كثر الحديث عن ماهية المثقف حتى بتنا نسمع بالمثقف المحافظ الذي يدافع عن الأنظمة ويبرر أفعالها والمثقف الإصلاحي الذي يرى أن النظام يجب أن يصلح ذاته من داخله والمثقف العضوي الذي يعمل على الإصلاح الثقافي والاجتماعي سعياً وراء تحقيق طموحات الطبقات العاملة والمثقف النقدي الثوري الذي يعمل على رفض الواقع السلبي وقيادة الجماهير نحو الثورة.

وما أحوجنا في هذه الساعات التي ارتوى فيها أديم الأرض بدماء الشهداء الباحثين عن حياة حرة كريمة إلى مثقف يوجه الخطاب الجمعي نحو السلمية والمحبة والإصرار على التغيير، مثقف يعمل على توحيد الرموز المترسبة في الوعي الجمعي إلى رمز إنساني موحد يحقق كل الطموحات، إذ لم تعد الثقافة في هذه الساعات العصبية تختزل في التعاطي مع الآداب والفنون، بل هي فعل اجتماعي منتج يسعى للتغيير من أجل غد أسمى وأجمل، لذا ينبغي علينا جميعا النزول إلى الساحة والعمل سوية على إنتاج حراك احتجاجي سلمي بعيداً عن إراقة المزيد من الدماء.

وقد تمظهر الفعل الثوري الثقافي الاحتجاجي في العديد من الأجناس الأدبية والفنية، فالمسرح الاحتجاجي الثوري وعلى مدى التاريخ المسرحي عبر عن رفض الظلم والفساد والدكتاتورية، ففي مطلع القرن المنصرم كانت نصوص المسرحي الألماني (بيرتولد بريخت) مثل (دائرة الطباشير القوقازية) و(الأم شجاعة) و(الإنسان الطيب في ستيزان) من أهم النصوص التي دفعت الجمهور لرفض كل الأنساق الثقافية والسياسية والاجتماعية الفاسدة، مما جعلت كاتبها يتعرض للنفي والإبعاد والمطاردة، ففي مسرحية (الأم شجاعة) التي تدور أحداثها في أيام الحروب في أوروبا عام 1624، وقد قسم (بريخت) أحداثها إلى اثني عشر مشهدا،

ففي المسرحية يقوم شابان بجر عربة الأم الشجاعة التي لم تكن تخاف قصف المدافع لتبيع للجنود بضاعتها، بعدها يجند الابن الأكبر في الجيش ليموت في المعارك، وبعد مضي ثلاث سنوات من الحرب تقع الأم أسيرة لدى جيش العدو لكنها تنجح في استبدال العلم البروتستانتي بالعلم الكاثوليكي لتنجو، ثم يطلب الجنود من ابنها الأصغر أن يدلهم على مكان الخزانة وعندما يرفض يقتل لتنكر الأم معرفتها به من اجل وجودها، ثم يغتصب الجنود ابنتها لكن الأم تصبر لتبلغ ذروة النجاح في كينونتها الوجودية.

ولم تنفك السينما عن الخطاب الاحتجاجي الثوري منذ صيرورتها الأولى، ولو تابعنا فيلم (التعصب) للمخرج (ديفيد غريفث) نلحظ المهادات البصرية الأولى التي حاكت المهمش حاملة فلسفة المقهورين على مدى التاريخ ، إذ يقدم الفيلم أربع حكايات متوازية حول ثيمة واحدة هي التعصب، الأولى حكاية سقوط بابل (539 ق م)، إذ تروي لنا التعصب الديني الذي أطاح بالأمير (بالتشار) على يد (كيروش الفارسي).

والثانية كانت في العام السابع والعشرون بعد ميلاد المسيح وتصور صلب السيد المسيح (ع) على أيدي الرومان، والحكاية الثالثة الفرنسية من القرن السادس عشر (عصر النهضة) حملت ذات التعصب الديني في الحكايتين السابقتين في مذبحة عيد القديس (بارثلميو)، والرابعة حكاية معاصرة تروي كيفية انتصار الحب وإنقاذ محكوم بالإعدام، ويربط بين الحكايات الأربعة مشهد للممثلة (ليليان جوش) وهي تحرك مهدا في إحالة إلى التوالد المستمر للظلم، من خلال قراءة فاحصة للفيلم نجد أن الخطاب السينمائي قد تعالق بشكل كبير مع المهمش وان اختلفت محمولاته الفكرية ومدياته (السيسيوثقافية).

إذ نلحظ أن المهمش الديني كان مائزاً من خلال سقوط (بالتشار) البابلي ومقتل (المسيح) (ع) ومذابح (البروستانت) أما المهمش الذي أفرزته الثورة الصناعية فقد اتضح في الحكاية الأخيرة، أما تمثلاث الاتجاه الملحمي كانت واضحة جدا فالديكورات الكبيرة كانت بائنة في حضارة بابل، إذ نرى بابل بأسوارها المرتفعة والشاهقة، والحال ذاته ينطبق على الحكاية الثالثة كما نرى ذلك في معمار الكنيسة ودروع الفرسان، في حين كانت الحشود البشرية واضحة هي الأخرى في مجمل الحكايات فضلا عن السرود الزمنية العريضة.

يرى الكثير من منظري المسرح والسينما ان الثورية تقتضي نقل العروض إلى مكان الاحتجاج، لذا نشأ مسرح الشارع وسط الجمهور وحمل رواد الواقعية الايطالية عروضهم وسط الجماهير، ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الثورات العربية، ففي عام 2011 أبان الثورات الاحتجاجية في مصر، اخرج (علي الجهيني) فيلمه الوثائقي (أسمي ميدان التحرير) الذي يصف مقتل الشاب (خالد سعيد) على يد قوات الأمن المصرية، وكذلك عرضت فيه مشاهد انتهاكات مريعة ضد المتظاهرين، وقد أنتجت عدة أفلام عن الثورة المصرية وقتها حتى حاز فيلم المخرجة (جيهان نجيم) على جائزة من منظمة العفو الدولية بعد أن أوصل صوت الاحتجاجات إلى المجتمع الدولي.

وسط الاحتجاجات الثورية التي شهدتها الساحة العراقية مؤخرا لم تنفك العروض المسرحية والسينمائية عن دورها العضوي في التوعية والاحتجاج والثورة والتثقيف، فقد وضعت خيمة كبيرة وسط ميدان التحرير في بغداد عرض فيها العديد من المخرجين وطلبة كليات الفنون الجميلة أفلامهم القصيرة، في حين شهدت ساحة الأحرار في كربلاء عرض مسرحية (موجز الأبناء) للكاتب (سعد هدابي) والمخرج (عباس شهاب) وقد تناوب على أداء الأدوار (جعفر الأمير) و(قحطان الشمري) و(أمير العبيدي) و(احمد الهاشمي) و(مصطفى غسان) في حين صمم الإضاءة (سعد سلمان) والهندسة الصوتية (جلال الزبيدي)، لقد وظف المخرج الفعل الثقافي الاحتجاجي للمثقف العضوي من جهة والفعل التنويري الذي يسعى له الفعل الاحتجاجي من جهة أخرى، فالمكان المرتبط بالذاكرة الثورية كان مشغلا جماليا يلهب النفوس التواقة إلى رفض الفساد والحوار المرتبط بالنص الثوري كان جسرا تواصليا بين الممثل والجمهور، فالجمهور المتوقد عاطفيا يحرك وعيه أي حوار يشتغل على الفعل الثوري، فيما كانت الإضاءة تنير درب العتمة للممثل من جهة والجمهور الراغب بالتغيير من جهة أخرى، في حين وظف المخرج الأزياء المرتبطة بالفعل الجمعي الثوري في عمله مثل الكمامات والأعلام ليخلق فعلا تواصليا بين المثقف والجمهور مرة أخرى.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14