تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لدى الكثيرين إلى مرآة مشوهة يقيسون من خلالها قيمة ذواتهم. إن قيمة الإنسان الحقيقية تستمد من جوهره وعطائه وقدرته على التعلم، وليست مرهونة بلقطة كاميرا أو مقطع فيديو يخفي وراءه الكثير من التضليل؛ لذا لابد أن يكون المراهق النسخة الأصلية من نفسه لا نسخة باهتة من حياة شخص آخر...

تحت هيمنة الرقمنة التي فرضت سلطتها علينا أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي إحدى نوافذ الإنسان الفعالة لرؤية العالم من زاوية مختلفة، لا لم يتخلف أحد منا في الولوج فيها على مدار اليوم، وبدلاً من أن تكون هذه المنصات وسيلة للتواصل فقط، تحولت لدى الكثيرين إلى (مرآة مشوهة) يقيسون من خلالها قيمة ذواتهم وهذا هو فخ المقارنة.

سيكولوجية المقارنة

بحسب عالم النفس ليون فيستينجر فإن ما يحكم سلوك البشر ويسيرها هي الدوافع الغريزية ومن ضمن الدوافع هو تقييم الإنسان لنفسه، عبر مقارنتها بالآخرين. في الماضي كانت المقارنة محصورة في المحيط القريب (الزملاء، الجيران)، أما اليوم، فنحن نقارن "خلف كواليس" حياتنا الواقعية بـأفضل اللقطات من حياة الآخرين، إذ يرى الإنسان ولا سيما المراهقين صوراً معدلة، لحظات نجاح منتقاة، ورحلات مبهجة، وينسى أن هذه الصور لا تمثل سوى 10% من الحقيقة، بينما تبقى الضغوط والإخفاقات مخفية خلف الشاشات.

كيف يتأثر تقدير الذات؟

عندما يتعرض المراهق لفيض مستمر من الصور "المثالية"، يبدأ العقل الباطن بعقد مقارنة اجتماعية تصاعدية، هذا النوع من المقارنة يولد شعوراً بالدونية والنقص، مما يؤدي إلى تآكل تقدير الذات. حيث تظهر الدراسات النفسية أن الإفراط في متابعة المؤثرين قد يرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب، لأن الطالب يبدأ في ربط قيمته الشخصية بعدد الإعجابات والتعليقات أو بمدى مشابهة حياته لتلك الصور اللامعة.

كيف نحمي المراهقين؟

في سبيل حماية أبنائنا المراهقين أول ما يجب فعله هو توعيتهم بأن ما يرونه ليس حقيقياً بل هو بيع للوهم تمارسه وسائل التواصل والجهات التي تقف خلفه لجر أبناء هذه الفئة إلى ميادين وساحات يريدون عبرها طمس الهوية وتغييب الشخصية والتلاعب بالقيم والمحددات الضابطة لسلوكيات الفرد في المجتمع، سيما المجتمع الإسلامي العربي.

وثاني خطوة هي محاولة التخلص من السموم الرقمية عبر التوقف عن متابعة الحسابات التي تشعرك بالسوء تجاه نفسك، واستبدلها بمحتوى تعليمي أو اجتماعي صحي ينمي لديك مهارات ومعارف تسهل عليك مواجهة متطلبات الحياة والاستعداد لها بصورة ممنهجة وعلمية سيما ونحن نعيش في عصر المتطلبات التي لا تنتهي.

وثالث الخطوات لتحصين أبنائنا المراهقين من خطر المقارنة محاولة تعليمهم الامتنان للواقع الذي يعيشون فيه، فبدلاً من تضييع الوقت على مشاهدة إنجازات الآخرين الوهمية التي تقدمها وسائل التواصل والتي تستهلك القوى النفسية له، يفضل أن يتعلم التركيز على أهدافه وإلى أين يريد أن يصل بعد سنوات الدراسة أو فلنسمها فترة البناء الذاتي، حيث هذه الفترة لا يعوض الإخفاق فيها فحياة الإنسان بنسبة كبيرة تقوم على أساس الإعداد الجيد لها.

ورابع الخطوات من الأهمية بمكان أن يركز الأهل على المدح على الجهد لا النتيجة، فعندما يُمتدح المراهق على "ذكائه" أو جماله أو إنجازه فإن هذا يجعله يحاول التمسك بها وعدم فقدانها لأنه يشعر حيال ذلك بالثقة بالنفس، وعندما نمتدحه على إصراره أو طريقة تفكيره فإن الوالدين يعززون لديه عقلية النمو فيسلك كل الطرق التي من شأنها أن تبقي صورته متوهجة في عينه وفي عيون الآخرين من حوله.

الخلاصة

إن قيمة الإنسان الحقيقية تستمد من جوهره وعطائه، وقدرته على التعلم، وليست مرهونة بلقطة كاميرا أو مقطع فيديو يخفي وراءه الكثير من الغش والخداع والتضليل، ولابد أن يكون الإنسان النسخة الأصلية من نفسه ولا يكون نسخة باهتة من حياة شخص آخر.

اضف تعليق