُ ونتفهم الجوانب التي لم نكنْ ندركها من قبل؛ لأنَّ التَّفكير العميقَ يدعمُ إمكانياتنا على ربطِ الأفكارِ والمفاهيم بشكل أفضل، ممَّا يساهمُ في فَهم أعمق وأشمل للمادة العلميَّة.
بالإضافة إلى ذلك، حين نتفاعل بوعي مع المحتوى، ونبادر بطرح الأسئلة وتحليل الأفكار، تتكشف أمامنا آفاق جديدة لم تكن واضحة في البداية. فهذا التَّأمُّل يعزز قدرتنا على توظيف ما تعلَّمناه بأساليب إبداعيَّة وأكثر فاعليَّة.
وعلى سبيل المثال، في دراسة الرياضيات، لا يقتصر التَّعلم المثمر على حفظ القوانين والنَّظريات فحسب؛ وإنَّما يظهر أثره الحقيقي في فهم كيفيَّة اشتقاق هذه القوانين وتطبيقها بمرونة في حلِّ المشكلات المعقدة.
* تيس أخفش.
كان هناكَ شخصٌ بليدٌ إلى أبعد حدٍّ فأراد أن يدرسَ ويكتسبَ العلمَ، فذهب إلى المدرسةِ ليدرسَ الفقهَ؛ لكنه لكثرة بلادته لم يحفظْ ما كان يلقى عليهِ من المسائل الفقهيَّة البسيطةِ حتَّى يئسَ منهُ الأستاذُ والطُّلابُ الآخرونَ فقرروا طردَه، وفي الامتحانِ الأخيرِ علَّمه الأستاذُ مسألةً: (قالَ الشيخُ: جلدُ الكلبِ يطهرُ بالدِّباغة) وأمره أن يحفظَهَا إلى الغد.
فجاء غدًا وقد ادَّعى حفظَ المسألةِ، فقال له الأستاذُ ما هي؟ قال: (قالَ الكلبُ: جلدُ الشيخِ يطهرُ بالدّباغة) فطرد من الدَّرس فذهبَ حزينًا إلى الصَّحراء ليتنفَّسَ من لوعتهِ الشَّديدة وحزنهِ العميقِ، فمرَّ على بئر يستقي منها الرُّعاة، وإذا به يرى أنَّ حبلَ الامتحاء قد أثَّر في صخرةٍ على حافَّةِ البئر تأثيرًا واضحًا، فأنشأ يقولُ:
أما ترى الحبلَ بتأثيرِهِ --- في الصَّخرة الصَّماء قد أثَّرا
وقال في نفسهِ: إنَّ ذهني ليسَ أصعبَ من هذهِ الصَّخرة، فصار ذلك سببًا في رجوعِهِ إلى المدينةِ وتوجهه إلى طلبِ العلمِ مرَّة ثانيةً ومزاولته المجدة في الدَّرسِ والحفظِ، وهكذا فعل حتَّى صارَ من العلماءِ البارزينَ.
ويحكى عن الأخفش أنَّه لبلادته لم يقبلْ أحدُ الطُّلاب أن يتباحثَ معهُ، حتَّى أنَّه اشترى معزًا وكان يباحثه، وإذا قال مطلبًا يراه صحيحًا، والتَّيس ساكت، كان يجرُّ لحيتَهُ حتَّى ينكسَ رأسه دليلًا على صحة مطلبهِ، ولذا اشتهر عند الطُّلاب (عنز أخفش) وأخيرًا أصبح عالمًا كبيرًا.. اسمه مذكور في كثير من الكتبِ الأدبيَّةِ.
وهكذا فإنَّ التِّكرار زمانًا، وجمع الذَّرات والقطرات عددًا، من أسبابِ الوصولِ إلى النَّتائجِ المطلوبةِ، فاللازمُ على الإنسان أن يهتمَ بالقطرات فيجمعها ولو طالَ الزَّمان..." (2).
الأسلوب الثَّاني: العملُ بالعلمِ.
إنَّ تعلُّمَ شيءٍ جديدٍ وحده لا يكفي؛ يجب أن نعملَ به ونحوِّله إلى واقعٍ ملموس. وقد أكَّدت العديد من الرِّوايات الشَّريفة على أنَّ قيمةَ العلم الحقيقيَّة لا تتحقق إلَّا بالعمل به؛ إذ يغدو عندها طريقًا للإصلاح والتغيير، لا مجرَّد معرفةٍ نظريَّةٍ فقط، ومن ذلكَ ما جاءَ في الحديثِ الشَّريفِ عن اَلنَّبِيِّ الأكرم محمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله): "مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (3)، وهذا أمر طبيعي؛ لأننا حينما نطبقُ ما تعلَّمناه في حياتِنا العمليَّة، نفتحُ أمامَ أنفسِنا أفقًا جديدًا من الإبداعِ والإلهامِ؛ فالتَّطبيقُ وسيلة لفهمِ المعلومات بشكلٍ أعمق، وهو أيضًا طريق لتجربةِ وتطويرِ هذه المعلومات بطرق غيرِ متوقعة، وبذلكَ، يصبحُ العملُ بالعلمِ وسيلةً لتحقيقِ الإلهام وتوسيعِ آفاقِ التَّفكير.
