شهر رمضان المبارك هو فرصة حقيقيَّة للارتقاء بالنَّفس وتنقيتها، وتجديد العهد مع الله (تعالى) ومع النَّاس. فالفرص التي يمنحها هذا الشَّهر لا تتكرَّر. وعن طريق الالتزام بالواجبات، والإكثار من النَّوافل، والورع عن المحارم، يستطيع الإنسان أن يحوّل وقته إلى عمل صالح يثمر في الدُّنيا والآخرة، ويحقِّق النَّجاح المطلوب والممدوح...

النَّجاح في الحياة يرتبط بوعي الإنسان بقيمة الفرص وحسن تعامله مع الزَّمن؛ فالموفَّقون هم الذين يمتلكون قدرة إدراك اللحظة المناسبة وتحويلها إلى فعلٍ موجَّه نحو الغاية، في حين أنَّ الإخفاق غالبًا ما يكون ثمرة التَّفريط بالوقت وتجاوز الفرص المتاحة من دون استثمارها. ومن هنا تتأسَّس قاعدة علميَّة وعمليَّة مفادها: إنَّ بلوغ الغايات مرهون باغتنام اللحظات الحاسمة قبل زوالها. وقد أكَّدت الرِّوايات الشَّريفة هذا المعنى بوضوح؛ روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام): "إِذَا أَمْكَنَتِ الْفُرْصَةُ فَانْتَهِزْهَا فَإِنَّ إِضَاعَةَ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ" (1)، وقال (عليه السلام) أيضًا: "أَشَدُّ الْغُصَصِ فَوْتُ الْفُرَصِ" (2). وتكشف هذه النُّصوص أنَّ ضياع الفرصة يخلِّف أثرًا نفسيًّا دائمًا يتمثَّل في النَّدم والحسرة.

وتتجلَّى قيمةُ الفرص في طبيعتها الزَّمنيّة العاجلة؛ فإنَّها لا تدوم طويلًا ويغلب عليها عدم القابلية للتكرار. فالفرصة لحظة عابرة تتطلَّب وعيًا حاضرًا واستجابةً فاعلة، وإلَّا انقضت من دون رجعة. وقد عبَّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذا المعنى بدقَّة بالغة بقوله: "انْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ فَإِنَّهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ" (3)، وفي قوله (عليه السلام) الآخر: "الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ وَبَطِيئَةُ الْعَوْدِ" (4). وتكشف هاتانِ الكلمتانِ عن حقيقة نفسيَّة عميقة؛ وهي أنَّ الفرصة إذا أُهدرت لا تمضي بسلام، وتترك في النَّفس أثرًا باقيًا، يتحوَّل إلى ندمٍ يلازم القلب، وحسرةٍ تتجدَّد كلَّما استُحضرت لحظة التَّقصير. فالفرصة إمَّا أن تُغتنم فتكون فتحًا، وإمَّا أن تُفوَّت فتغدو غصَّةً لا تُنسى.

ولا شكَّ أنَّ شهرَ رمضانَ المبارك يُمثِّل أرفعَ نافذةٍ زمنيةٍ تُفتح للإنسان في مدار العام؛ إذ تتكاثف فيه أسبابُ التَّرقي، وتتهيّأ فيه سُبلُ السموّ؛ قَالَ الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ" (5)، غير أنَّ تحقُّق ذلك متوقف على وعي الفرد بقيمته وحسن توظيف كلِّ لحظةٍ من لحظاته؛ لأنَّ تميُّزَ هذا الشَّهر لا يقتصر على امتداده الزَّمني؛ وإنَّما يتجسَّد في مضمونه وما يتيحه من قابليةٍ استثنائيَّة للتَّهذيب والتَّزكية. وقد دلَّت النُّصوص الشَّريفة على هذه المنزلة بوضوح؛ إذ ورد عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللهِ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ. شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللَّهِ. أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ" (6)؛ وتبيِّن هذه الرِّواية أنَّ الزَّمن في هذا الشَّهر يكتسب بعدًا تعبديًّا خاصًّا؛ على اعتبار أنَّ السُّلوك اليوميّ يتحوَّل إلى مجالٍ للقرب الإلهي، بما يجعل شهر رمضان فرصةً جامعة لا تتكرَّر.

