الطقس لا يقتصر على كونه ظاهرة جوية خارج حدود الجسد، بل هو عامل ديناميكي يتفاعل مع الجهاز العصبي، ويؤثر على الحالة المزاجية، ويتدخل غالباً بطرق غير واعية في تشكيل العتبات العاطفية للإنسان. ووفق فرضية الحرارة، فإن الضيق والانزعاج الجسدي الناتجين عن القيظ يتحولان إلى طاقة غضب كامنة تكون على استعداد للانفجار...
جميعنا قد يعاني من ذات المشكلة التي تطفو الى السطح مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف اللاهب سيما في العراق، ففي أشهر هذا الفصل نعاني ربما جميعنا تغيرات مزاجية وسلوكيات لافتة للانتباه حيث نلاحظ اننا في الشوارع وفي بيئات العمل وحتى داخل البيوت تصاعداً ملحوظاً في حدة الطباع، وسرعة في الاستثارة، وميلاً متزايداً نحو النزاع والمشاحنات لأسباب قد تبدو في ظروف أخرى تافهة أو عابرة.
ولأننا نمر اليوم بهذا بفصل الصيف ومع حدوث مشاجرات ومشكلات سلوكية اجتماعية ذات أصول نفسية رأينا من المهم الخوض في الأسباب النفسية التي تدفع الانسان الى العصبية وسرعة الاستثارة وغيرها من السلوكيات التي لم تشاهد في باقي أيام وفصول السنة، فماهي العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة وهذه السلوكيات، وماهي انعكاسات هذا التأثير؟، وكيف نتعامل مع هذه الازمة لئلا نقع في المحظور لا سامح الله؟
لطالما اعتبر الإنسان المناخ والطقس اطاراً خارجياً محيطاً بحياته، يتحكم في اختياراته المتعلقة بالملبس وطبيعة نشاطه الاقتصادي ومع ذلكفإن التعمق في النفس البشرية يكشف أن الصلة بين الإنسان وبيئته أعمق بكثير من مجرد تكيف مادي، فالطقس لا يقتصر على كونه ظاهرة جوية خارج حدود الجسد، بل هو عامل ديناميكي يتفاعل مع الجهاز العصبي، ويؤثر على الحالة المزاجية، ويتدخل غالباً بطرق غير واعية في تشكيل العتبات العاطفية للإنسان.
من الواقع:
انا شخصياً من الذين لا يفضلون فصل الصيف لكوني اعاني من العصبية المفرطة سيما في التعاملات الخارجية، (خارج المنزل)، وهو ما يجعلني أحاول قدر الإمكان ان ابتعد عن التسوق في النهار على سبيل المثال لكون الغش في التعاملات وسوء كلام بعض الباعة يستفزني وقد يصل بي الحال الى الدخول معه بشجار او يرتفع صوتي مما يجهدني نفسياً لذا أحاول التسوق في الليل او الابتعاد عن بعض الأشخاص والأماكن التي تجعلني في حالة عصبية.
كيف يسفر علم النفس المشكلة؟
وفق فرضية الحرارة فأن ارتفاع درجات الحرارة يسهم بشكل مباشر في تعزيز المشاعر العدوانية، وزيادة سرعة الاستثارة، وازدياد السلوكيات العنيفة، ووفقاً لهذه النظرية فإن الضيق والانزعاج الجسدي الناتجين عن الحرارة يتحولان إلى طاقة غضب كامنة، تكون على استعداد للانفجار كرد فعل على أي مثير خارجي مما ينتج عنه سلوك انفعالي شديد.
من منظور علم النفس المعرفي لا يتوقف الأمر عند حدود الهرمونات ونبضات القلب، بل يمتد إلى كيفية معالجة العقل للمعلومات وتفسيره للمواقف، وهنا يبرز مفهوم سيكولوجي شهير يُعرف بـ "خطأ عزو الاستثارة"، أو نموذج نقل الإثار، عندما يكون الشخص في بيئة حارة، فإنه يشعر داخلياً بضيق، ووهن، وتسارع في النبض، وتوتر عضلي.
إن السلوكيات الغير طبيعية التي ترافق قيظ الصيف ليست نتاج مجرد انطباعات شخصية أو ملاحظات عابرة، بل هي ظاهرة سيكولوجية أصيلة حظيت باهتمام وافر في مجالات علم النفس البيئي، وعلم النفس الاجتماعي، والعلوم العصبية السلوكية، فقد درس علم النفس المؤديات اليها نفسياً ليتسنى للفرد التعامل معها نفسياً.
كيف نتعامل مع ضغط حرارة الطقس؟
لكي ننجو من الاثار التي يمكن ان تنتج من تعرضنا الى درجات حرارة عالية يجب علينا القيام اتباع استراتيجيات العلاج المعرفي السلوك وإدارة المثيرات وهي كالاتي:
أولى استراتيجيات العلاج المعرفي هي استراتيجية رصد الأفكار التلقائية المشوهة ومحاولة تصحيحها داخلياً، حيث ان الضغط الحراري يضخم الأفكار السلبية فتصبح زحمة السير في نظر أحدنا مؤامرة لتعطيلك، والخطأ البسيط من الآخرين استفزازاً مقصوداً، وهنا يفند العلاج النفسي هذه الأفكار ويفصل المثير (الطقس) عن الحدث (تصرف الآخر).
والاستراتيجية الثانية هي استراتيجية التدريب على تحمل الضيق، اذ تتم مساعدة الفرد على التكيف مع الانزعاج الجسدي المؤقت دون الشعور برغبة ملحة في التخلص منه بطرق غير ملائمة، مثل تفريغ الغضب على الآخرين من حوله لكونهم ليس لهم ذنب في غضب أحدنا بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
والاستراتيجية الثالثة هي استراتيجية هي المراقبة المحايدة التي تتمثل في تدريب النفس على ملاحظة الإشارات الجسدية الأولى للغضب، مثل تسارع التنفس وانقباض الفك، أو الشعور بزيادة الحرارة في البشرة، وكأننا مراقب خارجي يراقب العاصفة دون التورط فيها، هذا النوع من الوعي اللحظي يساعد في الحيلولة دون سيطرة الغضب بشكل تلقائي على تصرفاتنا، وبهذه الاستراتيجيات النفسية يمكن الابتعاد الى حد بعيد عن الاثار السلبية لتأثير درجة الحرارة علينا.



اضف تعليق