الأسلوب الثَّالث: اجتناب المحرَّمات.
إنَّ الابتعادَ عن المحرَّماتِ والتزام القيمِ الأخلاقيةِ لهما تأثيرٌ عميق على مختلفِ جوانبِ حياةِ الإنسانِ، لاسيما في ما يتعلَّق بالإلهام والتَّفكير الإبداعي؛ إذ الابتعاد عن المعاصي يشارك في تطهيرِ القلبِ والنَّفسِ، ممَّا يُفضي إلى صفاء الذِّهن والرُّوح، وهذا الصَّفاء يساعدُ الفردَ على أن يكون أكثر تقبلاً للإلهام، سواء كان ذلك في مجالِ العلمِ أو في اتِّخاذ قراراته الحياتيَّة بشكل عام. فعندما يبتعدُ الإنسانُ عن المحرَّمات، سواء كانت أفعالًا أو أقوالًا أو حتَّى نوايا، فهو بذلك يحررُ نفسَه من التَّوترات النَّفسيَّة والمشاعر السَّلبيَّة التي قد تعكر صفوَ تفكيرِهِ؛ فالممارسات التي تتعارضُ مع القيم الأخلاقيَّة، مثل الكذب أو الخيانة أو الظُّلم، تترك أثرًا سلبيًا على الوعي الدَّاخلي للإنسان، ممَّا يضعف طاقته على الإبداعِ والتَّفكيرِ السَّليمِ؛ ويمكن القول: إنَّ الابتعاد عن المحرَّمات هو وسيلة لتحفيزِ العقلِ والرُّوح، وارتفاع نسبة التَّفاعل الإيجابي مع محيطِهِ، وإتاحة الفرصة بنسبة أكبر للاستجابة للإلهام بدرجات عالية.
الأسلوب الرَّابع: محبَّة أهل البيت (عليهم السلام).
محبَّة أهل البيت (عليهم السلام) من أسمى الأساليب التي تُهذِّب النَّفس، وتفتح أمام الإنسان آفاقًا واسعة من النُّور والهداية، لما لها من أثرٍ عميق في تزكية القلب وتقويم السلوك وربط الإنسان بالله (تعالى) ربطًا صادقًا. فهذه المحبَّة هي منهج حياةٍ يقوم على الاقتداء بسيرتهم، والسير على خطاهم (عليهم السلام) في الفكر والعمل والأخلاق.
وقد أكّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هذه الحقيقة بقوله: "من أرادَ التَّوكلَ على اللهِ فليحب أهلَ بيتي (عليهم السلام)، ومن أرادَ أن ينجوَ من عذابِ القبرِ فليحب أهلَ بيتي، ومن أرادَ الحكمةَ فليحب أهلَ بيتي، ومن أرادَ دخولَ الجنَّة بغيرِ حساب فليحب أهلَ بيتي، فوالله ما أحبَّهم أحد إلَّا ربح الدُّنيا والآخرة" (4). ففي هذا الحديث الشريف تتجلَّى مكانة أهل البيت (عليهم السلام) بوصفهم طريقًا جامعًا للتوكّل، والحكمة، والنَّجاة، والفوز في الدُّنيا والآخرة.
كما بيَّن الإمام الصادق (عليه السلام) الأثر العميق لهذه المحبَّة بقوله: "من أحبَّنا أهلَ البيتِ، وحقَّقَ حبَّنا في قلبهِ، جرتْ ينابيعُ الحكمةِ على لسانهِ، وجدد الإيمانُ في قلبهِ" (5)، فالمحبَّة الصَّادقة لهم (عليهم السلام) تُثمر صفاءً في القلب، ونورًا في الفكر، وحكمةً تنعكس على القول والعمل، فتجعل الإنسان أكثر وعيًا وبصيرةً في تعامله مع شؤون حياته المختلفة.