وأفضلُ استغلال لهذه الفرصة يكون بتزكية النَّفس وتطهيرها؛ فشهر رمضان هو الفرصة المثلى لذلك؛ إذ تتوفر فيه جميع العوامل التي تساعد على ذلك؛ فالأجواء الإيمانيَّة السَّائدة في هذا الشهر تسهم في تقوية الارتباط بالله (تعالى)، بينما تضعف العوامل التي تدفع الإنسان نحو الرَّذيلة، ممَّا يجعل هذا الشَّهر وقتًا مثاليًّا لتحقيق التَّغيير المثمر للنَّفس؛ وإذا تمَّت عملية تزكية النَّفس، فإنَّ كلَّ شيءٍ يتغيَّر في حياة الإنسان نحو الأفضل، ويصبح أكثر تقوى وطهرًا؛ قال الله (عزَّ وجلَّ): (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (7)، وقال (سبحانه): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (8).

 إنَّ شهر رمضان الكريم يجمعُ كلَّ ما يشارك في تزكيةِ النَّفس وتطهيرِها، ويرتقي بالرُّوح فوق المادِّيات عبر مجموعة من الواجبات والأخلاق، التي يمكن تصنيفها على محورينِ:

المحور الأوَّل: واجبات الصَّوم

المطلب الأوَّل: بعض أحكام الصِّيام

من الواجبات أن نُحسن التَّعرُّف على الأحكام الفقهيَّة المرتبطة بالصَّوم؛ لأنَّها البوَّابة الأولى التي نُحرز من خلالها صحَّة عبادتنا، وبها يتحوَّل الصِّيام من مجرّد امتناعٍ عن المفطرات إلى عبادةٍ مثمرةٍ تُربِّي الصَّائم؛ وهذه بعض الأحكام (9):

1. الصَّوم هو أن يمسك الإنسان عن المفطرات المقرَّرة، من أذان الفجر إلى أذان المغرب، امتثالًا لأمر اللّه (تعالى).

2. يجوز أن ينوي في كلِّ ليلة من ليالي شهر رمضان لصوم اليوم الآتي، والأفضل أن ينوي في الليلة الأولى من الشَّهر صوم جميع الشَّهر.

3. المفطرات:

الأوَّل والثَّاني: الأكل والشُّرب:

• إذا أكل الصَّائم أو شرب شيئًا عمدًا، بطل صومه، سواء كان ذلك المأكول أو المشروب معتاداً كالخبز والماء وما شابه، أو غير معتاد كأكل التُّراب وشرب عصارة الشَّجر، وسواء كان المأكول والمشروب قليلًا جدًا أو كثيرًا، فيبطل الصَّوم حتَّى بإعادة المسواك المرطوب إلى الفم بعد إخراجه منه وابتلاع رطوبته فورًا، إلَّا أن تضمحل رطوبة المسواك في ماء الفم بحيث لا يطلق عليه أنَّه ابتلع رطوبة خارجيَّة.

• إذا أكل الصَّائم أو شرب شيئًا سهوًا، لم يبطل صومه.

• الأحوط استحبابًا أن يجتنب الصَّائم عن استعمال الإبر المغذّية، ولا إشكال في استعمال بقيَّة الإبر؛ فإنَّها لا تبطل الصَّوم، كالإبرة المخدِّرة للعضو والإبر للدَّواء.

• إذا ابتلع الصَّائم عمدًا ما بقي من الطَّعام بين أسنانه بطل صومه.

• لا يجوز أن يفطر الصَّائم للضعف؛ ولكن إذا كان الضعف كثيرًا بحيث لايتحمل عادةً، فلا إشكال في الإفطار.

الثَّالث: الجماع:

• الجُماع يبطل الصَّوم ولو لم يدخل إلَّا بمقدار الحشفة ولم ينزل المني.

• لا فرق في بطلان الصَّوم بالجماع بين قصد الإنزال وعدم قصد ذلك، ويجب فيه مضافًا إلى قضاء ذلك اليوم، الكفارة وهي: إطعام ستين فقيرًا، أو صيام شهرين متتابعين مخيّرًا بينهما إن كان مع الحلال، والجمع بينهما على الأحوط وجوباً إن كان مع الحرام.

الرَّابع: الاستمناء (العادة السريَّة):

• إذا استمنى الصَّائم ــ أي استعمل العادة السريَّة وأخرج المني من نفسه ــ بطل صومه، ووجب عليه مضافًا إلى قضاء ذلك اليوم، كفَّارة الجمع (صيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين فقيرًا) على الأحوط وجوبًا. 

• إذا داعب الصَّائم أحدًا بقصد إخراج المني، بطل صومه على الأحوط وإن لم يخرج منه مني.

الخامس: الكذب على اللّه (سبحانه) أو النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) أو الآل (عليهم السلام)

• إذا سُئل من الصَّائم: هل قال النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) هذا الموضوع أم لا؟ وكان ينبغي أن يقول: لا، ولكنه أجاب عمدًا بنعم، أو أجاب عمدًا بلا بدل نعم بطل صومه.

السَّادس: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق:

• إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق مبطل للصَّوم على الأحوط، سواء كان غبار ما يحل أكله كغبار دقيق القمح، أو غبار ما يحرم أكله كغبار التُّراب، والأحوط استحبابًا عدم إيصال الغبار غير الغليظ إلى الحلق أيضًا.

• إذا نشأ غبار غليظ بواسطة الرِّياح ولم يمنع الصَّائم عن وصول الغبار إلى الحلق رغم التفاته وعدم غفلته ووصل إلى حلقه بطل صومه على الأحوط، ووجب عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة.

• الأحوط وجوبًا أن لا يوصل الصَّائم البخار الغليظ ودخان السَّجاير والتبغ وما شابه إلى الحلق أيضًا، ولا إشكال في البخار القليل الموجود عادةً في الحمام.

السَّابع: رمس الرَّأس في الماء:

• إذا رمس الصَّائم رأسه بالماء (أي: أدخل تمام رأسه في الماء) عمدًا بطل صومه على الأحوط، ووجب عليه قضاء ذلك اليوم، لكن لا كفارة عليه، هذا وإن كان باقي بدنه خارج الماء، ولكن لا يبطل صومه لو رمس تمام بدنه في الماء وبقي شيءٌ من رأسه خارج الماء.

• إذا رمس تمام رأسه في الماء ناسيًا أنَّه صائم، أو أدخل الغير تمام رأسه في الماء قهرًا، فإن تذكَّر تحت الماء أنَّه صائم، أو رفع الآخر يده عنه، يجب فورًا إخراج الرَّأس من الماء، وإذا لم يخرج بطل صومه على الأحوط ووجب عليه القضاء دون الكفارة.

• إذا كان على الصَّائم غُسل وجب عليه الغسل الترتيبي، فإن توقف على الارتماس انتقل إلى التيمم إذا كان الصَّوم واجبًا معيَّنًا: كصوم شهر رمضان، وإن اغتسل ارتماسًا عمدًا بطل على الأحوط صومه وغسله معًا، وإن كان الصوم مستحبًا أو واجبًا موسَّعًا، وجب الغُسل وبطل صومه على الأحوط. 

الثَّامن: البقاء على الجنابة إلى أذان الفجر:

• إذا لم يغتسل الجنُب إلى أذان الفجر عمدًا، أو كانت وظيفته التَّيمم ولم يتيمم عمدًا، حتَّى حان الفجر بطل صومه، سواء في شهر رمضان أو قضائه، وأمَّا غيرهما من الصيام الواجب والمندوب فلا يبطل بذلك، وإن كان الأحوط استحبابًا عدم ترك الاغتسال أو التَّيمم قبل الفجر خصوصًا في الواجب المعيَّن كنذر صوم يوم معيَّن.

• الجنُب الذي يريد أن يأتي بصوم واجب كصوم شهر رمضان، إن لم يغتسل عمدًا حتَّى يضيق الوقت، يجب أن يتيمم ويصوم وصومه صحيح وإن كان الأفضل أن يقضي ذلك الصوم أيضًا.

• إذا استيقظ الصَّائم في شهر رمضان بعد أذان الفجر ووجد نفسه محتلمًا صح صومه حتَّى وإن علم أنَّه احتلم قبل الأذان.

التَّاسع: استعمال الحقنة السَّائلة: 

الاحتقان في الدُبُر بالسَّوائل يبطل الصَّوم، ويجب عليه القضاء دون الكفارة، حتَّى لو كان اضطرارًا وكان للمعالجة، ولا إشكال في الاحتقان بغير السَّوائل وإن كان الأفضل اجتنابه.

العاشر: التقيؤ:

• إذا تعمد الصَّائم التقيؤ ــ وإن اضطر لذلك لمرض وما شابهه ــ بطل صومه ووجب عليه القضاء، لكن لا كفارة عليه، ولكن لو تقيأ سهوًا أو دون اختيار منه صح صومه.

