ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه مدن 2026. هل ستبقى المدينة ملكًا للسيارة؟ أم تصبح ملكًا للإنسان؟ هل ستكون الأشجار عنصرًا تجميليًا؟ أم بنية تحتية لحماية السكان؟ هل ستظل مياه الأمطار مشكلة يجب التخلص منها؟ أم موردًا يجب تخزينه؟ هل سيبقى الذكاء الاصطناعي أداة للمراقبة؟ أم يتحول إلى وسيلة لحماية حياة الناس؟...
لم تعد المدينة الحديثة مجرد مساحة تتجمع فيها الأبنية والطرق والأسواق والسكان، فقد أصبحت واحدة من أكثر الجبهات حساسية في المعركة العالمية مع تغير المناخ. وفي عام 2026، لم يعد السؤال: هل ستتأثر المدن بالتغير المناخي؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: أي المدن ستتمكن من التكيف، وأيها ستدفع ثمن تأخرها؟ هذا التحول في السؤال يعكس تغيرًا عميقًا في التفكير الحضري العالمي. فالتغير المناخي لم يعد قضية مرتبطة بالمناطق القطبية أو الجزر المهددة بارتفاع مستوى البحر، وإنما أصبح حاضرًا في قلب المدن عبر موجات الحر، والفيضانات المفاجئة، وشح المياه، وتلوث الهواء، والحرائق، وتراجع جودة الحياة.
وفي أحدث تقاريرها لعام 2026، وضعت منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية السكن في قلب تقييمها للتقدم نحو الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، مؤكدة أن معالجة أزمة السكن والمستوطنات غير الرسمية والقدرة على الصمود الحضري أصبحت عناصر أساسية لتحقيق المدن المستدامة. وتكشف بيانات الأمم المتحدة الجديدة عن تحول لافت؛ إذ أصبحت المدن حاضرة بقوة أكبر في الخطط المناخية الوطنية. فقد وجد تقرير Urban Content in NDC 3.0 الصادر عام 2026 أن 80% من الخطط الوطنية الجديدة للمساهمات المناخية تتضمن محتوى حضريًا متطورًا، مقابل 49% في الدورة السابقة، فيما تتضمن قرابة ثلاثة أرباع هذه الخطط آليات تنفيذ حضرية ملموسة. وهكذا بدأت المدينة تتحول من مجرد ضحية لتغير المناخ إلى فاعل رئيس في صناعة الحل المناخي.
الحرارة تعيد رسم خريطة المدن
ربما يكون أخطر ما كشفه عام 2026 أن الحرارة لم تعد مجرد ظاهرة موسمية، وإنما أصبحت معيارًا جديدًا للحكم على قدرة المدينة على الاستمرار. دراسة حديثة لجامعة أكسفورد، نشرت في يوليو 2026، قيّمت مخاطر الحرارة الشديدة في 205 من أكبر مدن العالم، ولم تكتفِ بدرجات الحرارة وحدها، وإنما جمعت بين مستوى التعرض للحرارة، وهشاشة السكان، وقدرة المدن على التعامل معها. وكانت النتيجة لافتة: تستحوذ مدن في الهند وباكستان ونيجيريا وغانا على عدد كبير من أعلى مستويات المخاطر، فيما يقع أكثر من 95% من المدن الأكثر تعرضًا للمخاطر العالية في جنوب وجنوب شرق آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء. وهنا يتغير مفهوم التخطيط الحضري.