وعندما يلتزم الإنسان بهذه المحبَّة الواعية، ويجعلها مبدأً موجّهًا لسلوكه وأفكاره، يرتقي تدريجيًا في مدارج الكمال الإنسانيّ، ويتهيَّأ لاستقبال الإلهام والإبداع. وبهذا الارتقاء يبني ذاته، ويمتدّ ليُسهم في بناء مجتمعٍ أكثر تماسكًا، وعالمٍ أكثر وعيًا، وعدلًا، وتفوّقًا وإبداعًا.
المحور الثَّاني: تَرْمِيمُ نَقْص المَوْهبَة.
الموهبةُ هي مهارة فطريَّة أو مكتسبة تسمحُ للفردِ بالتَّميز في مجالٍ من المجالات، ومع ذلكَ، قد يواجهُ الكثيرَ من النَّاس في حياتِهم شعورًا بنقصِ الموهبةِ، سواء كانَ ذلكَ في مجالٍ محدد أو على نطاقٍ أوسع، وقد يعتقدُ البعضُ أنَّهم لا يمتلكونَ موهبةً تميِّزهم عن الآخرينَ، ممَّا يؤدي إلى شعور بالإحباطِ أو القلقِ، لكن الواقع يقول: إنَّ كلَّ شخصٍ لديه إمكانات وطاقات يمكنُ تطويرها؛ فإذا كنتَ تتمتع بالكفاءة، فلا تغفل عن النَّقص والعجز الذي فيها؛ وحاولْ سدَّه؛ وعلى سبيل المثال: لو كنت خطيبًا ناجحًا أو عريف حفلٍ لكن تفتقر إلى إتقانِ اللغةِ العربيَّةِ الفصيحةِ، فرممْ تلكَ الكفاءةَ بإتقانِ اللغةِ وهكذا في بقيَّةِ الكفاءات.
هناكَ عوامل عدَّة قد تؤدِّي إلى شعور الشَّخص بنقص الموهبة، منها:
1. المقارنات الاجتماعيَّة: كثيرًا ما يقعُ الأفراد في فخِّ مقارنةِ أنفسِهم بالآخرينَ، وخاصَّة في عصرِ وسائل التَّواصل الاجتماعي؛ إذ يبدو أنَّ الجميعَ يمتلكونَ مواهبَ متميِّزة، وهذه المقارنات يمكن أن تجعلَ الشَّخصَ يشعرُ بأنَّه لا يمتلك ما يميِّزه عن الآخرين، ممَّا ينتهي إلى تقليلِ الثِّقةِ بالنَّفسِ والإحساسِ بنقصِ الموهبة.
2. التَّجارب السَّلبية: إنَّ مرور الإنسان بتجارب سلبيَّة في مجالٍ معيَّن قد يخلّف آثارًا عميقة وطويلة الأمد في نظرته إلى ذاته وقدراته؛ إذ قد تزرع في داخله الشكَّ بمواهبه، وتحدّ من ثقته بنفسه، ممَّا ينعكس على أدائه وطموحاته المستقبليَّة.
3. التَّوقعات العالية: يقع بعض الأشخاص في فخِّ وضع توقعاتٍ غير واقعيَّة لأنفسهم، فينشأ شعورٌ مستمر بالفشل إذا لم يتمكَّنوا من بلوغها. ومع تكرار هذا الشعور، قد يتحوَّل إلى اعتقادٍ راسخ بأنَّهم يفتقرون إلى الموهبة أو القدرات اللازمة، ما يعيق تقدَّمهم ويثنيهم عن استكشاف إمكاناتهم الحقيقيَّة.
4. البيئة المحيطة: قد تكون البيئةُ المحيطةُ بالشَّخص غيرَ داعمة لاكتشافِ مواهبهِ أو تطويرِها؛ سواء كان ذلكَ بسبب عدم توفر الموارد أو الدَّعم الاجتماعي؛ فإنَّ هذا يمكن أن يعيقَ التَّطوير الشَّخصي.
5. نقصُ الفرص والتَّدريب: أحيانًا، يعودُ نقصُ الموهبةِ إلى عدمِ الحصولِ على الفرصِ المناسبةِ لتطوير المهارات أو التَّدريب في المجال المطلوب، وبدون التَّدريب المستمر والتَّجارب المتكررةِ، قد يشعرُ الشَّخصُ بأنَّه يفتقرُ إلى الموهبةِ.
* كيفيَّة ترميم نقص الموهبة:
لتجاوزِ نقصِ الموهبةِ وتحويله إلى فرصة للتَّطور، يمكن اتِّباع عدد من الاستراتيجيات التي تساعد في الثِّقة بالنَّفس وتطويرِ المهارات، وفيما يلي خمسة أمثلة عمليَّة يمكن أن تساعدَ في هذا المجال:
1. تحديد المجالات القابلة للتطوير: فلو لم يكنْ الشَّخصُ قد ولد بموهبةٍ في مجالٍ معيَّن، فيمكن له تحديدَ المجالات التي يشعرُ الشَّخص بأنَّها قابلة للتطوير، وبدلًا من التَّركيزِ على ما يفتقر إليه، يمكن له أن يبحثَ عن مجالات جديدةٍ لاستكشافها وتطويرِها.