• يجوز للصَّائم أن يتجشأ اختيارًا وإن احتمل خروج شيء من الطَّعام معه، نعم إذا علم بالخروج فلا يجوز على الأحوط أن يتجشأ اختيارًا، وإن خرج وجب إلقاؤه، ولو سبقه الرجوع لم يبطل صومه، ولا بأس بالتجشّؤ القهري وإن وصل الطَّعام معه إلى فضاء الفم ورجع.

المطلب الثَّاني: استفتاءات حول الصوم

س1: شخص نام في نهار شهر رمضان وأجنب، فما حكمه؟

ج: الاحتلام -الجنابة في النوم- لا يضر بالصوم في الفرض المذكور، وعليه أن يغتسل من الجنابة للصلاة.

س2: شخص أجنب في شهر رمضان ليلا وبقى على جنابته، هل تكون الجنابة مبطلة للصوم؟ 

ج: نعم، فإنَّه يجب الاغتسال من الجنابة قبل طلوع الفجر، وإن ضايقه الوقت تيمم للجنابة بدل الاغتسال ثمَّ يغتسل بعده، ولا يجوز البقاء على الجنابة إلى أذان الفجر متعمدًا، فلو تعمد ذلك وجب عليه مضافًا إلى القضاء الكفارة أيضًا.

س3: هل يجوز للصَّائم المدمن على التَّدخين أن يأخذ مقدارًا صغيرًا من دخان السَّجائر عند اضطراره لذلك؟

ج: لا يجوز على الأحوط وجوبًا.

س4: هل أن إبرة الأنسولين للسكر مبطلة للصيام؟

ج: كلا.

س5: هل البخاخ المستعمل لضيق النفس مبطل الصوم؟

ج: كلا. 

س6: لو وضع إنسان غطاءً على رأسه بحيث لا ينفذ الماء إلى أذنيه وأنفه وانغمس في الماء، فهل يبطل صيامه؟

ج: نعم، على الأحوط وجوبًا.

س7: هل مضغ العلك مبطل للصيام؟

ج: نعم، مبطل إذا كان فيه حلاوة، أو تفتَّت بعض أجزائه ودخل جوفه.

المحور الثَّاني: نوافل الصَّوم

 هي عبادات تطوّعيَّة تتجاوز حدَّ الفريضة، وترتقي بالصَّائم من أداء الواجب إلى مقام الإحسان، فتضطلع بدورٍ في تهذيب النَّفس، وتعمِّق حضور القلب، وتوثِّق الصِّلة بالله (تعالى). ومن أبرز صور هذه النَّوافل:

1: قراءة القرآن الكريم والتَّدبر فيه

 قراءة القرآن الكريم من أعظم النَّوافل التي تؤثِّر في النَّفس وتساعد على تزكيتها؛ فالقرآن الكريم له أثر بالغ في توجيه الإنسان نحو الخير والصَّلاح. وكم من شخصٍ كان بعيدًا عن طريق الحقِّ؛ لكنه اهتدى ببركة القرآن، فأبصر الحقَّ في تصوّراته وتحسَّن أداؤه العملي. كما أنَّ الاستماع إلى آياته له تأثير عميق في زيادة الإيمان؛ خاصَّة في هذا الشَّهر المبارك حيث يتضاعف الأجر، ويستجاب الدُّعاء وتقبل التَّوبة.

 ولعلَّ من أبرز دوافع الحثِّ على الإكثار من تلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان ما يتركه من أثر عميق في النَّفس؛ وشهر رمضان هو موسم القرآن الكريم وربيعه، فيه نزل كتاب الهداية والنُّور، كما قال الله (جلَّ جلاله): (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (10). فهو شهر يتجلَّى فيه لطف الله (سبحانه) وتيسيره لعباده، وتكتمل فيه معاني الشُّكر على نعمة الهداية.

2: صيام الجوارح

 صيام الجوارح هو مفهوم يتجاوز الامتناع عن الطَّعام والشَّراب فقط، ليشمل جميع حواس الإنسان وأعضاءه، فيلتزم المسلم بترك الآثام والمعاصي التي قد تصدر عن العين، والأذن، واللسان، واليدينِ، والرجلينِ، والفرج. وفي هذا الصِّيام، لا يُكتفى بتجنب المأكولات والمشروبات؛ بل ينبغي أن يتحقَّق الامتناع عن كلِّ ما يفسد الطَّهارة النَّفسيَّة ويبعد الإنسان عن التَّقوى. روي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أنَّه قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَا جَابِرُ، هذَا شَهْرُ رَمَضَانَ، مَنْ صَامَ نَهَارَهُ، وَقَامَ وِرْداً مِنْ لَيْلِهِ، وَعَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، وَكَفَّ لِسَانَهُ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَخُرُوجِهِ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَالَ جَابِرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَنَ هذَا الْحَدِيثَ!

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): يَا جَابِرُ، وَمَا أَشَدَّ هذِهِ الشُّرُوطَ!" (11). ويُظهر هذا الحديث أهميَّة الصِّيام الكامل الذي يشمل جميع الجوارح في مسعى لتطهير النَّفس، وليس فقط الصَّوم عن المفطرات.

3: كثرة العبادة

شهر رمضان موسم فريد، تتلألأ فيه الفرص الكبيرة لتصفية الرُّوح وتقوية العلاقة مع الله (سبحانه وتعالى)، وتنفتح أبواب العبادة والطَّاعة على مصراعيها، وتتضاعف فيه أسباب السموّ والتَّقرب إلى الخالق (جلَّ جلاله). ويزداد الأجر والثَّواب بشكلٍ غير مسبوق. وبذلك تخلق أجواء شهر رمضان بيئة مثاليَّة للعبادة؛ ويتعاظم فيه أجر الأعمال الصَّالحة وتزداد الخيرات، ممَّا يتيح للإنسان أن يرتقي في معرفته وأفعاله. وقد ورد عن النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في حديثه: "...أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَرَضَ اللهُ صِيَامَهُ، وَجَعَلَ قِيَامَ لَيْلَةٍ فِيهِ بِتَطَوُّعِ صَلَاةٍ كَمَنْ تَطَوَّعَ بِصَلَاةِ سَبْعِينَ لَيْلَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَجَعَلَ لِمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ كَأَجْرِ مَنْ أَدَّى فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ الله، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فِيهِ سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ وَإِنَّ الصَّبْرَ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَهُوَ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَهُوَ شَهْرٌ يَزِيدُ اللهُ فِيهِ فِي رِزْقِ الْمُؤْمِنِ..." (12). 

وهذه الكلمات تدل على عظمة هذا الشَّهر؛ فإنَّ الله (سبحانه وتعالى) قد خصَّه بفضائل متعدِّدة، حيث يتضاعف أجر العبادة فيه بشكل مذهل، وتتحقَّق فيه مكافآت عظيمة. ولذا، لا ينبغي للإنسان أن يفرِّط في وقت هذا الشَّهر، وعليه أن يغتنمه في الطَّاعات والأعمال الصَّالحة؛ لكي يجني ثماره، ويغتنم الخير والفائدة في الدُّنيا والآخرة.

4: إفطار الصَّائمين

 تُساعد هذه الخصلة على إشاعة أجواء المحبَّة داخل المجتمع، وترسيخ قيم التَّراحم والتَّكافل بين أفراده. وقد أكَّدت النُّصوص الشَّريفة عظيم فضل هذا العمل في الشَّهر المبارك، لما له من أثرٍ بالغ في توثيق الرَّوابط وتقوية أواصر الألفة والمودَّة بين النَّاس. عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "... ومَنْ فَطَّرَ فِيه مُؤْمِنًا صَائِمًا كَانَ لَه بِذَلِكَ عِنْدَ اللهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ومَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِه فِيمَا مَضَى. 

قِيلَ: يَا رَسُولَ الله لَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُفَطِّرَ صَائِمًا.

 فَقَالَ: إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُعْطِي هَذَا الثَّوَابَ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى مَذْقَةٍ مِنْ لَبَنٍ يُفَطِّرُ بِهَا صَائِماً أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ أَوْ تَمَرَاتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ..." (13). ويُبيِّن هذا الحديث سعة رحمة الله (تعالى) وكرمه، وأنَّ الأجر العظيم يرتبط بصدق النيَّة وإخلاص العمل، لا بكثرة العطاء.

وروي عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) قوله: "فِطْرُكَ أَخَاكَ الصَّائِمَ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِكَ" (14).

 وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي يَصُومُ فِيه أَمَرَ بِشَاةٍ فَتُذْبَحُ وتُقْطَعُ أَعْضَاءً وتُطْبَخُ؛ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ أَكَبَّ عَلَى الْقُدُورِ حَتَّى يَجِدَ رِيحَ الْمَرَقِ وهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ يَقُولُ: هَاتُوا الْقِصَاعَ اغْرِفُوا لآِلِ فُلَانٍ وأغْرِفُوا لآِلِ فُلَانٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بِخُبْزٍ وتَمْرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَشَاءَه" (15). وتُجسِّد هذه الرِّواية أسمى معاني الإيثار، حيث يقدَّم إطعام الآخرين على نفسه، ويجعل من الصِّيام بابًا للعطاء والتَّراحم.

