ما وصل إليه مجالنا العربي من تردي في أوضاعه السياسية والثقافية والاقتصادية، هو من جراء الاستبداد السياسي والتعصب بكل صوره وأشكاله. فالاستبداد يغذي التعصب بشكل مباشر وغير مباشر، والتعصب يشرع لخيار الديكتاتورية والاستبداد وإن بداية إصلاح أوضاعنا، حينما نراجع هذا الواقع، ونطرد منه كل بذور الاستبداد والتعصب...

كثيرة هي الأسئلة والهواجس والتداعيات، التي أثارتها أحداث (11/سبتمبر) على مختلف الصعد والمستويات.. إذ شكلت هذه الأحداث منعطفا خطيرا في مسارات السياسة والاقتصاد، وصدمت الثقافة بالعديد من الأسئلة الجوهرية والعميقة، والتي تتطلب إجابات صريحة تخرجنا جميعا من حالة المراوحة في المكان والشيزو فرينيا، بحيث نقرأ هذه الأحداث، ونستجيب إلى الخلاصات والنتائج..

فلا ريب أن ما حصل في نيويورك وواشنطن، أحدث صدمة للعالم بأسره، وسنبقى جميعا نعيش تأثيرات وتداعيات هذا الحدث - الصدمة لفترة زمنية طويلة.. بمعنى أن ما جرى بعد ذلك في أفغانستان وشن حرب كونية على الإرهاب، ليس هو من تأثيرات الحدث، بل هو ردة الفعل الأولى والسريعة على ما جرى..

لذلك فإن الكثير من التطورات والتحولات القادمة على أكثر من صعيد في العالم، ستكون وليدة التأثيرات المترتبة على هذا الحدث الضخم. وبالتالي فإننا أمام تحولات جديدة وواقع مغاير للسابق، لا يمكن التعامل معهما بالعقلية السابقة أو بمسلمات الزمن السالف، وإنما تستوجب رؤية جديدة وأولويات جديدة وحسابات معاصرة، تأخذ في الاعتبار كل المتواليات التي ترتبت علينا جميعا من جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر. والولايات المتحدة الاميركية كما يبدو من مواقفها وسياساتها الإقليمية والدولية الجديدة، تعمل على أن يدفع الجميع ثمن هذا الحدث الذي هز استقرارها وأذل كبرياءها وأدخلها في حسابات جديدة على مختلف الصعد والمستويات.. لذلك فإن ما حدث يعد زلزالا ضخما، لن ينجو أحد من تداعياته وتأثيراته.

وبدون أدنى شك فإن أحداث سبتمبر، جعلتنا أمام أسئلة وتحديات جديدة، ونحن بحاجة إلى مواجهة صريحة لأسئلتنا وتحدياتنا حتى يتسنى لنا ترتيب أوضاعنا وأحوالنا من جديد، وبما ينسجم وتطورات العالم وتحولاته.

فلا ريب أن تترك هذه الأحداث تأثيراتها على المشهد الثقافي العربي والإسلامي، وذلك باعتبار أن الجهة التي قامت بعملية أحداث (11 سبتمبر) جهة دينية ودافعت عن عملها من منطلق ديني وعقائدي بوصفها حربا ضد المشركين والكفار.

وفي تقديرنا أنه بصرف النظر عن الفاعل الحقيقي، فإن ما حدث أدخل المنطقة العربية والإسلامية على حافة الانفجار أو الهاوية. لذلك نحن بحاجة إلى قراءة عميقة للحدث، للتعرف على أسبابه الحقيقية، وحوامله وحواضنه الثقافية والسياسية والاجتماعية، وكيف نرتب أمورنا بحيث لا يتكرر الحدث ـ الكارثة. و"بهذا المعنى قد تكون أحداث أيلول وما تلاها من تداعيات كوارث لا يمكن دفعها أو معالجة آثارها عند من يستسلم ويلقي سلاحه الفكري. ولكنها تشكل تحديا وفرصة لاشتقاق الامكان عند من يرى الوجه الآخر للمسائل ويعرف كيف يتغير في ضوء المتغيرات، بحيث يتعلم ويستفيد، أو يقتني ويزداد خبرة ومراسا بالنقد والفحص بالمراجعة والمحاسبة، بالدرس والتحليل، بالابتكار والتأليف. لكي يعيد أو يسهم عبر خلق الحقائق في إعادة رسم خريطة الواقع وعلى نحو يكون أكثر عقلنة وتوازنا أو أقرب إلى المصالح والتسوية ". (1)

