منذ اللثغة الأولى للسؤال الفلسفي عند الفلاسفة الأيونيين إزاء الكون بين الوجود والموجود، اختلفت الإجابات والطروحات، بل حتى فلاسفة الإغريق منهم من جعل الشعر – اعني الأدبية- محاكاة للمثل العليا كما ذهب أفلاطون في ذلك، في حين ذهب أستاذه سقراط إلى الغائية والخير، بينما ذهب أرسطو إلى محاكاة الجوهر، ومن خلال طروحات فلاسفة الإغريق نلحظ أن الشعر - الأدبية- هو الميدان الأرحب للفلسفة، وأستمر الجدل الفلسفي بعد ذلك في مدرسة الإسكندرية على يد أفلوطين وفيلون وصولا إلى الفلسفة الإسلامية، إذ ذهب ابن سينا إلى محاكاة الجوهر الأرسطية في حين تبنى الغزالي محاكاة المثل العليا وذهب ابن رشد إلى تحقيق المنفعة والخير في توافقية حتمية مع الدين.

إن الشعر هو أحد الأجناس الأدبية التي لم تنفك عن الفلسفة كما الدراما، بل أصبح ميدانا فلسفيا رحبا له، ولو تابعنا التمثلات الفلسفية في شعر أبي العلاء المعري التي كتبت عنها العديد من الدراسات، نستطيع أن نتلمس بعض من السمات المائزة منها:

يعد من الشعراء الحدسيين الذين يعتمدون على الإلهام والرؤية الصادقة كما يزعم في شعره:

أما اليقين فلا يقين وإنما أقصى اجتهادي أن أظن أو أحدسا

إن فلسفة الموت لدى المعري فلسفة قارة ثابتة القرار، عادا إعجاب الإنسان بالحياة ضربا من العبث كما يقول:

ما أوسعَ الموت، يستريح به الجس م المعنى ويخفت اللجب

إيمانه المطلق بالجبرية كما نقرأ:

وما زالت الأيام وهي غوافل تسدد سهما للمنية صائبا

التشاؤمية المطلقة أدت إلى عدم زواجه واختلاطه بالناس كما يقول:

وهو الزمان قضى بغير تناصف بين الأنام وضاع جهد الجاهد

يبدو أن الشاعر عادل الصويري قد شغله ذات السؤال الفلسفي عند صياغته لنصوصه الشعرية، فراح يشاكس المعري منذ العتبة الأولى – المناص- كما يسميها الناقد الفرنسي جيرارد جينت والتي اختط لها عنوان (زيت لفانوس أبي العلاء)، ومن خلال تفكيك العنوان لمعرفة حمولاته الدلالية نلحظ أن الشاعر يضع الزيت لفانوس أبي العلاء ليضيء له عتمة الكون التي يعيشها بسبب العمى من اجل قراءة مغايرة لما ترسخ في مخياله من تساؤلات فلسفية تجاه الكون والوجود، على الرغم من أن المعري قد وضع أحدى عتبات مؤلفاته تحت عنوان سقوط الزند، مفترضا فيها رؤيته الباصرة لما يحيطه.

ولو أطلعنا على نصوص المجموعة وبحثنا في السؤال الفلسفي عند الصويري نلحظ في قصيدة (هديل الأضداد) مقاربات تناصية تحاكي فلسفة اليقين، فالمعري يؤمن بعدم اليقين كما تم ذكره سابقا، في حين أن الصويري اقترح عليه فلسفة مغايرة، تعتمد اليقين المربك كما نقرأ:

(نفلسف فحوى الذات ملء تناقض وفينا يقينٌ مربكٌ متموجُ

ونحتجُّ بالربِّ المقيمِ أدِلَّةً ولكنْ بأصنامِ السُدى نَتَحَجَّجُ)

أما التناص الثاني المتعلق بالموت نلحظ فيه التوافق الفلسفي بين الشاعرين، إذ نقرأ في نصه (عزف لأصابع الريح):

(طُعِنْتُ منفىً فظلَّ النَصُّ مُرْتَبِكاً

وسالَ نَخْلٌ مِنَ المعنى وَنَبْضُ قُرى)

وهنا نلحظ التخلي عن الجسد المادي نحو المطلق المثالي عندما يقول (سال نخل من المعنى) وهو ذات السؤال الفلسفي لدى المعري والمتعلق بقبول الموت والذوبان به، في حين توافقت فلسفة الشاعرين تجاه الجبرية والإيمان بالقدر في التناص الثالث، إذ نلحظ ذلك في عدة نصوص منها ما جاء في قصيدة (سيرة للولد المحذوف بالمدينة):

(منذُ طينِ البدايةِ

موعده كان في الأخضرِ المُتَهَدِّلِ

من قفصِ الشهداءِ المُذَهَّبِ بالباكياتِ وبالقُبّرات)

أما التناص الرابع المتعلق بالتشاؤمية كان مائزا في نصه نايات مغتربة حينما يقول:

(يا أيها العدميُّ رَتِّلْ مِحنتي

فأنا ارتماسُ للظلِّ في المعنى

سراباً قلبُ أُغنِيَتي يُداس)

أو كما في نصه (ذاكرة محذوفة بالتذكر):

(أنا هاجسُ الغرباءِ

كلُّ تمائمي وصلت شظايا في مدىً مُتأخِّرِ)

وهو ذات السؤال الفلسفي الذي تبناه المعري في قوله .. (وهو الزمان قضى بغير تناصف ... )، ومن خلال ما تم تحليله نستنتج أن القصيدة لدى الصويري حملت ذات السؤال الفلسفي لدى المعري من المناص إلى التناص، تتفق حينا وتختلف حينا أخرى، وعليه فـ(الشعر سوفي) هو مصطلح يشي بالحمولات الفلسفية للقصيدة المتفلسفة التي تجترح أسئلة تجاه الوجود والعدم والتسيير والتخيير واليقين والتشكيك .. إلى أخر الثنائيات الجدلية المتضادة نجح الصويري في تجسيد هذا الاشتغال في مجموعته منذ عتباتها النصية الأولى.

للمزيد مراجعة ..

فلسفة الجمال من افلاطون الى سارتر، أميرة حلمي مطر

اللزوميات لأبي العلاء المعري

سقط الزند لأبي العلاء المعري.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2