5: صلة الأرحام

 إنَّ صلة الرَّحم عبادة تُطيل الأعمار، وتُوسِّع الأرزاق، وتُشيع الطَّمأنينة في البيوت، وتُضاعف الأجور. وهي فوق ذلك كلّه سبيلٌ إلى رحمة الله (تعالى)، ومفتاحٌ لرضوانه، وموضعُ سرورٍ لأهل بيت النبوَّة (عليهم السلام)، الذين جعلوا من التَّراحم بين النَّاس خُلقًا إيمانيًّا أصيلًا، وعنوانًا لصدق الانتماء.

عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ" (16).

 فلنجعل شهر رمضان موسمًا لمدِّ جسور القربى، وتجديد العهد مع الأرحام؛ ففي ذلك خيرٌ شاملٌ يعود على الإنسان في دنياه وأخراه. 

6: أعمال أخرى

 وهناك أعمالٌ أُخرى كالتطيُّب، وكتمان الصَّوم، والاعتدال في الرَّاحة، والتسحّر، والالتزام بآداب الإفطار؛ وكلُّها وسائل تُشارك في تهذيب النَّفس وتزكيتها. والمتأمّل في العبادات يجد أنَّها تتنوَّع بين ما يُعنى بإصلاح النَّفس، وما ينظّم علاقة الإنسان بالمجتمع، وما يتَّصل بالذَّوات المقدَّسة، لتلتقي جميعها في مسارٍ واحدٍ يرتقي بالإنسان نحو الكمال.

المحور الثَّالث: أفضل الأعمال

 غير أنَّ أهمَّ الأعمال وأفضلها في هذا الشَّهر الشَّريف الورع عن محارم الله (سبحانه)؛ فبعد الخطبة المشهورة للنَّبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) قام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسأل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ما أفضل الأعمال في هذا الشَّهر؟

فقال (صلَّى الله عليه وآله): "يَا أَبَا الْحَسَنِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" (17).

 " ولعلَّ العلَّة -والله أعلم- أنَّ الورع عن محارم الله (تعالى) يقف على الضدِّ من خطِّ الشَّهوة والمصلحة الشخصيَّة؛ فهو مواجهةٌ صريحةٌ مع نزعات النَّفس، وكبحٌ مباشرٌ لاندفاعاتها. أمَّا النَّوافل، فعلى جلال قدرها وعظيم أثرها، فإنَّها في الغالب لا تصطدم اصطدامًا حادًّا برغباتنا، ولا تتعارض تعارضًا جذريًّا مع مصالحنا؛ بل قد تؤدَّى أحيانًا في مساحةٍ آمنةٍ لا تُحرِّك صراعًا داخليًّا عميقًا.

فقراءة القرآن –مثلًا- على سموِّها وأهميِّتها الكبرى، قد تتحوَّل عند بعض النَّاس إلى سلوكيّةٍ اعتياديّةٍ مباركة؛ لكنَّها لا تمسّ بالضَّرورة مكامن الشَّهوة، ولا تضع قيودًا مباشرةً على رغبات النَّفس. أمَّا ترك الحرام، فهو الميدان الذي تظهر فيه حقيقة المجاهدة؛ لأنَّه يصطدم بالشَّهوة من جذورها، ويُلزم الإنسان بأن يقول: "لا" حين تميل نفسه إلى "نعم".

وهنا تظهر صعوبة الورع؛ فالنَّفس البشريَّة بطبعها تميل إلى ما تهواه، وتبحث عمَّا يوافق رغبتها، فإذا وقف العبد عند حدود الله (تعالى)، وكفَّ نفسه عمَّا تشتهي، كان ذلك دليلًا على يقظة قلبه، وصدق عبوديّته، وقوَّة إرادته في تقديم رضا الله (عزَّ وجلَّ) على هوى النَّفس" (18).

 والورع: "الكفُّ عن المحارم، والتَّحرجُ منها..." (19). وله دور كبير في سعادة الإنسان، وكماله؛ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "عليكَ بالورعِ فإنَّهُ خيرُ صيانة" (20)، وعنه (عليه السلام): "ثمرةُ الورعِ صلاحُ النَّفسِ والدِّينِ" (21)، وعنه (عليه السلام): "الورعُ مصباحُ نجَاح" (22).