زمن المراجعة:

وإن قراءة الحدث قراءة عميقة وموضوعية، تقتضي الدخول والانخراط في مشروع المراجعة الجادة لأوضاعنا وأحوالنا، التي أفرزت بشكل أو بآخر هذه التوترات والأحداث.. فلا يمكن أن تكون أوضاعنا بخير، ولعلنا نرتكب الخطيئة الكبرى، حينما نتعامل مع هذا الموضوع بطريقة اعتيادية وطبيعية.. إن ما جرى بصرف النظر عن أحكام القيمة تجاهه، يحملنا مسؤولية كبرى في صدد فحص خياراتنا، ومعاودة النظر في مناهجنا السياسية والثقافية والتعليمية، ومراجعة عقلياتنا وأولوياتها الملحة.. وإن هذا ليس من أجل الخضوع للشروط القادمة من الخارج، وإنما هو لضرورات وطنية وداخلية، كشفت عنها هذه الأحداث، وتجلت من جراء ذلك ضروراتها ولوازمها على الصعد كافة..

وإننا ينبغي في هذا الصدد، أن نتعامل مع ما جرى، باعتباره كارثة حلت بنا جميعا، وإن دفن رؤوسنا في الرمال، لن يغير من أحوالنا أو يطور من أوضاعنا.. وحدها المكاشفة الجادة والمراجعة الصريحة، هي التي تعيد لنا توازننا الذي فقدناه في هذه الأحداث والتحولات..

وعديدة هي الأسئلة المحورية، التي تبرز في واقعنا، وتتطلب من جميع النخب والشرائح والاتجاهات، شجاعة كافية للإجابة عليها..

فالتطرف والأرهاب لم يبدأ في واشنطن ونيويورك، وإنما هذه الأحداث، أبانت أن هناك فكرا متطرفا، نما وترعرع في الداخل العربي والإسلامي، ومارس دوره في المزيد من تفتيت الأمة وتمزيقها، حتى وصل عبر لوازم ومتواليات محددة إلى تلك الكارثة الكبرى. كما أن الاستبداد السياسي والقمع المتواصل بحق الأحرار وصناع الوعي والمعرفة، هو الذي ساهم في مضاعفة الاختناقات ومفاقمة الأزمات.. وبفعل هذه العلاقة المشؤومة بين الاستبداد والتعصب، تأزمت أوضاعنا وتدهور اجتماعنا، وتراجعت فرص النجاح في التنمية والتسيير الإداري، ووصل الجميع إلى الحافة..

ولا نبالغ حين القول: إن ما وصل إليه مجالنا العربي من تردي في أوضاعه السياسية والثقافية والاقتصادية، هو من جراء الاستبداد السياسي والتعصب بكل صوره وأشكاله. فالاستبداد يغذي التعصب بشكل مباشر وغير مباشر، والتعصب يشرع لخيار الديكتاتورية والاستبداد.. وإن بداية إصلاح أوضاعنا، هي حينما نراجع هذا الواقع، ونطرد منه كل بذور الاستبداد والتعصب.

فأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ليست سببا وإنما نتيجة طبيعية ومولود شرعي وطبيعي للتحالف المشؤوم بين الاستبداد والتعصب. وإن زمن المراجعة الشاملة، لأحوالنا وأوضاعنا في العالمين العربي والإسلامي، يقتضي الوقوف بحزم ضد الاستبداد الذي ألغى حيوية مجتمعاتنا، وزرع فينا الخوف من كل شيء. وضد التعصب الذي مزق مجتمعاتنا وفتتها بعناوين مختلفة، وأدخلنا في حروب عبثية، تزيد من تدهورنا وتراجعنا على الصعد كافة.

ولا شفاء لنا إلا بنبذ الاستبداد ومحاربة جذوره ومنابته الثقافية والاجتماعية والسياسية، والتحرر من ربقة التعصب ولوازمه النفسية والسلوكية.

وإن إخفاقنا في مشروعات الاستقلال والديمقراطية والتنمية، هو من جراء اختياراتنا الاستراتيجية والسياسية، وإن اتهام الأجنبي في هذا الإخفاق، يخفي حقيقة خوفنا من الاعتراف بدورنا ومسؤوليتنا تجاهه. لذلك فإننا بحاجة أن نعترف وبالخصوص النخب السياسية السائدة، أن هذا الإخفاق هو وليد كسبهم واختياراتهم وممارساتهم. وإن المطلوب ليس التبرير أو اتهام الأجنبي بذلك، وإنما العمل على عدم تكرار واستمرار هذه الإخفاقات.. والبداية تكون من خلال مساءلة واقعنا وفحص خياراتنا على ضوء المكاسب والنتائج، وتطوير الأداء السياسي بما ينسجم وتطلعات المجتمع ومطامح الأمة. وإن مراجعة واقعنا بكل تفاصيله وقضاياه، أضحت ضرورة وطنية قصوى، وسبيل من سبل تقويم الخلل في واقعنا الذي أنتج الكثير من الأزمات والاختناقات.

ضد التعصب:

لعلنا لا نبالغ حين القول: أن الكثير من التوترات والأزمات، هي من جراء عقلية وثقافة التعصب، التي تحارب الآخرين لآرائهم وأفكارهم، وتقصيهم من ممارسة دورهم ومسؤولياتهم بدعوى المغايرة الأيدلوجية، ولا تقيم وزنا لاعتبارات الوطن وضرورات المواطنة. مما رتب على هذه الممارسات والتصرفات، الكثير من الحواجز والأحن والاحقاد في الدوائر الاجتماعية المختلفة. وإننا نرى أن هناك علاقة جوهرية بين ما حدث في واشنطن ونيويورك وحالة التعصب الديني والسياسي. فما جرى هو أحد تجليات عقلية التعصب التي تلغي ما عداها، وتحارب الآخرين بلا هوادة بمختلف الأسلحة والامكانات. وإننا ومن أجل أن لا تتكرر المآسي، بحاجة إلى نبذ جذور التعصب والوقوف بحزم ضد كل أشكال التعصب، التي تشرع لنفسها ممارسة أي شيء لإرضاء نزعاتها المتطرفة..

والتعصب بكل ألوانه وأشكاله حينما يستشري في أي مجتمع، فإنه يفتت وحدته الداخلية والوطنية، ويزرع في نفوس أبناءه الحقد والضغائن، ويفاقم من حالات التوتر والصدام، ويؤسس لحروب أهلية واجتماعية مفتوحة على كل الخيارات والاحتمالات. لذلك فإن الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، بحاجة دائمة إلى محاربة التعصب، والعمل على تشريع القوانين، وإشاعة المعرفة والثقافة، التي تحول دون شيوع هذا المرض السرطاني الخطير. وهذا "مسؤولية اجتماعية لكل ساع إلى الانفتاح بمجتمعه على الدنيا الواسعة، مؤكدا مبدأ التنوع الخلاق في مجتمعه، متسعا بمبدأ الحوار بين الطوائف والفئات والتيارات، مؤصلا قيم التسامح الاجتماعي التي تؤسس لقبول المغايرة وحق ممارسة الاختلاف، كما تسهم في إشاعة حقوق المساواة التي تنقض كل ألوان التمييز العرقي أو الجنسي أو الطائفي أو الطبقي أو الاعتقادي".. (2)

فالتعصب بكل أشكاله، هو تمرد على الاستقرار والسلم المجتمعي، وممارسة مناقضة لمبدأ العدل ومقتضياته، مما يشرع إلى ممارسة الظلم تجاه الآخرين بدون سبب وخلافا لبديهيات الدين التي تؤكد على كرامة الإنسان واحترام وجوده ورأيه وفكره..