فالمدينة التي تبني ملايين الأمتار المربعة من الإسمنت من دون حساب حركة الهواء والظل والأشجار والمياه تصبح أكثر سخونة من محيطها. والشارع الذي كان يُصمم أساسًا لاستيعاب السيارات يجب أن يعاد التفكير فيه بوصفه فضاءً للإنسان أيضًا. وفي الولايات المتحدة، أظهر تحليل حديث لمدنها الكبرى أن سكان أكبر 65 مدينة أمريكية يتعرضون في المتوسط إلى حرارة إضافية تقارب 8 درجات فهرنهايت بسبب البيئة العمرانية، نتيجة تأثير الجزر الحرارية الحضرية. وهذا يعني أن مكافحة الحرارة لم تعد تتعلق فقط بخفض الانبعاثات العالمية، وإنما أصبحت أيضًا مسألة تصميم محلي: أين نزرع الأشجار؟ أين نضع الظلال؟ كيف نصمم الأسطح؟ أين نوفر أماكن التبريد؟ وكيف نعيد توزيع الفضاء العام؟
كراتشي.. حين تكشف الأمطار هشاشة المدينة
في كراتشي الباكستانية، تتداخل أزمة الحرارة مع المياه والفيضانات والنمو السكاني والبنية التحتية. وفي يوليو 2026، كشفت أولى أمطار الرياح الموسمية عن استمرار هشاشة المدينة؛ إذ أدت الأمطار إلى تجمع المياه في مناطق منخفضة وانقطاعات في الكهرباء، وأعادت إلى الواجهة مخاوف الفيضانات الحضرية مع استمرار موسم الأمطار. لكن المشكلة أعمق من عاصفة مطرية. فالمدينة التي تعاني من نقص المياه في موسم الجفاف يمكن أن تعاني في الوقت نفسه من الفيضانات أثناء الأمطار. وهذه المفارقة تكشف فشل النموذج التقليدي لإدارة المياه: الماء الذي تبحث عنه المدينة في وقت، يصبح خطرًا عليها في وقت آخر.
الحل المستقبلي لا يكمن في الإسراع بتصريف مياه الأمطار بعيدًا عن المدينة فقط، وإنما في بناء مدينة قادرة على الاحتفاظ بجزء من المياه وإعادة استخدامها، من خلال الخزانات الحضرية، والأسطح النفوذة، والمناطق الرطبة، والحدائق التي تعمل كإسفنجات طبيعية، وشبكات الصرف الذكية.
جوهانسبرغ.. أزمة المياه تتحول إلى أزمة عدالة
وفي جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، تظهر مشكلة مختلفة: المياه موجودة في المنظومة، لكن جزءًا كبيرًا منها يضيع قبل أن يصل إلى السكان. فبحسب تقرير حديث، تفقد المدينة نحو 655 مليون لتر من المياه يوميًا بسبب قدم الشبكات وتسرباتها، أي أكثر من ثلث إمداداتها، فيما تعاني بعض الأحياء من انقطاعات طويلة الأمد. وقد دفع ذلك الأسر الأكثر ثراءً إلى حفر الآبار وتركيب أنظمة مستقلة، وهو ما يزيد بدوره من الفجوة بين السكان ويضعف قدرة المدينة على تمويل إصلاح شبكاتها العامة. هذه ليست قصة مياه فقط. إنها قصة عدالة حضرية.
فالمدينة المستدامة لا يمكن أن تكون مدينة يمتلك فيها الأغنياء القدرة على شراء حلول فردية، بينما ينتظر الفقراء صهاريج المياه. وعندما تتحول البنية التحتية إلى خدمة يحصل عليها السكان بحسب قدرتهم الاقتصادية، فإن الاستدامة تفقد جوهرها الاجتماعي.
نيودلهي.. الهواء بوصفه بنية تحتية
في نيودلهي، لا تحتاج الأزمة إلى فيضان أو عاصفة كي تصبح مرئية؛ يكفي أن يخرج الإنسان إلى الشارع. وتستمر العاصمة الهندية في مواجهة مشكلة تلوث الهواء، مع بقاء الجسيمات الدقيقة PM2.5 أحد أهم مصادر القلق الصحي والبيئي فيها. وتظهر بيانات جودة الهواء خلال 2026 استمرار التفاوت الكبير في مستويات التلوث داخل المدينة وبين محطات الرصد المختلفة. غير أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقوم على منع السيارات في يوم، أو إغلاق المدارس في يوم آخر، ثم انتظار تحسن الطقس.
المدينة النظيفة تحتاج إلى منظومة متكاملة: نقل عام فعال، ومركبات منخفضة الانبعاثات، وإدارة للنقل الثقيل، وضبط للمصادر الصناعية، ومعالجة للمخلفات الزراعية، وزيادة الغطاء النباتي، وبيانات آنية تسمح بتحديد مصدر التلوث بدل الاكتفاء بقياس نتائجه. لقد أصبح الهواء نفسه جزءًا من البنية التحتية للمدينة، مثل الماء والكهرباء والطرق.
باريس.. عندما تصبح الدراجة جزءًا من التخطيط الحضري
في باريس، تتخذ الاستدامة شكلًا أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية. ففي يوليو 2026 أعلنت بلدية باريس استمرار توسعة شبكة مسارات الدراجات، مع افتتاح مسارات جديدة وإعادة تأهيل تقاطعات لتحسين سلامة المشاة وراكبي الدراجات. وتشير بيانات مرصد التنقل في باريس إلى ارتفاع استخدام مسارات الدراجات بنسبة 11.2% في الربع الثاني من 2025، فيما أصبحت الدراجات تمثل 11.2% من التنقلات داخل المدينة، مقارنة بأقل من 5% قبل جائحة كورونا. لكن أهمية باريس لا تكمن في الدراجات وحدها. الفكرة الأهم هي إعادة تعريف المسافة بين الإنسان وحاجاته.
فالمدينة التي يستطيع فيها السكان الوصول إلى العمل والخدمات والتعليم والمتاجر والمساحات الخضراء خلال مسافات قصيرة تقل حاجتها إلى السيارة، وبالتالي تقل الانبعاثات والازدحامات والضوضاء. وتشير دراسة أكاديمية حديثة في 2026 حول نموذج مدينة الـ15 دقيقة في باريس إلى وجود ارتباط بين ارتفاع توفر الخدمات المحلية وانخفاض الاعتماد على السيارات في الرحلات القصيرة، مع اختلاف النتائج بين المناطق الاجتماعية والجغرافية للمدينة. وهنا يصبح التخطيط المستدام أكثر من مجرد مشروع بيئي؛ إنه إعادة تنظيم للزمن الذي يعيشه الإنسان داخل المدينة.
سنغافورة.. عام 2026 هو عام التكيف المناخي
اختارت سنغافورة أن تجعل عام 2026 عام التكيف المناخي، في إشارة واضحة إلى انتقال الاهتمام من مواجهة أسباب تغير المناخ فقط إلى الاستعداد لآثاره التي أصبحت واقعًا قائمًا. وتعمل الحكومة على مراجعة إجراءات التكيف في مجالات الحرارة، والسواحل والفيضانات، والمياه والغذاء، كما أطلقت حزمة بقيمة 5 ملايين دولار سنغافوري لدعم مشروعات مجتمعية للتكيف المناخي خلال الفترة من مايو 2026 إلى أبريل 2028.
وتستمر سنغافورة في مشروعها طويل المدى لتحويل الدولة إلى مدينة في الطبيعة، مع خطط لإضافة نحو مليون شجرة بحلول 2030، وتوسيع حدائق الطبيعة، وتقريب المساحات الخضراء من السكان. هذه التجربة تقدم درسًا مهمًا: المدينة المستدامة لا تنتظر الكارثة حتى تبدأ بالتكيف.
بوغوتا.. السكن والنقل والبيئة في مشروع واحد
ومن أميركا اللاتينية تأتي بوغوتا الكولومبية بنموذج مختلف نسبيًا. فالمدينة التي يتجاوز عدد سكان منطقتها الحضرية 11 مليون نسمة تحاول دمج السكن المستدام مع النقل والسياسات البيئية. وفي عام 2025 حصل 61% من مساحة التطويرات السكنية الجديدة البالغة 3.4 ملايين متر مربع على شهادات للمباني الخضراء، فيما تضم المشروعات الحاصلة على شهادة EDGE نحو 110 آلاف وحدة سكنية، من بينها 85,600 وحدة سكنية اجتماعية.
وفي النقل، تعتمد المدينة على شبكة TransMilenio وعلى نحو 1,500 حافلة كهربائية وأكثر من 630 كيلومترًا من مسارات الدراجات. والأهم أن التجربة تحاول عدم فصل البيئة عن العدالة الاجتماعية؛ إذ يجري العمل أيضًا على تحسين المساكن القائمة بدل الاكتفاء ببناء أحياء جديدة. وهذا يقود إلى قاعدة مهمة: لا يمكن بناء مدينة مستدامة إذا اضطر الفقراء إلى السكن بعيدًا عن العمل والخدمات بسبب ارتفاع أسعار المساكن الخضراء.
روما.. إنقاذ الحي القديم من الحرارة
وفي روما، لا تتوقف الاستدامة عند الأبنية الجديدة. فمشروع إعادة تأهيل منطقة كورفيالي، وهي مجمع سكني اجتماعي ضخم يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، يجمع بين تحديث المباني وتحسين كفاءتها الطاقية وإعادة تصميم المساحات الخضراء وإنشاء ملاذات مناخية للسكان. ويحصل المشروع، المدعوم من التمويل الأوروبي، على استثمارات تبلغ نحو 58 مليون يورو، ويستهدف قرابة 4,500 نسمة.
كما يتضمن زراعة آلاف الأشجار وإعادة تأهيل الحدائق وتحويل مكتبة محلية إلى مساحة ملائمة للتعامل مع الحرارة. وهنا تظهر فكرة مهمة جدًا لمستقبل المدن العربية: الاستدامة ليست دائمًا بناء مدينة جديدة؛ أحيانًا يكون الحل في إنقاذ المدينة القائمة.
لندن.. الأشجار لم تعد زينة
في لندن، تتزايد أهمية الأشجار والمساحات الخضراء باعتبارها جزءًا من البنية التحتية المناخية. وفي صيف 2026، أظهرت تقارير محلية أن المساحات الواقعة تحت ظلال الأشجار يمكن أن تكون أبرد بفارق كبير من الأسطح المكشوفة، في وقت تتعرض فيه بريطانيا لموجات حرارة وضغوط متزايدة على المياه.
وفي مشروع لإعادة تطوير Grosvenor Square في لندن، جرى إدخال المساحات الخضراء والأراضي الرطبة وتحسين تصريف التربة بما يسمح للموقع باستيعاب ما يصل إلى 1.4 مليون لتر من مياه الأمطار، وتحويل المساحة من مجرد ميدان حضري إلى جزء من منظومة التكيف المناخي. وهنا يتحول مفهوم الحديقة: ليست حديقة فقط. إنها خزان مياه، ومبرد طبيعي، وموطن للتنوع الحيوي، ومجال اجتماعي، وأداة صحية في الوقت نفسه.
الصين.. عندما تصبح الأمطار اختبارًا للمدن
وفي الصين، تواجه مدن الشمال خلال موسم الأمطار في 2026 مخاطر متزايدة من الأمطار الغزيرة والسيول والفيضانات الحضرية. وحذرت السلطات وخبراء المناخ من ارتفاع معدلات الأمطار في أجزاء من شمال الصين خلال موسم الفيضان، مع توقعات بزيادة تتراوح بين 20% و50% عن المعدلات المعتادة في بعض المناطق، وسط تغير في أنماط توزيع الأمطار يرتبط بتغير المناخ.
وهذا النوع من الأحداث يفرض إعادة النظر في مفهوم المدينة الإسفنجية؛ فالمدينة المستقبلية يجب ألا تتعامل مع المطر باعتباره شيئًا يجب التخلص منه بسرعة، وإنما موردًا يجب استيعابه وتخزينه وإعادة استخدامه.
أوروبا.. صيف 2026 يختبر المدن
وفي أوروبا، جاء صيف 2026 ليضع قدرة المدن على التكيف أمام اختبار قاسٍ. فقد سجل غرب أوروبا في يونيو 2026 أكثر أشهر يونيو حرارة على الإطلاق وفق بيانات كوبرنيكوس، مع موجات حر قوية وارتفاع مخاطر الحرائق والجفاف. وفي أغسطس، اجتاحت الحرائق مناطق سياحية في كرواتيا وألمانيا وفرنسا واليونان، وأدت إلى عمليات إجلاء وإصابات، فيما تزامنت الحرائق مع موجات حرارة وجفاف شديدين.
كما تعرضت أجزاء واسعة من أوروبا لموجة حر شديدة خلال أغسطس، مع تجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية في مناطق عديدة، وتسجيل أرقام قياسية في دول أوروبية، بينما تراجعت مستويات المياه في بعض الأنهار وأصبحت إمدادات المياه والتبريد قضية استراتيجية. لقد أصبح واضحًا أن المدينة الأوروبية نفسها دخلت عصر المناخ المتطرف.
المغرب.. الماء يدخل قلب التخطيط الحضري
وفي المغرب، تزامنت موجات حر متكررة خلال 2026 مع تصاعد المخاوف بشأن المياه. وشهدت البلاد أربع موجات حر خلال ثلاثة أشهر، مع درجات حرارة قاربت 50 درجة مئوية في بعض المناطق، بينما أدى استمرار الجفاف إلى زيادة الضغوط على الموارد المائية.
وتعمل المغرب على مشاريع لتحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف وبناء السدود، لكن التحدي الأكبر يكمن في إدارة الطلب على المياه، خصوصًا في ظل ارتفاع الاحتياجات الزراعية. وتحمل التجربة المغربية رسالة مهمة للمدن التي تواجه أزمة مياه: لا يكفي البحث عن مصادر مياه جديدة إذا استمر نمط الاستهلاك القديم.
من المدينة الخضراء إلى المدينة القادرة على الصمود
هذه التجارب المتباعدة جغرافيًا تكشف أن مفهوم «المدينة المستدامة» نفسه يتغير. في الماضي، كانت الاستدامة تعني غالبًا: شجرة أكثر، سيارة أقل، ومبنى موفر للطاقة. أما في 2026، فقد أصبح المفهوم أكثر تركيبًا: مدينة قادرة على تحمل الحرارة، وتخزين المياه، وإدارة الفيضانات، وتوفير السكن، وتقليل التلوث، وتأمين الطاقة، وحماية الفئات الهشة، وتحسين النقل، واستخدام البيانات، والاستجابة السريعة للكوارث.
ولهذا تؤكد الأمم المتحدة في استراتيجيتها الحضرية الجديدة على الترابط بين السكن والتخطيط والأرض والخدمات الأساسية والعمل المناخي والقدرة على الصمود.
الذكاء الاصطناعي يدخل المدينة
التحول الجديد لن يكون بيئيًا فقط، وإنما رقميًا أيضًا. فالذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى عمليات إدارة المدن، من تحليل حركة المرور إلى مراقبة استهلاك المياه والتنبؤ بالفيضانات ورصد الجزر الحرارية وتحسين إدارة النفايات. وقد أظهرت تجارب سابقة في مدن مثل هيوستن وسنغافورة استخدام التوائم الرقمية وأدوات رقمية متقدمة لمراقبة المياه الجوفية وإدارة الحرارة والتلوث والنفايات.
وفي 2026 تتجه الأبحاث أكثر نحو استخدام البيانات الدقيقة لرصد كيفية تغير حركة السكان أثناء موجات الحر؛ فقد استخدمت دراسة حديثة بيانات اتصالات واسعة النطاق لرصد أكثر من 100 مليون نقطة بيانات في عشر مدن ألمانية، بهدف معرفة أين يتجمع السكان وأين تنخفض الحركة أثناء فترات الحرارة. وهذا يعني أن المدينة المستقبلية قد لا تنتظر وصول موجة الحر لكي تتصرف، وإنما يمكنها أن تتوقع المناطق الأكثر تعرضًا للخطر وتعيد توزيع خدمات التبريد والنقل والمساعدة قبل وصول الذروة.
ولكن.. هل تكفي التكنولوجيا؟
هنا تكمن المشكلة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بالفيضانات، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح شبكة صرف متهالكة. ويمكن للطائرة المسيّرة أن تكشف البقع الساخنة في المدينة، لكنها لا تستطيع وحدها زراعة الأشجار. ويمكن للمدينة أن تمتلك آلاف أجهزة الاستشعار، لكنها ستظل غير مستدامة إذا كانت خدماتها الأساسية غير عادلة.
ولهذا فإن الاستدامة الحقيقية تحتاج إلى ثلاثة مستويات تعمل معًا: التكنولوجيا + البنية التحتية + الإنسان. فإذا غاب أحدها أصبحت المدينة أكثر ذكاءً من دون أن تصبح أكثر قدرة على الحياة.
المدينة المستدامة.. مشروع للعدالة قبل أن تكون مشروعًا للبيئة
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الاستدامة إلى رفاهية للأغنياء. حي أخضر محاط بالأسوار لا يصنع مدينة مستدامة. ومبنى ذكي وسط أحياء محرومة من المياه لا يصنع مستقبلًا حضريًا مستدامًا. وسيارة كهربائية في مدينة تعاني من ازدحام خانق ليست حلًا كاملًا. والمدينة التي تحمي مركزها التجاري من الفيضانات بينما تترك الأحياء الفقيرة تغرق لا يمكن وصفها بالمرنة.
لهذا أصبح السكن الملائم، والنقل العام، والمياه، والمساحات الخضراء، وجودة الهواء، والعدالة في توزيع الخدمات جزءًا من مفهوم الاستدامة نفسه.
من يملك مدينة الغد؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه مدن 2026. هل ستبقى المدينة ملكًا للسيارة؟ أم تصبح ملكًا للإنسان؟ هل ستكون الأشجار عنصرًا تجميليًا؟ أم بنية تحتية لحماية السكان؟ هل ستظل مياه الأمطار مشكلة يجب التخلص منها؟ أم موردًا يجب تخزينه؟ هل سيبقى الذكاء الاصطناعي أداة للمراقبة؟ أم يتحول إلى وسيلة لحماية حياة الناس؟ وهل سيكون السكن المستدام امتيازًا للأغنياء؟ أم حقًا حضريًا للجميع؟
إن المدن التي تستعد لهذه الأسئلة اليوم ستكون أكثر قدرة على مواجهة الغد. أما المدن التي تواصل بناء الطرق والأبراج والمجمعات السكنية بالطريقة القديمة، ثم تنتظر من الطبيعة أن تتكيف معها، فقد تجد نفسها أمام حقيقة مختلفة تمامًا: المشكلة لم تعد أن المناخ يتغير، وإنما أن المدينة التي لا تتغير معه قد تصبح غير صالحة للحياة.
ومن هنا فإن المدينة المستدامة في 2026 ليست المدينة التي تبدو خضراء في الصور، وإنما المدينة التي تستطيع أن تبقى حية عندما تصبح الحرارة أشد، والمياه أقل، والأمطار أكثر تطرفًا، والهواء أكثر تلوثًا، والموارد أكثر ندرة. إنها المدينة التي لا تكتفي بإدارة حاضرها، وإنما تعيد تصميم حاضرها حتى لا يتحول مستقبلها إلى أزمة.
وفي هذا السياق، ترصد شبكة النبأ المعلوماتية تجارب المدن وتحولاتها البيئية، لا باعتبارها أخبارًا متفرقة، وإنما بوصفها مختبرات مفتوحة يمكن من خلالها قراءة شكل المدينة التي سيعيش فيها الإنسان خلال العقود المقبلة.



اضف تعليق