 وعند الرُّجوع إلى روايات المعصومين (عليهم السلام) تجد أنَّ الورعَ هو مفهوم تحته مصاديق عدَّة، فالتَّحري في المكاسب، والوقوف عند الشُّبهات، وترك ما يريب، وترك الصَّغائر، والتَّنزه عن الدَّنايا كلُّها من الورع.

 وأفضلُ ما يورث الورعَ الشُّعورُ بالمراقبة الإلهيَّة؛ قال الله (سبحانه): (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (23).

قصص عن الورع

 القصَّة الأولى: بين عقلي وهواي نزاع طويل

"طلب الحاكم العبَّاسي من السَّيد الشَّريف الرَّضي أن يقبل منصب القضاة في الدَّولة فقال السيِد وهو يتقاعس عن الدُّخول في جهاز الحكم الغاصب: إنَّ بين عقلي وهواي نزاعٌ طويلٌ، وهما يطلبان منِّي أن أحكم بينهما بالعدل فلمَّا أحضرتهما عندي نطق عقلي، وقال: لك الآخرة نسيئة، وأريد أيضًا أن أمتعك في الدُّنيا بحلالها، فاعدل بيننا في الحكم؛ فأنا حكمت لعقلي ثمَّ مضت أيَّام فغلبني هواي، وحكمت له.

ولقد استمر هذا النِّزاع بين عقلي وهواي مدَّة (خمسين)عامًا -يقصد مدَّة عمره في ذلك الوقت-، وأنا أميل تارةً إلى العقل، وتارة إلى الهوى؛ فالذي لا يمكنه الحكم بالعدل بين عقله وهواه، ولا يحسم الأمر بينهما بعد خمسين عامًا كيف يستطيع أن يتصدَّى لمنصب القضاء في الحكم بين المتنازعين من النَّاس في الوقت الذي أنا اعرف أنَّ الحقَّ مع عقلي دائمًا بينما في قضايا النَّاس يصعب عليَّ إحراز الحقِّ ومعرفته بدقَّة؟! 

فابحث أيَّها الحاكم عن عالم يتصدَّى لهذا المنصب، وقد فرغ من القضاء بين عقله وهواه بالعدل فأصلح بينهما، وجعلهما متفقين في طاعة الله، وطلب رضاه؛ إنَّه الأصلح بين النَّاس" (24).

والقصة تُعلِّم أنَّ أهل العلم الحقيقيينَ هم الذين يصلحون أنفسهم قبل أن يصلحوا النَّاس، وأنَّ القدرة على ضبط النَّفس والالتزام بالحقِّ هي أساس أيِّ قيادة ناجحة وعادلة.

القصة الثَّانية: خطورة منصب الزَّعامة والمرجعية

"نقل آية الله العظمى السَّيد محمَّد هادي الميلاني (رحمه الله): بعد ارتحال المرجع الأعلى السيِّد أبي الحسن الأصفهاني (رحمه الله) كنت واردًا إلى حرم الإمام الحسين (عليه السلام)، وإذا بآية الله العظمى السيِّد حسين القمِّي (رحمه الله)، وكان المرشح الوحيد للمرجعية العليا حينذاك واقفًا عند الضَّريح جهة الرَّأس الشَّريف، فأشار إليَّ بيده أن آتي إليه، وكان هناك أيضاً آية الله السيِّد ميرزا مهدي الشيرازي (رحمه الله) فلمَّا جئناه؛ قال لنا: أنا أدعو، وأنتما قولا آمين.

فقلنا: لا بأس، ونحن لا ندري ماذا يريد السيِّد أن يطلب في دعائه.

فقال (وعيناه تدمعان): اللَّهم إن كان بقبولي منصب الزَّعامة والمرجعية يطيل حسابي عندك يوم القيامة فلا توفقني لها، وأسألك أن تأخذني إليك قريبًا.

فوقعت والسيِّد ميرزا مهدي في موقف حرج مع السَّيد القمي فقلنا: آمين (ونحن في خجل من ذلك)، وبعدها مات بستة أشهر، وعرفنا السَّبب لعدم قبوله منصب المرجعيَّة العليا على الرَّغم من إصرار كبار المجتهدين عليه؛ أمثال السيِّد عبد الهادي الشِّيرازي، والسيِّد الحكيم، والسيِّد الشَّاهرودي، والسيِّد الخوئي (رحمهم الله)..." (25).

