راهنت الحكومات الكوردية منذ سنوات طويلة على خلافات الاحزاب الكبرى وتأرجح الموقف الحكومي في بغداد تجاه القضايا المالية والنفطية بين المركز والاقليم لتحقيق مكاسب مالية واقتصادية ضخمة على حساب العدالة في توزيع الثروة الوطنية والمصالح العليا للعراق. حكومة عادل عبد المهدي تغاضت بإصرار عن تنصل حكومة...

راهنت الحكومات الكوردية منذ سنوات طويلة على خلافات الاحزاب الكبرى وتأرجح الموقف الحكومي في بغداد تجاه القضايا المالية والنفطية بين المركز والاقليم لتحقيق مكاسب مالية واقتصادية ضخمة على حساب العدالة في توزيع الثروة الوطنية والمصالح العليا للعراق.

حكومة عادل عبد المهدي تغاضت بإصرار عن تنصل حكومة الاقليم عن وعودها في تسليم الايرادات النفطية وغير النفطية للخزينة الاتحادية، واستمرت حكومة عبد المهدي في تمويل حصة الاقليم في الموازنة، رغم ما نصت عليه المادة (10/ ثانيا/أ) في قانون الموازنة الاتحادية لعام 2019 النافذ بتسليم شركة سومو الحصة المتفق عليها والبالغة (250) ألف برميل يومياً، وهو ما لم يحصل طيلة العام 2019 مع استلام حكومة الاقليم كافة الحصة المقررة لها من الموازنة الاتحادية.

كما تجاهلت الحكومة الاتحادية نص المادة (10/ ثانيا/ج) في قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2019 النافذ باستقطاع مبلغ الضرر الناجم عن امتناع اقليم كوردستان من تسليم الكمية المتفق عليها (250 برميل يوميا)، من حصة الإقليم المقررة في موازنة العام 2019، ولم تستقطع الحكومة دينارا واحدا من حصة الاقليم رغم امتناع حكومة الاقليم عن تسليم دينار واحد الى خزينة الحكومة الاتحادية.

من جانب اخر، خالفت حكومة اقليم كوردستان نص المادة (10/ ثانيا/د) في قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2019 النافذ والقاضية بإلزام حكومة اقليم كوردستان عند حصول أي زيادة في الكميات النفطية المصدرة بإيداع الايرادات المتحققة فعلا لحساب الخزينة العامة للدولة. والزيادة تحققت فعلا وفقا لبيان وزارة النفط الاتحادية، اذ تجاوزت صادرات الاقليم (500) الف برميل يوميا عام 2019.

اما حكومة مصطفى الكاظمي فقد بادرت حال استلام الحكم في العراق شهر ايار 2020 الى دفع مبلغ (400) مليار دينار الى حكومة اقليم كوردستان كبادرة حسن نية لاستئناف المفاوضات حول الخلافات القائمة، رغم الوضع المالي الصعب الذي شهدته خزينة الدولة آنذاك، وفقدان العراق ثلثي ايراداته النفطية بسبب انهيار اسعار النفط في الاسواق العالمية. فقد حقق العراق ايرادات نفطية قاربت (2) مليار دولار في شهر ايار مقارنة بأكثر من (6.163) مليار دولار تحققت في شهر كانون الثاني 2020.

وتشير وزارة المالية بان الاساس الذي انطلقت منه المباحثات قد جاء في إطار الكتاب المرسل من وزارة المالية الى السيد رئيس حكومة اقليم كوردستان المرقم 802 وبتاريخ 19/5/2020 والمتضمن دفع وزارة المالية مبلغ (400) مليار دينار عراقي. ورغم ان المادة (1) من الكتاب تمنح مبلغ (400) مليار الى حكومة الاقليم كرواتب لشهر نيسان، الا ان المادة (2) تنص على ضرورة التوصل لتسوية نهائية بين المركز والاقليم خلال موعد اقصاه (30) يوم من تاريخ ايداع مبلغ (400) مليار في حساب حكومة الاقليم، مع ذلك، لم يتحقق الاتفاق لغاية الان رغم تجاوز المدة المحددة في الامر الوزاري المذكور.

مؤخرا، وفي بيان صدر في (12/8/2020) عن وزارة المالية لتقييم سير المفوضات بين الطرفين، اشارت فيه الوزارة الى ان الدفعات المالية المرسلة الى وزارة مالية اقليم كوردستان لا تصل الى المستحقين، بالإضافة الى تلقيها طلبات موقعة من عشرات الالاف من موظفي الاقليم لربط مرتباتهم عبر الاليات المصرفية بالحكومة الاتحادية بشكل مباشر. فضلا على امتناع حكومة اقليم كوردستان من تقديم الايرادات المالية المتحصلة من المنافذ الكمركية وهي مخالفة لمبدأ الشراكة الوارد في المادة 114 (اولاً) من الدستور لتأمين الرقابة على المنافذ الحدودية في الاقليم.

المفارقة ان بيان وزارة المالية المذكور حول سير المفاوضات مع اقليم كوردستان، وتحميل الاخير مسؤولية عرقلة التوصل الى اتفاق عادل بين الطرفين يتسق مع الدستور والقانون، رغم استلام الاقليم مبلغ (400) مليار دينار، قوبل بكتاب موجه من الامانة العامة لمجلس الوزراء (عاجل جدا) الى وزير المالية تحت عنوان (تسوية الامور العالقة) بتاريخ 15/8/2020. جاء فيه ان الحكومة الاتحادية اتفقت مع اقليم كوردستان على جملة من النقاط، وهذه المرة بدون سقوف زمنية، نظرا لإخلال الاقليم بالسقف الزمني المثبت في كتاب وزارة المالية الاول الموجه الى الاقليم في ايار الماضي، مقابل صرف مبلغ (320) مليار دينار لحساب حكومة اقليم كوردستان. ويفصح الكتاب المذكور عن جملة من التجليات اهمها ضعف التنسيق الحكومي المؤسسي، وهي ثغرة طالما استغلها الساسة الكورد. والاستجابة للضغوط السياسية على حساب المصلحة الوطنية. واستمرار استحواذ حكومة اقليم كوردستان على مبالغ ضخمة من الموازنة الاتحادية دون مقابل يذكر.

ان استمرار حكومات بغداد في غض الطرف على المخالفات المالية المستمرة لحكومة إقليم كوردستان تفريط خطير بحقوق الشعب العراقي في المركز والاقليم، وترسيخا لهيمنة الساسة الكورد على موارد كوردستان النفطية وغير النفطية، وتعزيزا لمساعي الاستحواذ على نسبة من الموازنة الاتحادية بحجة ان الشعب الكوردي جزء من الشعب العراقي وله الحق في الرواتب والامتيازات الاخرى، مع الامتناع الكامل عن المساهمة في تمويل خزينة العراق الاتحادية من الايرادات النفطية وغير النفطية المتحققة في محافظات الاقليم العراقية كما نص الدستور.

بدلا من ذلك، ينبغي ان يكون لحكومة بغداد موقف صارم من القضايا العالقة لا يقل عن منح حكومة كوردستان ترف الاختيار بين السيادة الوطنية على جميع الموارد النفطية وغير النفطية مقابل حصول اقليم كوردستان على حصة عادلة من الموازن الاتحادية، او الاتفاق على الاستقلال المالي لحكومة اقليم كوردستان لحسم النزاع بشأن الحقوق والالتزامات المالية بين بغداد واقليم كوردستان.

ان دوام الحضور الفعال لانضواء الجميع تحت مظلة الدستور والتزام القانون في إدارة الخلافات بين الطرفين في صدارة ضمانات المستقبل الحاكمة لطبيعة العلاقات بين حكومة المركز وحكومة اقليم كوردستان. وطالما تتركز العلاقة بين المركز والاقليم بمقايضة الاستقلال بمكاسب، مالية وجغرافية وترتيبات امنية وعلاقات اقليمية ودولية لكوردستان مع البقاء اسميا ضمن العراق، سيزداد احتقان الخلافات القانونية والاقتصادية بين الطرفين لمديات خطيرة لا تصب في صالح الطرفين.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق