تحولات القوة بين الدول من الأمور المألوفة في السياسة العالمية، لكن تحول القوة المدفوع بالتكنولوجيا بعيدا عن الدول وإلى أطراف فاعلة وقوى عالمية عابرة للحدود يجلب تعقيدات جديدة وغير مألوفة. ويفرض التغير التكنولوجي عددا من القضايا ــ بما في ذلك الاستقرار المالي، وتغير المناخ، والإرهاب، والجرائم الإلكترونية...
بقلم: جوزيف ناي

كمبريدج ــ منذ عام 2017، كانت استراتيجية الأمن القومي في أميركا تركز على منافسة القوى العظمى، واليوم تحرص معظم دوائر واشنطن على تصوير علاقتنا مع الصين على أنها حرب باردة جديدة. من الواضح أن منافسة القوى العظمى تظل تمثل جانبا بالغ الأهمية من جوانب السياسة الخارجية، ولكن لا ينبغي لنا أن نسمح لهذا الجانب بحجب التهديدات الأمنية المتنامية العابرة للحدود التي تضعها التكنولوجيا على الأجندة.

إن تحولات القوة بين الدول من الأمور المألوفة في السياسة العالمية، لكن تحول القوة المدفوع بالتكنولوجيا بعيدا عن الدول وإلى أطراف فاعلة وقوى عالمية عابرة للحدود يجلب تعقيدات جديدة وغير مألوفة. ويفرض التغير التكنولوجي عددا من القضايا ــ بما في ذلك الاستقرار المالي، وتغير المناخ، والإرهاب، والجرائم الإلكترونية (السيبرانية)، والأوبئة ــ على الأجندة العالمية في حين يميل في ذات الوقت إلى إضعاف قدرة الحكومات على الاستجابة.

يشمل عالَـم العلاقات العابرة للحدود الوطنية خارج سيطرة الحكومات، بين أمور أخرى، مصرفيين، ومجرمين يحولون الأموال إلكترونيا، وإرهابيين ينقلون الأسلحة والخطط، ومخترقين لأنظمة الكمبيوتر يستخدمون وسائط التواصل الاجتماعي لتعطيل العمليات الديمقراطية، وتهديدات للأنظمة البيئية مثل الأوبئة وتغير المناخ. على سبيل المثال، قتل مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) بالفعل عددا من الأميركيين أكبر من أولئك الذين ماتوا في حروب كوريا وفيتنام والعراق، لكننا رغم ذلك ننفق القليل للاستعداد لهذه الجائحة. ولن تكون كوفيد-19 آخر أو أسوأ الجائحات.

الواقع أن أفرادا ومنظمات خاصة ــ تتراوح من ويكيليكس وفيسبوك، ومؤسسات، إلى الإرهابيين والحركات الاجتماعية العفوية ــ يجري تمكينهم جميعا للاضطلاع بأدوار مباشرة في السياسة العالمية. ويعني انتشار المعلومات أن القوة أصبحت موزعة على نطاق أوسع، وأن شبكات غير رسمية باتت قادرة على تقويض احتكار البيروقراطية التقليدية. كما تعني سرعة انتقال المعلومات عبر الإنترنت أن الحكومات أصبحت أقل قدرة على السيطرة على الأجندات، وأن المواطنين يواجهون نقاط ضعف جديدة.

والعزلة ليست بالخيار الوارد. فلم يعد المحيطان اللذان يطلان على أميركا ضمانة فـعّـالة للأمن كما كانا في الماضي. فعندما قصفت الولايات المتحدة صربيا والعراق في تسعينيات القرن العشرين، لم يكن بوسع سلوبودان ميلوسيفيتش أو صـدّام حسين الرد ضد الأراضي الأميركية. لكن هذا سرعان ما تغير. في عام 1998، أطلق الرئيس بِـل كلينتون صواريخ كروز ضد أهداف لتنظيم القاعدة في السودان وأفغانستان؛ وبعد ثلاث سنوات، قتل تنظيم القاعدة 3000 شخص في الولايات المتحدة (أكثر من الذين قتلوا في الجهوم على بيرل هاربور) بتحويل طائرات مدنية أميركية إلى صواريخ كروز عملاقة.

لكن التهديد ليس ماديا فقط بالضرورة. فشبكات الكهرباء، وأنظمة التحكم في الحركة الجوية، والبنوك معرضة لخطر هجمات إلكترونية يمكن أن تنشأ في أي مكان داخل أو خارج حدود الولايات المتحدة. والمحيطات لن تفيد. فالهجوم السيبراني قد يشن من على بُـعد عشرة أميال أو عشرة ألاف ميل.

والحريات الديمقراطية أيضا، بالإفاضة إلى البنية الأساسية، معرضة للهجمات السيبرانية. في عام 2014، عندما اعترضت كوريا الشمالية على فيلم كوميدي أنتجته هوليود والذي سخر من زعيمها، شنت هجوما سيبرانيا ناجحا هدد حرية التعبير.