وتُظهر هذه القصَّة الورع الحقيقي للسيِّد حسين القمِّي (رحمه الله)؛ فقد رفض تولِّي منصب المرجعيَّة العليا خشية ثِقَل الأمانة أمام الله (سبحانه)، على الرَّغم من إصرار كبار العلماء. ولم يكن اهتمامه بالمكانة الدنيويَّة؛ وإنَّما بخوفه من التَّقصير يوم القيامة، ودعاؤه عند ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) يعكس إخلاصه وصدق نيَّته. والقصَّة تذكِّرنا أنَّ المسؤوليَّة الدينيَّة أمانة عظيمة، وأنَّ طموحنا يجب أن يكون رضا الله (تعالى) قبل أيِّ اعتبار دنيوي، وأنَّ الورع الحقيقي يعني وضع الخوف من التَّقصير فوق رغبتنا في المكانة أو الشَّهرة.

القصَّة الثَّالثة: رفض ألف ليرة من الذَّهب

"أرسل أحد تجَّار قزوين ألف ليرة ذهبًا من سهم الإمام (عليه السلام) إلى المرحوم آية الله العظمى السيِّد محمَّد حسن الشِّيرازي (المجدِّد الكبير) فلمَّا وصل الرَّسول إلى العراق وجد السيَّد منتقلًا إلى رحمة ربِّه، فأتى بالمال إلى الشيخ حسن الممقاني فرفضه.

وقال الرَّسول: إنَّه أمانة في يدك على أن توصله للسيِّد، وقد تعذَّر عليك ذلك فيلزمك أن ترجع الأمانة إلى أهلها، أو تطلب الإذن بالتَّصرف من مرسل المال.

قال الرَّسول: إنَّ هذا الألف حقُّ الله، وقد تفحصت، وسألت فتعيَّن عندي إعطائها لك.

قال الشَّيخ: لا بدَّ من إذن المرسل.

قال الرَّسول: خذ المال، وإن لم يرضَ المرسل دفعت المال من مالي الخاص.

قال الشَّيخ: إنَّ هذا المال بعينه ليس لك؛ فإذا أردت أن تؤدِّي الحقَّ فأدِّه من مالك الخاص.

فأخذ الرَّسول المال، ومضى.

 وبهذا عُرف علماء الشِّيعة وامتازوا عن غيرهم؛ لا تفرحهم صفراء ولا بيضاء، ولا يجرمنهم الطَّمع في تأويل الشَّريعة، وصرفها إلى الميول والأهواء..." (26).

إنَّ شهر رمضان المبارك هو فرصة حقيقيَّة للارتقاء بالنَّفس وتنقيتها، وتجديد العهد مع الله (تعالى) ومع النَّاس. فالفرص التي يمنحها هذا الشَّهر لا تتكرَّر. وعن طريق الالتزام بالواجبات، والإكثار من النَّوافل، والورع عن المحارم، يستطيع الإنسان أن يحوّل وقته إلى عمل صالح يثمر في الدُّنيا والآخرة، ويحقِّق النَّجاح المطلوب والممدوح. فلتكن أيَّام هذا الشَّهر المبارك رحلة نحو الله (سبحانه)، وموسمًا للتَّغيير الصَّادق، وسبيلًا لنيل رضاه وجنته (جلَّ جلاله).

......................................

الهوامش: 

1. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص473.

2. المصدر نفسه.

3. المصدر نفسه.

4. المصدر نفسه.

5. الكافي: ج4، ص62.

6. بحار الأنوار: ج93، ص356.

7. سورة الشَّمس/ الآيتان: 9-10.

8. سورة الرعد/ الآية: 11.

9. الأحكام الفقهيَّة الموجودة في كلا المطلبينِ موافقة لفتاوى سماحة آية الله العظمى السيِّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله). للمزيد يراجع: أحكام الشباب: ص113- 122.

10. سورة البقرة/ الآية: 185.

11. الكافي: ج7، ص436.

12. الخصال: ص259.

13. من لا يحضره الفقيه: ص2، ص299.

14. الكافي: ج4، ص427.

15. بحار الأنوار: ج46، ص72.

16. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2، ص266.

17. وسائل الشيعة: ج10، ص314.

18. ينظر: ومضات: ص23-24.

19. مجمع البحرين: ص1368، مادة (ورع).

20. عيون الحكم والمواعظ: ص333.

21. المصدر نفسه: ص207.

22. المصدر نفسه: ص30.

23. سورة التوبة/ الآية: 105.

24. ينظر: قصص وخواطر: ص370.

25. ينظر: المصدر نفسه: ص81ـ 82.

26. المصدر نفسه: ص245-246.

اضف تعليق