إضافة إلى ذلك، فإن التعصب يؤسس لثقافة العنف في المجتمع.. فأي خلاف أو اختلاف، يتحول إلى صراع مفتوح، تستخدم فيه كل أسلحة وأدوات الصراع.. لذلك نجد أن المجتمع الذي تنمو فيه حالات التعصب الديني أو المذهبي أو السياسي، تتضاعف فيه أيضا ممارسات العنف واستخدام القوة الغاشمة في العلاقات الإنسانية.

وعليه فإن التعصب يقود إلى كل الرذائل والتوترات، التي تهدد الاستقرار وتقوض السلم الاجتماعي، وتجعل الواقع مفتوحا على كل المخاطر والتهديدات. فالتعصب يشرع لاستخدام العنف، ودورة العنف تزيد من موجبات الحروب والصراعات المفتوحة. والاستبداد السياسي بدوره أيضا يعمق من خيار التعصب، ويجعله وسيلة المجتمع الوحيدة للحفاظ على كيانه وخصوصياته. كما هو بدوره وعن طريق ممارساته ومواقفه يتيح للعنف أن يبرز كسبيل للدفاع عن الحقوق والمكتسبات. وعن طريق هذا الثالوث الخطر (التعصب- العنف- الاستبداد)، تتحول الحياة إلى جحيم، وتتفاقم كل عوامل التدهور والانحطاط على الصعد كافة. ولا مخرج أمامنا اليوم، إلا بنبذ كل جذور وموجبات هذا الثالوث، لأنه هو الذي أوصلنا إلى الحضيض، وجعلنا جميعا في واقع مزري وخطير، لا تتوفر فيه أدنى شروط العيش الكريم. ولعل أخطر هذه التأثيرات، التي يتركها هذا الثالوث الخطر في الواقع المجتمعي، هو أنه يفقد الجميع حس المواطنة، ويدفعهم إلى الاحتماء بعناوينهم الضيقة، التي تزيد من إهتراء الوطن وتفاقم من مشكلاته الداخلية.

مقاومة التطرف:

لقد بات جليا القول: أن التعصب هو المسؤول الأول عن حالات التشدد والتطرف، التي تهدد مصالح الدول والمجتمعات معا، وتدمر كل أسس السلم الاجتماعي، وتفتح الواقع على مصراعيه لكل الاحتمالات السيئة والسلبية. لذلك فإن مقاومة التعصب والتطرف، أضحت من الضرورات الوطنية والإنسانية القصوى.. ولكن من الأخطاء القاتلة، حينما نعتقد أن الإجراءات الأمنية هي الكفيلة بمقاومة التطرف ودحر مخاطره. حيث إننا نعتقد أن الإجراءات الأمنية المتشددة، لا تنهي التطرف، بل تزيده أوارا واتساعا وتوفر له مبررات إضافية لممارسة العنف والتطرف. فمقاومة التطرف، تتطلب خطة وطنية إصلاحية وسياسية وثقافية، تأخذ على عاتقها إزالة الحواضن الرئيسية والحقيقية لظاهرة التطرف في المجتمع. ومكونات هذه الخطة أو الرؤية الوطنية الجديدة هي:

1. الانخراط في مشروع الإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية، والذي يتجه وبجد نحو معالجة كل جذور ومظاهر الخلل في المسيرة الوطنية، وأدت بشكل أو بآخر في بروز ظاهرة التطرف والتشدد. فمقاومة التطرف تتطلب من النخب السياسية السائدة، الالتفات إلى حقيقة أن هذه الظاهرة الخطيرة والتي تهدد الدولة والمجتمع معا، لا يمكن مجابهتها إلا بإصلاحات سياسية حقيقية، تزيل كل بؤر التوتر والاحتقان، وتبدأ مرحلة وطنية جديدة قوامها توسيع دائرة المشاركة السياسية، وإرساء دعائم نظام سياسي يقوم على التعددية وصيانة الحريات العامة للمجتمع.

2. حماية حقوق الإنسان وصيانتها من كل المخاطر والتهديدات، وعدم الاكتفاء بالقول النظري أو التصريحات الصحفية والإعلامية، وذلك لأن اللوائح القانونية (إن وجدت) بوحدها لا تحمي حقوق الإنسان، ولا تحول دون التعدي عليها. ويبدأ مشروع وحقيقية حماية حقوق الإنسان، بإعادة الاعتبار إلى مفهوم المواطنة والالتزام بمقتضياتها ومتطلباتها القانونية والحقوقية والسياسية. حيث أن مفهوم المواطنة يشرع لجميع المواطنين بدون استثناء وتمييز أن تنظيم أمورهم وتستقر أحوالهم، وينالوا حقوقهم كاملة، طالما إنهم ظلوا على احترامهم للنظام العام في المجتمع والوطن.

3. إصلاح المؤسسات القضائية وتطوير أنظمتها وهياكلها وأداءها، حتى يتسنى لها ممارسة دورها ووظائفها القانونية على أكمل وجه. وذلك لأن الظلم القضائي بكل أشكاله، يساهم في بروز ظاهرة التطرف في المجتمع. فحينما تكون المؤسسات القضائية، خاضعة للسلطة التنفيذية وتمارس وتنفذ ما يطلب منها، حينذاك تزداد حالات الظلم والتجاوز بحق المواطنين. ويتم هذا الظلم والتجاوز بغطاء قانوني. مما يدفع المتضررين من المواطنين، إلى الاعتقاد بغياب المؤسسات الرسمية، التي تحافظ على الحقوق الخاصة والعامة، وتدافع عن العدالة، وتمنع عمليات التجاوز والتعسف من أي مصدر كان. فيبقى خيار التطرف والتشدد وفق المنظور السوسيولوجي، هو الخيار الوحيد لرد الاعتبار أو الحقوق أو الاقتصاص من الظالمين. لذلك فإن تطوير النظام القضائي واستقلاليته ونزاهته، هو أحد المكونات الوطنية الأساسية لمقاومة التطرف في المجتمع، وإزالة جذوره وحوامله السياسية والثقافية والاقتصادية. وإن الشفافية والحوار المتواصل مع قوى المجتمع والوطن المتعددة، يساهم أيضا في إرساء دعائم الاستقرار والسلم الاجتماعي.

4. إشاعة ثقافة التسامح والحوار وحسن الظن والعفو واحترام الرأي الآخر، والعمل على نبذ كل الثقافات التي تشرع للتطرف والعنف. وذلك لأنه لا يمكن أن تقاوم التطرف، إلا بثقافة مجتمعية تعلي من شأن الحوار وتعتبره فريضة اجتماعية وأخلاقية وسياسية، وأنها وسيلة ضبط الاختلافات. وتعتبر التسامح والمساواة وتكافؤ الفرص من الحقائق الاجتماعية التي ترسي دعائم الاستقرار والسلم الاجتماعي.. فالعنف والتطرف ينمو في المجتمع، الذي ترعرع فيه ثقافة التطرف وتسوغ للناس ممارسة الظلم والتمييز تجاه الآخرين بدعوى المغايرة الأيدلوجية أو القومية أو العرقية.. كما أن الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي يسود في المجتمع المتسامح والتواصلي.