يفترض العديد من المراقبين أن شركات التكنولوجيا الضخمة مثل فيسبوك، وجوجل، وتويتر، تشكل أدوات للقوة الأميركية، لأنها نشأت في الولايات المتحدة. ولكن في انتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2016، تمكنت روسيا من استخدام هذه الشركات كأسلحة للتأثير على النتيجة. وقد تقتدي جهات أخرى بها.

تعمل ثورة المعلومات والعولمة على تغيير السياسة العالمية على نحو يعني أنه حتى لو انتصرت الولايات المتحدة في منافسة القوى العظمى، فإنها لا تستطيع تحقيق العديد من أهدافها بالعمل بمفردها. وبصرف النظر عن انتكاسات العولمة الاقتصادية المحتملة، على سبيل المثال، فإن تأثيرات تغير المناخ ــ بما في ذلك أحداث الطقس المتطرفة، وفشل المحاصيل، وارتفاع مستويات سطح البحر ــ ستؤثر على جودة حياة كل البشر، ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تتصدى لهذه المشكلة بمفردها. في عالَـم حيث أصبحت الحدود أكثر نفاذية في تمرير كل شيء من العقاقير والمخدرات غير القانونية والأمراض المعدية إلى الإرهاب، يتعين على الدول أن تستخدم قوتها الناعمة الجاذبة لتطوير الشبكات وبناء الأنظمة والمؤسسات لمواجهة هذه التهديدات الأمنية الجديدة.

تظل الحجة لصالح مبادرة القوى العالمية الرائدة إلى تقديم الزعامة في تنظيم إنتاج السلع العامة العالمية أقوى من أي وقت مضى في هذا العالم "الإقطاعي الجديد". لكن استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2017 لا تتناول هذه التهديدات إلا قليلا، ومن المؤكد أن تصرفات مثل الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية خطوات في الاتجاه الخاطئ.

كما يلخص خبير التكنولوجيا ريتشارد دانزنج المشكلة، فإن "تكنولوجيات القرن الحادي والعشرين عالمية، ليس فقط في توزيعها، بل وأيضا في عواقبها. ومن الواضح أن مسببات الأمراض، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وفيروسات الكمبيوتر، والإشعاع الذي قد يطلقه آخرون عن طريق الخطأ، كل هذا من الممكن أن يصبح مشكلتنا بقدر ما هو مشكلتهم. ولابد من ملاحقة أنظمة الإبلاغ المتفق عليها، والضوابط المشتركة، وخطط الطوارئ المشتركة، والمعايير، والمعاهدات كوسيلة لإدارة المخاطر المشتركة العديدة". ومن غير الممكن أن تحل التعريفات والرسوم والجدران هذه المشاكل.

في بعض مجالات المنافع العامة العسكرية والاقتصادية، من الممكن أن تقدم القيادة الأميركية الأحادية جزءا كبيرا من الحل. على سبيل المثال، يشكل سلاح البحرية الأميركي أهمية بالغة في الدفاع عن حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، وفي ظل الركود العالمي الحالي يضطلع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالدور الحاسم الداعم للاستقرار كملاذ أخير للإقراض.

ولكن في قضايا أخرى، يستلزم النجاح التعاون من قِـبَل آخرين. كما أزعم في كتابي بعنوان "هل تشكل الأخلاق أي أهمية؟"، فإن بعض جوانب القوة في هذا العالم الجديد تشكل مباراة محصلتها إيجابية. فلا يكفي أن نفكر من منظور قدرة الولايات المتحدة على فرض قوتها على الآخرين، بل يتعين علينا أن نفكر أيضا من منظور القدرة على إنجاز أهداف مشتركة، وهو ما ينطوي على ممارسة القوة مع الآخرين.

يغيب هذا النمط في التفكير عن الحوار الاستراتيجي الحالي. وفي العديد من القضايا العابرة للحدود، من الممكن أن يساعد تمكين الآخرين الولايات المتحدة على إنجاز أهدافها. على سبيل المثال، تستفيد الولايات المتحدة إذا عملت الصين على تحسين كفاءة استخدامها للطاقة وإطلاق كميات أقل من ثاني أكسيد الكربون.

في هذا العالم الجديد، تصبح الشبكات والترابط من المصادر المهمة للطاقة والأمن. وفي عالم يتسم بالتعقيدات المتنامية، تكون الدول الأكثر ارتباطا هي الأقوى. في الماضي، ساعد انفتاح أميركا في تعزيز قدرتها على بناء الشبكات، وصيانة المؤسسات، ودعم التحالفات. السؤال الآن هو ما إذا كان الاتجاه إلى الانفتاح والاستعداد للمشاركة مع العالم ليثبت استدامته في السياسة الداخلية الأميركية.

* جوزيف ناي، سكرتير مساعد وزير الدفاع السابق، وأستاذ في جامعة هارفارد، مؤلف كتاب القوة الناعمة وكتاب مستقبل القوة وكتاب هل انتهى القرن الأميركي؟ و"هل الأخلاق مهمة القادمة"؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق