إصلاحُ التعليمِ لا يبدأُ من الكتاب، بل من الشخصِ الذي يفتحُ هذا الكتاب؛ فالمعلمُ ليس مجردَ ناقلٍ للمعلومة، بل هو مهندسُ الوعي وصانعُ العقول، وأيُّ استثمارٍ لا يضعُ تأهيلَه المهنيَّ ومكانتَه الاجتماعيةَ في الصدارةِ سيبقى تغييراً شكلياً يعجزُ عن بناءِ أجيالٍ قادرةٍ على الإبداعِ ومواكبةِ العصر...
في كل مرة يُطرح فيها ملف إصلاح التعليم، تتجه الأنظار غالبا نحو المناهج الدراسية أو البنى التحتية أو التقنيات الحديثة، تُستبدل الكتب بينما تُجهز المدارس بالأجهزة والمعدات الحديثة، وتُعلن خطط تطوير طموحة، لكن النتائج تبقى محدودة أو أقل من التوقعات.
السبب الجوهري الذي تتجاهله كثير من السياسات التعليمية هو أن حجر الزاوية الحقيقي لأي إصلاح ليس المنهج ولا المبنى، هو المعلم الذي يجب ان يُركز عليه، فالمعلم هو من يحول النصوص الجامدة إلى معرفة حية، وهو من يمنح التعليم روحه ومعناه ومن دون إعادة تأهيل المعلم، يصبح أي إصلاح مجرد تغيير شكلي لا يمس جوهر العملية التعليمية.
ومع هذه الحقيقية هناك -المسؤولين في الجهات العليا- من لا يزال يعتبر المعلم ناقلا للمعلومة فقط، بينما هو صانع للعقول ومهندس للوعي، وفي هذا الخصوص تشير الدراسات التربوية إلى أن تأثير المعلم في تحصيل الطالب يفوق تأثير المنهج أو البيئة المدرسية مجتمعة.
ومع ذلك يعيش كثير من المعلمين حالة من التهميش المهني، فبرامج إعدادهم الأولي غالبا ما تركز على الجانب النظري أكثر من الجانب العملي، ولا توفر تدريبا كافيا على إدارة الصف، أو التعامل مع الفروق الفردية بين الطلبة، أو استخدام أساليب التعليم الحديثة.
وفي هذه المعادلة وبعد التعيين يجد المعلم نفسه أمام واقع معقد دون دعم مهني مستمر، فيتحول التعليم تدريجيا إلى عملية تلقينية تقليدية، لا تعكس روح العصر ولا تلبي احتياجات الطلبة.
وهنا يتطلب إعادة تأهيل للملاكات التربوية، واعتبار عملية التأهيل ليست إجراء تكميليا، إنما هي استثمار استراتيجي في مستقبل المجتمع. فكل معلم مؤهل بشكل أفضل يعني مئات الطلبة الأكثر قدرة على التفكير والتحليل والإبداع، وعلى العكس من ذلك فإن إهمال تأهيل المعلم يؤدي إلى أجيال ضعيفة المهارات، عاجزة عن مواكبة متطلبات العصر.
إعادة التأهيل يجب أن تُفهم بوصفها عملية مستمرة، لا دورة تدريبية عابرة. فالعالم يتغير بسرعة، وطرق التعليم تتطور، والتكنولوجيا تفرض أنماطاً جديدة من التعلم. والمعلم الذي لا يحصل على تدريب مستمر يفقد تدريجيا قدرته على مواكبة هذه التغيرات.
كما يمكن ان تشمل عملية التأهيل ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق التي تعد إحدى أبرز مشكلات إعداد المعلمين، اذ هنالك فرق كبير بين ما يتعلمونه في المؤسسات الأكاديمية وما يواجهونه في الواقع المدرسي، فالطالب في كلية التربية يتلقى معلومات عن نظريات التعلم وأساليب التدريس، لكنه لا يحصل على تدريب عملي كاف في بيئة صفية حقيقية.
هذا الواقع يدفع كثيراً من المعلمين إلى تبني أساليب تقليدية تعتمد على الحفظ والتلقين، لأنها الأسهل والأسرع، حتى وإن كانت الأقل فاعلية، الامر الذي يحتم على الجهات المسؤولة عن الملف، إقامة دورات تدريبية وتطويرية للملاكات بعيدا عن الشكلية، والتركيز على الجانب النظري، اذ يجب ان تركز على الجوانب العملية والعلمية، فضلا عن متابعة أداء المعلم داخل الصف، وتقديم تغذية راجعة تساعده على تطوير مهاراته.
لا يمكن الحديث عن إعادة تأهيل المعلم دون التطرق إلى مكانته الاجتماعية، فالمعلم الذي يشعر بالتقدير والاحترام يكون أكثر دافعية للعطاء، وأكثر استعداداً لتطوير نفسه. أما عندما يشعر بالإهمال، فإن ذلك ينعكس مباشرة على أدائه، لذا فان إعادة تأهيل المعلم يجب أن تكون أولوية وطنية، فإصلاح التعليم لا يبدأ من الكتاب، بل من الشخص الذي يفتح هذا الكتاب أمام الطلبة.



اضف تعليق