وهكذا تتشكل الخريطة الوطنية المطلوبة، لمقاومة التطرف وإصلاح الأوضاع التي تفضي إلى خلق وقائع اجتماعية واقتصادية تزيد من فرص التشدد والتعصب. فالمطلوب هو الانطلاق في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاجتماعية والقانونية، حتى نتمكن جميعا من إنجاز الاستقرار وتثبيت قيم السلم الاجتماعي..

وبإمكاننا أن نكثف مكونات المشروع الإصلاحي المطلوب، في كلمة واحدة وهي العدالة.. فحيثما كانت العدالة، تراجع التطرف وخبا التعصب والعكس بمعنى حينما يسود الظلم والتعسف، تبرز حالات التطرف والتشدد لذلك فإن مقاومة التطرف، تقتضي إرساء دعائم ممارسة العدالة على مختلف المستويات، حتى تنعدم كل موجبات التطرف والتعصب من الواقع المجتمعي. فالعدل وحده ينزع صواعق التطرف وحوامل التعصب.

وعليه فإن الاستبداد السياسي، يفرغ مفهوم المواطنة من مضامينه الحقيقية والجوهرية، والتطرف والتعصب يلغيان القيم والمبادئ الثقافية التي تؤسس لمواطنة فعالة وحقيقية في زمن تتعاظم فيه المنجزات والمكاسب الإنسانية التي تؤكد على هذه القيم، وتعتبر المواطنة هي حجر الأساس في مشروع الاستقرار والتقدم. وذلك لأن هذا المفهوم يتضمن معاني التحرر من ربقة الاستبداد والديكتاتورية والانعتاق من أسر التعصب والتطرف ومتواليا تهما النفسية والسلوكية.

من هنا نجد أن فلاسفة الحكم والسياسة، يعتبرون أن الدول والمجتمعات التي لا تعرف معنى المواطنة، فإن كل شيء فيها من الإنسان إلى الثروات، يكون خاضعا لإرادة المستبد ومصالحه الضيقة. ولعل في مقولة (جان جاك روسو) التالية إشارة إلى هذه الحقيقة. إذ يقول: "الشعب إما مجموع المواطنين المشتركين في السيادة، أو مجموع الرعايا ممن لا يسهمون في إدارة شؤون الدولة".. حيث يلتهم المستبد كل المنافع والخيرات، ويتعامل معها وكأنها ملكا خاصا به..

فمفارقات المواطنة في واقعنا العام كالاستبداد والتعصب والتطرف، هي المسؤولة بشكل أو بآخر عن الأوضاع الحالية التي يعيشها العرب والمسلمون اليوم.. ولا خيار أمامنا إلا الالتزام بمقتضيات الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام الرأي والرأي الآخر وحق التنوع والاختلاف، وإشاعة ثقافة الحوار والتسامح والتواصل الثقافي والإنساني. فإعادة الاعتبار إلى إنساننا، عبر الاعتراف بمواطنيته الكاملة بدون نقيصة، هي البداية الحقيقية لإصلاح الأوضاع والاستجابة الحضارية لتحديات الواقع والراهن.

وخلاصة الأمر: أن ضياع الحقوق، هو الذي يقود إلى التطرف والتعصب، وغياب حس وواقع المواطنة لدى الآحاد والمجموع. وإن النهوض في ظل هذا الواقع والتحديات التي تحيطه من كل جانب، يتطلب أداء واجب ومقتضيات المواطنة واحترام المصالح العامة، والعمل على صياغة حياتنا العامة من جديد، على هدى قيم الديمقراطية والحرية والتسامح وحقوق وكرامة الإنسان.

....................................
الهوامش
(1) علي حرب ـ جريدة المدينة (10/11/2002م ـ العدد 14384).
(2) جابر عصفور، ضد التعصب ـ ص 18، المركز الثقافي العربي ـ بيروت 2001م.

اضف تعليق