2. الاستثمار في التَّدريب والتَّعليم: من أهمِّ الوسائل التي تساعد على صقل المواهب وتنميتها التَّدريب والتَّعليم؛ إذ يتيحان للفرد اكتساب المهارات اللازمة وتحويل إمكاناته الكامنة إلى قدرات فعليَّة. على سبيل المثال، إذا شعر شخص ما بأنَّه يفتقر إلى مهارة القيادة، يمكنه الالتحاق بدورات تدريبيَّة متخصصة في هذا المجال، ممَّا يمنحه الفرصة لصقل مهاراته، وزيادة ثقته بنفسه، وتحقيق تأثير أكبر في بيئته العمليَّة والشخصيَّة.
3. البحث عن نموذج يقتدى به: يمكن للفرد أن يبحث عن قدوة في المجال الذي يسعى للتفوّق فيه، ويُمعن النَّظر في مسيرتها وتجاربها، مستخلصًا الدروس والعبر التي ساعدتها على النَّجاح. وهذا الاقتداء يمنح الشَّخص إلهامًا عمليًّا ويحفِّزه على تطوير مواهبه، وتجاوز العقبات، والسَّعي نحو تحقيق أهدافه بثقة وإصرار أكبر.
على سبيل المثال: إذا كان شخص يرغبُ في أن يصبحَ كاتبًا، يمكنه دراسةَ أعمال كاتب ناجح، ومحاولةَ فهم كيفيَّة تطويرِ أسلوبِه الخاص.
4. التَّجربة والخطأ: التَّجربة والخطأ هما جزءٌ أساسي من عمليةِ تطويرِ المواهب؛ فمن التَّجربة، يمكنُ للشخص اكتشافَ مجالات جديدة قد يكون لديه فيها موهبة خفيَّة، ولا يجب الخوفُ من الفشلِ؛ بل يجب اعتباره جزءًا من الرِّحلة نحو النَّجاح.
على سبيل المثال، يمكن لشخص يحب الطبخ أن يجرِّب وصفات جديدة باستمرار، فيكتشف من خلالها مهاراته وقدراته المبدعة، ويبدأ تدريجيًّا في صقل هذه المهارات وتطويرها إلى مستويات أعلى.
5. التَّغلب على الخوف من النَّقد: الخوف من النَّقد يمكن أن يكونَ عائقًا كبيرًا أمامَ تطويرِ الموهبةِ، ومن الضَّروري أن يتعلَّمَ الشَّخص كيفيَّة تقبلِ النَّقدِ البنَّاء واستخدامهِ كأداةٍ لتطويرِ مهاراتِهِ.
ومع الالتزام والتَّفاني، يمكن لكلِّ فردٍ أن يجدَ طريقَهُ الخاص نحو النَّجاحِ، ويطورَ مواهبَهُ ليصلَ إلى أعلى مستويات الإبداع والتَّميز.
المحور الثَّالث: الحوَارُ المَبْنِيُّ عَلَى أُصول عِلمِيَّة.
الحوارُ المبنيُّ على أسس علميَّة من أبرزِ الأساليب التي تساهمُ في توسيعِ أُفقِ الفكرِ؛ لأنَّ هذا النَّوع من الحوارِ لا يقتصر على تبادلِ المعلوماتِ والآراءِ، ويتجاوزُ ذلكَ ليساهمَ في عمليةِ التَّطور الفكري؛ فالحوارُ الذي يتَّسم بالعلميَّةِ والاحترام يفتح أمامَه الأبوابَ الجديدةَ من الفكرِ، وحينما يُجرى الحوار بطريقةٍ مبنيَّةٍ على أسس علميَّةٍ، يمكن للأفكارِ أن تتلاقى بطريقةٍ بنَّاءة، وهذه العمليَّةُ تعملُ على زيادةِ كفاءتنا على التَّفكير النَّقدي وتحفزُنا على النَّظرِ إلى الأمورِ من زوايا مختلفة، بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ مثلَ هذا الحوار يتيحُ لنا اكتشافَ وتطويرَ أفكار جديدة قد تكونُ غائبةً عنَّا في البدايةِ، كما يمكننا أن نعدَّ الحوارَ العلمي بمثابةِ أداةٍ لتوسيعِ الأفقِ الفكري؛ فهو يساعدُ على تنشيطِ العقلِ ويشجعُ على البحثِ والاستكشاف.
