إن الدولة تحاول رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الانضباط والمساءلة، حتى وإن جاءت الخطوات متدرجة وغير مكتملة حتى الآن، فالرسالة المُراد إيصالها هي بأن هنالك إرادة سياسية وشعبية لإغلاق صفحة التجاوزات، أو على الأقل عدم التساهل معها كما في السابق...

شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة محاسبة المتورطين بقضايا فساد أو تجاوزات إدارية ومالية في قطاعات حكومية متعددة، في مؤشر لا يمكن فصله عن تحول واضح في الخطاب والممارسة الرسمية تجاه هذا الملف المزمن. فحتى في الحالات التي لم تصل فيها جميع القضايا إلى نهاياتها القضائية، بدت الرسالة السياسية الحكومية حاسمة، إذ اتضح منها أن مرحلة التساهل مع التجاوزات على القوانين والأحكام النافذة لم تعد مقبولة.

هذا التحرك لا يقتصر على ملفات كبيرة أو أسماء بارزة فقط، بل شمل مستويات مختلفة من المسؤولية، ما يعكس رغبة في كسر الانطباع السائد سابقاً بأن المحاسبة انتقائية أو موسمية، فالإحالات إلى التحقيق أو الإعفاءات، أو الإعلان العلني عن إجراءات قانونية، كلها أدوات استُخدمت لإيصال إشارات ردع واضحة للرأي العام.

أما نحن كمواطنين علينا أن نعترف بأن لحظات التحول الكبرى، لا يمكن أن تكون بخطوات بسيطة ومرنة، والخلاف الحقيقي لا يكون حول وجود الفساد، بل حول الإمكانية والقدرة على اقتلاعه. ومحاربة الفساد بالصورة التي تساعد أو تمكن من اقتلاعه بحاجة إلى قرار صعب وموقف سياسي موحد، بل يحتاج إلى قرار وطني يُجمع عليه الجميع، وهذا القرار في الطب يُسمى "إنقاذ حياة"، والقرار الصعب في إدارة الدول وحياة الحكومات يُسمى "حماية وطن".

ربما لا توجد صعوبة توازي صعوبة اتخاذ قرار قطع الكف، فعادة ما يصاحب ذلك نزيف للدم وألم انهيار نفسي وصدمة بنتيجة لم تكن متوقعة، لكن قد يكون البديل أسوأ من ذلك بكثير وهو تسمم مؤلم ومن ثم انتقال التسمم إلى بقية أجزاء الجسم بما يؤدي إلى فقدان الحياة. لسنوات طويلة وحكومات متعددة، تضخمت ممارسات خاطئة، وعشنا في مناطق رمادية بين الخطأ والصواب، وبين القانون والمجاملة، وبين المصلحة العامة والحسابات الضيقة.

كان الجميع -الطبقة السياسية- يرون المرض، لكن القليل فقط كان مستعداً لتحمل كلفة العلاج، وأنا هنا أعني العلاج الحقيقي، الذي لا يأتي مُرضياً للجميع بالتأكيد، ولن يُصفق له الفاسدون في كل مراحل الفساد. قد يبدو هذا الطرح منطقياً في الظاهر، لكنه يتجاهل حقيقة واحدة وهي أن الفساد حين يستفحل، لا يُعالج بالتدرج، بل يُستأصل، وهذا ما يجب أن يحصل الآن.

ولهذا النهج الحكومي أبعاد عديدة منها البعد السياسي، فمن خلاله تحاول الحكومة إعادة بناء الثقة المتآكلة بينها وبين المواطنين، خصوصاً في ظل إرث طويل من الإحباط الشعبي الناتج عن غياب العدالة، واستمرار الإفلات من العقاب، وتراكم ملفات فساد لم تُحسم. 

لذلك فإن الرسالة الأهم ليست فقط في عدد القضايا المفتوحة، بل في رمزية التحرك ذاته، وفي التوقيت الذي جاء فيه وسط تحديات اقتصادية وخدمية ضاغطة.

مع ذلك، لا يمكن إغفال أن الرأي العام بات أكثر حذراً في استقبال مثل هذه التحركات، فالتجارب السابقة جعلت شريحة واسعة من المواطنين تربط مصداقية أي حملة بمآلاتها النهائية، التي يمكن حصرها بأحكام قضائية عادلة أو استرداد أموال، فضلاً عن إصلاحات مؤسسية تمنع تكرار الفساد، لا الاكتفاء بإجراءات إدارية أو بيانات إعلامية، ومن هنا فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرسائل السياسية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.

ولا تخلو الإجراءات من بعد إداري، إذ تشكل هذه المرحلة اختباراً لقدرة مؤسسات الرقابة والقضاء على العمل باستقلالية وكفاءة، بعيداً عن الضغوط السياسية أو الحسابات الضيقة، فنجاح المحاسبة لا يقاس فقط بسرعة الإجراءات، بل بسلامتها القانونية وشفافيتها، وضمان حقوق جميع الأطراف، بما يحول دون تحويل مكافحة الفساد إلى أداة صراع أو تصفية حسابات.

في المحصلة النهائية يمكن القول إن الدولة تحاول رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الانضباط والمساءلة، حتى وإن جاءت الخطوات متدرجة وغير مكتملة حتى الآن، فالرسالة المُراد إيصالها هي بأن هنالك إرادة سياسية وشعبية لإغلاق صفحة التجاوزات، أو على الأقل عدم التساهل معها كما في السابق.

اضف تعليق