مضامين سردية معمَّقة وأشكال فنية متجدّد

قراءة في العدد الأربعون من مجلة الرقيم الفصلية

مجلة الرقيم في عددها الأربعين تكرس حضورها كمنصة رصينة تزاوج بين النقد الفكري المعمق والنص الأدبي المبتكر، منطلقة من كربلاء لتربط المبدع العراقي بمحيطه العربي. إن قوة هذا العدد تكمن في قدرته على رصد التحولات الجمالية من السرد اللغوي إلى السرد البصري، ومن الواقعية التقليدية إلى الفنطازيا والتغريب، مع الحفاظ على مرجعية ثقافية تحترم كرامة النص وذاكرة المبدعين الراحلين...

عن دار الرقيم في كربلاء، وفي شكل جميل متجدّد، صدر العدد الجديد ( 40 ) من مجلة الرقيم الفصلية التي تُعنى بالثقافة والفنون والآداب، وجاء هذا العدد حافلا بالدراسات النقدية والفكرية المعمَّقة، وبالنصوص الأدبية المتميزة التي وردت للمجلة من بلدان عربية عديدة ومن أدباء عرب مغتربين، فضلا عن المواد التي وصلتها من داخل العراق.

بدأ العدد أربعون بكلمة رئيس التحرير الروائي عباس خلف علي وحملت عنوان (الجدار الرابع وتمدّد ظلاله)، وتركّز هذه الكلمة على أهمية الجدار الفاصل بين المؤدي والرائي أو المشاهد أو حتى القارئ، ويشير إلى قضية الإقناع وأهميتها في الأداء التمثيلي أو سواه من الفنون، كالرسم والمسرح وحتى السينما، حيث يقول عباس خلف: (ما يدعونا إلى قراءة الجدار الرابع ليس وظيفته أو ممكناته التي تبناها المسرحيون منذ قرون، وإنما في بعد ظلاله القائم، حيث يفصل جدار مجازي بين الممثل والجمهور وكأنما المؤدي لا يرى الجمهور ومثله السينمائي الذي عليه ان لا يرى الكاميراٍ، هكذا يعمل هذا الجدار بصمت، ليؤدي لونا من الأداء الطبيعي المقنِع وكأن عملية الإقناع والحفاظ على مكانته هو الدور الأسمى الذي يجب التركيز عليه، وبقي هذا الجدار متماسكا إلى حد ما في المسرح والسينما والأدب وأُنتِجت لنا أعمال مهمة في فترة ازدهار الجدار الرابع منها الدراما التراجيدية لسوفوكلس ولوحات دافنشي وأعمال مولير وبعض أفلام الواقعية الِإيطالية).

ثم ننتقل إلى الدراسات الفكرية والأدبية، لنقرأ دراسة للدكتورة رقية هادي من العراق، جاءت تحت عنوان (الخطاب البصري للراوي وعلاقته بالمكان)، وتبحث الدارسة في دراستها العلاقة بين الراوي والرؤية البصرية سواء للمكان أو الأشياء الأخرى كالإنسان وما تميزه من صفات وأقوال وأفعال، وطبقت الدكتورة رؤيتها النقدية هذه على نماذج روائية لعدد من الروائيين منهم رواية -مقتل بائع الكتب -لسعد محمد رحيم ورواية -أيام التراب- لزهير الهيتي ورواية –طشاري- لأنعام كججي ورواية -ليل علي بابا الحزين- لعبد الخالق الركابي ورواية -الحفيدة الامريكية -لأنعام كججي، ورواية –سفاستيكا- لعلي غدير، وتقتبس الكاتبة مقاطع من هذه الروايات لكي تدعم فكرتها التي تتمحور حول علاقة الروائي بالمكان في الروايات التي درستها.   

أما الدراسة التالية فكانت للأستاذ سعيد البوبكري وهو باحث وناقد من المغرب، وجاءت دراسته تحت عنوان (أسس جماليات السرد البصري أية قراءة ممكنة؟) وهي قراءة في كتاب -جماليات السرد البصري- لسالم الفائدة. وتبحث هذه الدراسة في المفاهيم التي ينهض عليها هذا المشروع النقدي الذي يتعلق بأسس جماليات النقد البصري، في محاولة لاستجلاء الأسس الفلسفية والمعرفية التي تشكل خلفيته النظرية وتحدد الرهانات الجمالية والمعرفية التي يطرحها هذا التحول من السرد اللغوي إلى السرد البصري.

 فيما يقدم لنا الأستاذ الناقد إسماعيل إبراهيم عبد من العراق قراءة بينية لرواية إبراهيم الكوني (ناقة الله)، حيث يقول الناقد ؛ ان هذه القراءة ستتقيد بالطبيعة الذوقية بالدرجة الأولى، كوننا نعمد مقننات خاصة بالمروية كنص، وإننا في ذلك نتبع خطى ما يسمى بالقراءة المنتجة دون اشتراطات مسبقة. ثم يعرّج على ما يسميه بفخ الجمال فيقول: ان الجمال ليس فخا لكنه سيصبح كذلك حين يُحال إلى اختبار أو اختيار محيِّر، إذ ان رواية (ناقة الله) لإبراهيم الكوني تضعنا أمام الحالين تماما، فجمال وعري صحرائها اختبار، وجمالها حيرة اختيار. ثم يوضح لنا في عنوان ثان ناقة الايكولوجيا ويفسرها بأنها مساحة إعلامية وثقافية واضحة الهوية، بالغة التأثير على القراء والمؤسسات الاجتماعية.

أما الدراسة الأخرى فهي للدكتور سليمان تهراست من المغرب وهي تحت عنوان (الرواية القصيرة والنظر التأويلي/ دراسة نقدية في عالم العتبة والمتن القصير).

حيث يرى الدارس بأن الرواية القصيرة عبارة عن بنية تخييلية سردية مضغوطة تجمع بين أفقين هما أفق البناء الصارم وافق التكثيف الدلالي فهي جنس أدبي يقع في المنطقة الوسطى بين الرواية والقصة القصيرة.

ويقدم الناقد الدكتور سمير الخليل من العراق ضمن محور الدراسات الثقافية دراسة تحت عنوان التشظي العاصف والاحتدام المكتظ بالوجع في رواية (سيرة موجزة للألم)للروائي حميد المختار حيث يقول الخليل: منذ البدء تضعنا هذه الرواية في خضم عالم مكتظ بالوجع والمأزومية والتشظي والتناقض العاصف الذي يحيط بالشخصية المحورية (سعيد موسى) والواقع الاحتدامي الذي يكابده بوصفه ذاتا مثقفة تكافح من أجل الجمال والتناغم وتحقيق التوازن بين الذات والواقع والبحث عن العدل وقوة الفكر إزاء التسلط الاستبدادي وكل أشكال الاستلاب على المستوى السياسي والواقعي والاجتماعي والوجودي والسيكولوجي. ويخلص الخليل إلى ان هذه الرواية سعت إلى توثيق وتسجيل وقائع المحنة والخراب والتشظي التي هيمنت على الواقع بكل قسوة وضراوة وسادية ممنهجة.

تليها دراسة للناقد الأستاذ محمد يونس محمد تحت عنوان التفسير النوعي للزمن في رواية (البصاصون) لعباس خلف علي، إذ يقول ؛ تشكل مراحل انتقال الرواية من مرحلة نحو أخرى صيغ من التدريب داخل مفهوم معين للرواية في تاريخ ما ونود أن نشير إلى أن الرواية في كل عصر قدمت لنا أمثلة نوعية غادرت السائد في ظروفها وتقدمت عليه وابتعدت عنه ويؤكد محمد يونس على أن بنية رواية –البصاصون- تشكل في التفسير المعرفي لها بنية أفقية في المظهر الروائي على عكس التصنيف الجوهري لها فالرواية عبارة عن تواريخ متداخلة اكتسبتها اللحظة الآنية للرواية ومهدت لها بأن تسرد من جديد وذلك التحكم الموضوعي والمبادرة الفنية وتشكل صيغة الكولاج الروائي حالة مستحدثة وقد نجحت الرواية في تقديمها إلينا بصيغة معتبرة وقد تلاقى فيها أبعاد عدة من الماضي في لحظة حاضرة.

وقدم الناقد أسامة غانم من العراق دراسة تحت عنوان نصف السماء في سما الذاكرة قراءة تأويلية – ثقافية. تناول فيها رواية الشاعر أرشد توفيق المذكورة في العنوان والتي وصفها بأنها رواية ذات بنية سردية متصلة وذلك بسبب الاعتماد على الذاكرة تماما ونعني ذاكرة السيرة الذاتية الشخصية، المرتبطة بالذاكرة المكانية الجغرافية.

وعلى الرغم من أن هذه الرواية مكتوبة بصيغة الضمير المتكلم إلا أنها تفتقر إلى العديد من سمات السيرة الذاتية البحتة والشائعة ولكنها تبقى حافلة بنصية سيرّية من خلال استعمال تقنيات التمثيل الخيالي لإبداع صور متخيلة لعوالم تاريخية، وفي النهاية يتساءل أسامة غانم هل استطاع الروائي أن يقول كل ما يريد أن يقوله ويجيب أنا لا أظن ذلك ولا زال هناك الكثير مما لم يقله ولم يسبر اغواره ولكن تيقى رواية نصف السماء تجربة في عالم نصية الذات.

وفي باب حوار العدد نقرأ حوارًا مع الكاتبة الزهرة رميج حول سيرتها الذاتية (الذاكرة المنسية) أجرته معها الدكتورة بشرى المراحي من المغرب. وهي ترى أن كتاب الذاكرة المنسية واحدًا من مؤلفات الكاتبة وهو عبارة عن سيرة ذاتية ثم تسألها لماذا كتابة هذا النص؟ وما أهمية ذلك؟

فتجيب قائلة: لقد اشرت في مقدمة كتاب الذاكرة المنسية إلى الأسباب التي دفعتني إلى كتابة سيرتي الذاتية أو على الأصح سيرتي الطفولية، إنني لم أكن يومًا أفكر في كتابة هذه السيرة لو لا مشروع الفيلم الوثائقي حول حياتي الذي اقترحه عليَّ أحد هواة الأفلام الوثائقية وهو أستاذ جامعي وعودتي إلى مسقط رأسي وتجوالي في مواقع طفولتي.

وفي باب متابعات نقرأ موضوعًا بعنوان بلاغة الحكمة الصوفية القيّم الإنسانية من الخصوصية إلى الرحابة والكونية/ دراسة في حكم ابن عطاء الله السكندري.. كتب هذه المتابعة الدكتور رفعت الكنياري والتي يقول في ملخصها ونحن نجاول اكتشاف سر بلاغة الحكم العطائية المخصوص رحلنا عبر دعوته إلى قيم المحبة والإخلاص.

 ثم نقرأ موضوعا عن الاتجاهات السيميائية للأستاذة فاطمة الناوي من المغرب، حيث تقول السيميولوجيا يتحقق في التواصل باستخدام الدوال اللغوية وغير اللغوية. " إن وظيفة اللسان الأساسية، هي التواصل، ولا تختص هذه الوظيفة بالألسنة، وإنما توجد أيضا في البنيات السيميائية التي تشكلها الأنواع الأخرى غير اللسانية، غير أن هذا التواصل مشروط بالقصدية، وإرادة المتكلم في التأثير في الغير، وبهذا انحصر موضوع السيميولوجيا في الدلائل القائمة على الاعتباطية أي العلامات.

ثم نبدأ مع باب آخر جديد هو باب رؤى، ونقرأ فيه مقالات نقدية متعددة تبدأ بمقال كتبه الروائي علي حسين عبيد من العراق عن رواية (ضحكة الكوكوبارا) للشاعر والروائي حسن النواب وقد احتلت هذه الرواية المركز الأول في محور الرواية ضمن جائزة الطيب صالح العالمي للإبداع الكتابي في دورتها التاسعة، واستحقت هذه الرواية التكريم من بين أكثر من(300) عمل روائي عربي شارك في هذه الدورة، وقد أعتمد فيها حسن النواب عنصر التغريب ليمزج بين الألم والفكاهة والحرمان ضمن توليفة سردية تعطي الحرية الكاملة لشخوصها لدرجة أن بطلها هو الذي يكتبها بقلم سحري يحصل عليه من القروي الذي يمثل شخصية حاضرة غائبة في الوقت نفسه، وسلطت هذه الدراسة الضوء على الفنطازيا التي أعتمدها النواب في كتابة روايته هذه ليحلق بالقارئ نحو آفاق لا تلتقي مع الواقع إلا لماما.

ثم نطالع موضوعا آخر بعنوان سيميائية التشاكل والتباين في قصيدة (زرقة تضيئك حقلا) وهي قصيدة للشاعر الأديب -زيد الشهيد- حيث يقول كاتب المقال؛ الأستاذ عبد المجيد بطالي من المغرب: إن المتلقي للخطاب الشعري في قصيدة -زرقة تضيئك حقلا- لابد أن ينظر إلى النص في إطار منظومة متناسقة من العلامات اللغوية والعلاقات التركيبية باعتبارها بنية متماسكة العناصر يتوقف الواحد منها على الآخر ويتكئ عليه في إنتاج الدلالة.

أما الدكتورة شذى محمد فاعور من الأردن فتكتب مقالا عن المجموعة القصصية (متنزه الغائبين) لميثم الخزرجي جاء بعنوان -أنثروبولوجيا الوهم وديستوبيا الواقع- تقول فيه أن ميثم الخزرجي ختم قصصه بقصة جاءت تحت عنوان اللائذون بالظل وقد كانت بمثابة تمثيل حقيقي لعنوان مقالتي حيث تتحدث عن سليمان الذي توفيت زوجته وأبنته بسبب مرض كوفيد 19 وقد كان متأملا في سر الموت المؤجل الذي ينتظر هذا الكون.

ثم نطالع موضوعا تحت عنوان الغرائبي في رواية ( سرداب قصر البارون ) ومراجع السرد وأبعاده للأستاذ عبد النبي بزاز من المغرب.. حيث يتناول رواية للكاتبة المصرية- مروى جوهر- وفيها تتشعب الأحداث وتتشابك خيوطها اعتمادا على شخوص أساسيين ساهموا في رسم مسار سيرورة الرواية من خلال حضورهم الفعال والمؤثر في جل فصولها.

أما الأماكن في الرواية أحتضن الوقائع المرتبطة أساسا بمشروع التصوير الخاص بالمينافيزس الذي خطط له راضي بعد أن قرر العودة من أمريكا إلى بلده مصر. أن رواية سرداب قصر البارون غنية بأحداثها وشخصياتها وموضوعاتها التي ما فتئت تربط خيوطا وتثبت أواصر شبكة متشعبة الوقائع متعددة الأبعاد وما تتوسل به من خوارق تنهل من موضوع الفانتازيا في رسم أشكال وأبعاد أحداثها ووقائعها.

وفي باب النصوص نقرأ قصة قصيرة للعراقي الراحل الكبير محسن الخفاجي وهي تحت عنوان -عمي فرناندز -وهي من القصص التي لم يتم نشرها سابقا، حيث تحقق الرقيم سبقا في نشرها لأول مرة لاسيما أنها تعود إلى قاص تميز بالكتابات السردية الإبداعية المختلفة.

يلي ذلك نص قصصي للكاتبة الجزائرية شميسة غربي من سيدي بلعباس من الجزائر، حمل نصها عنوان -عندما يحترق الورد- بعدها نطالع في باب شهادات وتجارب موضوعا تحت عنوان بلاك ماونتن كوليج تجربة ثقافية تربوية فريدة أثرت على الفلسفة وأساليب وانشغالات الحركة الطلائعية المعاصر، للكاتب -الحبيب الواعي- من المغرب.

وهكذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا العدد الفصلي الغني بدراساته ونصوصه ومتابعاته، مما يدلل على عمق هذه التجربة الثقافية الإبداعية وإصرار القائمين عليها على الاستمرارية الإبداعية والحضور المتواصل في محافل الصحافة الثقافية العراقية والعربية.

اضف تعليق