على سبيل المثال، عندَ مناقشةِ مسألةٍ علميَّة مع متخصص في المجال، يمكن أن نكتسبَ رؤى جديدةً ونُثري معرفتنا بناءً على الأدلةِ والبحثِ الموثوق، وهكذا حينما يكون الحوارُ مبنيًا على الأسس العلميَّة، فإنَّه يقوِّي الأفكارَ الموجودةَ؛ كونه يحددُ نقاط القوَّةِ والضَّعف فيها.
بالإضافةِ إلى ذلكَ، فإنَّ التَّفاعلَ الفكريَّ المبنيَّ على أسس علميَّة يوفر لنا الأدوات اللازمةَ لتحليلِ المعلومات بشكلٍ أعمق، ويمكن لهذا التَّحليل أن يكشفَ لنا جوانب جديدة لم نكن نلاحظها من قبل، ممَّا يساعدنا على فهمنا للأفكارِ وتوسيع نطاقها.
وزيادة على ذلك، عندما نتعرَّضُ لأفكار جديدةٍ ونتفاعلُ معها بطرق مدروسة، فإنَّ ذلكَ يمكن أن يُعيدَ تنظيمَ حياتِنا ويُعيدَ برمجة عقولِنا؛ فالأفكارُ التي نكتسبها بالحوارات البنَّاءة يمكن أن تؤثِّرَ على سلوكياتِنا ومواقفِنا بشكلٍ إيجابي، ويمتدُّ إلى تطوير الجوانب الشَّخصية أيضًا؛ مثل التَّواصلِ والتَّفكيرِ النَّقدي، وهذا يسهم في بناءِ علاقات أكثر إيجابية ومستدامة.
وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى مجموعةٍ من الشُّروطِ التي تُساهم في تحقيقِ الحوارِ المثمر؛ ومنها:
1. الأدب والاحترام.
ينبغي أن يكون الحوار بأسلوب لطيف ومفعم بالاحترام المتبادل، مراعيًا للآداب والأخلاق، كما جاء في قوله (تعالى): (وَلا تَجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (6). فهذا التَّوجيه الإلهي يؤكِّد على أهميَّة التَّحدث بلطف، والالتزام بالأسلوب البنَّاء الذي يحقق الفهم والتواصل الإيجابي بدلًا من الجدال العقيم أو التشنُّج.
2. الاستناد إلى الحكمة.
الاستناد في طرح الأفكار وإدارة النقاشات إلى الحكمة، مع مراعاة اللباقة والاعتدال في التَّعبير. فقد جاء التوجيه الإلهي في قوله (سبحانه): (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (7). فالحكمة في الحوار تساعد على إيصال الرِّسالة بشكلٍ فعَّال، وتحافظ على الاحترام المتبادل، وتزيد من فرص التَّأثير الإيجابي على الآخرين من دون إثارة الخلاف أو التَّشنُّج.
3. الصبر.
يتطلَّب الحوار المثمر قدرًا كبيرًا من الصَّبر، خاصَّة عند مواجهة الآراء المختلفة أو المواقف المتباينة. فقد جاء في القرآن الكريم توجيهٌ صريح للمؤمنين، فقال الله (تبارك وتعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (8).
وفي ضوء ما استعرضناه من محاور وأساليب، يتبيَّن أنَّ رحلة الإنسان نحو التَّميُّز والإبداع عمليَّة متكاملة تتطلَّب تضافر عناصر الإلهام، وصقل الموهبة، وتطوير المهارات، والحوار المبني على أسس علميَّة. فالإلهام يشعل الطَّاقات الكامنة، ويحرِّك الرغبة في الابتكار، بينما يسهم العمل بالعلم وترميم النقص في الموهبة في تحويل الإمكانات إلى قدرات فعليَّة ملموسة. وأمَّا الحوار المثمر، المبني على الأدب والحكمة والصَّبر، فيوسع الأفق الفكري ويتيح للإنسان التفاعل بوعي مع محيطه والاستفادة من تجارب الآخرين.
وعندما يجمع الإنسان بين هذه العناصر، يصبح أكثر قدرة على تحقيق الإنجازات، وترك أثر إيجابي مستدام في حياته ومجتمعه. فلنحرص على أن تكون هذه القيم والمبادئ شعلةً دائمة تنير دروبنا، وتدفعنا نحو مستقبل مشرق مليء بالفرص والابتكار، حيث نصنع الفرق ونترك بصمة تبقى للأجيال القادمة.



اضف تعليق