المقدمة:

تبحث العديد من الدول عن وسائل تستطيع من خلالها إحداث المتغيرات التربوية الايجابية في أبنائها، وبالتالي ترتقي بالمنظومة الأخلاقية التي تنعكس إيجابا على التطور المدني والحضاري لتلك البلدان.

ومن الوسائل الاتصالية التي وظفتها الدول لإحداث التغيرات الايجابية الفنون التلفزيونية، التي لا تنفك عن حياة الإنسان المعاصر مشاركا ومؤثرا ومتأثرا، لإرساء قيم مجتمعية سامية ونبيلة.

ومن الأعمال التلفزيونية المقدمة للمتلقي، الأعمال الدرامية بأنواعها، السلاسل والمسلسلات والتمثيليات، والتي لها الوقع المهم على حياة الإنسان، لاسيما إذا كانت رصينة من الجانب الأخلاقي ومتينة بتقاناتها الأرسطية أو غيرها التي ترنو إلى إحداث التطهير أو التغير للنفس البشرية، وبالتالي إرساء دعائم التربية للوصول إلى التطور الحضاري والمدني الذي تبتغيه الدول.

ومن الأعمال الدرامية التلفزيونية، ما هو موجه للطفل، الذي به حاجة ماسة لمعرفة القيم الأخلاقية والتربوية في نشأته من خلال تأثره بتلك الأعمال لتنعكس إيجابا في حياته اليومية.

تعد الشخصية من مفاصل العمل الدرامي التلفزيوني الأكثر أهمية في الأعمال الموجهة للطفل الذي يتماهى معها حد التأثر والتقليد في حياته اليومية بدون قيود أحيانا، وهنا يتحقق التأثير المطلوب منها.

وللشخصية المقدمة للطفل سمات خاصة تختلف عن الأعمال الدرامية الأخرى نوعا ما، ولابد لصانعيها مراعاة الجوانب الفنية والتقنية والجمالية الخاصة بها عند صناعتها، ومن ثم ترصينها وإشباعها بكل الموروثات و القيم الأخلاقية والتربوية، ومن هنا جاءت مشكلة البحث التي تبلورت بالتساؤل التالي: ما سمات الشخصية في الأعمال الدرامية التلفزيونية الموجهة للطفل؟

المبحث الأول: الأعمال الدرامية الموجهة للأطفال بين النشأة والتطور

قام توماس إديسون عام 1895م في أمريكا ولوميير في فرنسا وبول في انكلترا بعرض صور فوتوغرافية متحركة على شاشة بيضاء لأول مرة في التاريخ، كان حماس المتفرجين سبباً لإرساء قواعد هذا الابتكار الجديد بسبب الإدهاش الذي قدمته في ذلك الوقت، وكانت الأفلام في تلك الفترة تصور الطبيعة كما هي، ثم يتم عرضها على أساس إنها "لعبة علمية تطبيقية ضمن سلسلة من الاكتشافات العلمية التي تم التوصل إليها في ذلك الوقت".

وفي العام 1914 أنتجت مجموعة من الأفلام التربوية في المؤسسات التربوية للتدريب في بريطانيا ، وهذه التجربة نالت انتباه بعض الدول المتقدمة، وفي روسيا وضع قانون عام 1919 بموجبه تم الطلب من شركات الإنتاج السينمائي إن يكون بعض إنتاجها أفلاماً تعليمية.

وبعد عام من ذلك أنتجت في ألمانيا بعض الأفلام التعليمية والتربوية عام 192. لاستعمالها في المدارس الألمانية، وكذا الحال في فرنسا حيث تم شراء مجموعة من الأفلام والعارضات لاستخدامها في المؤسسات التربوية، وكانت هذه الأفلام ولحد هذا الزمن تحاكي الملصقات والأفلام الوثائقية بدون إي دور للادرمة فيها.

وعودة إلى بريطانيا، فقد تطور فن الفيلم فيها بشكل ملحوظ أوصت اللجنة الملكية للتربية عام 1934 ان يكون عرض الأفلام في جميع المدارس البريطانية.

مما تقدم نستطيع أن نتلمس البدايات الحقيقية والرصينة في نشوء الأعمال التربوية التي بدأت تجد مكانا لها في ميادين المدارس ومؤسسات التعليم العالي وهذه دلالة كبيرة على أهمية الفلم التعليمي ومدى الاهتمام بإدخاله إلى أعلى المستويات في المراحل التعليمية.

أما في التلفزيون محور الدراسة والذي جاء متأخرا عن السينما بعقدين ونصف، حيث شهد العام (1929) من القرن المنصرم في بريطانيا أولى محاولات البث المرئي على يد (جون بيرد)، ثم تطورت المحاولات شيئا فشيء وصنعت الكاميرات والاستوديوهات وتنوعت البرامج على اثر ذلك التطور، ولكن الأعمال الموجهة للطفل بقيت قليلة جدا بسبب البث المباشر وعدم اختراع جهاز (الفيديو تيب) والذي انتشر مطلع الخمسينيات من القرن ذاته ليتيح إنتاج الدراما المتنوعة الأطياف.

وقد شهد العام 195. دراسة تناولت حركة بحوث الأفلام والأعمال التعليمية المقدمة في السينما المتنقلة أو البث التلفزيوني واشتملت الدراسة أجراء بحوث تجريبية على التطبيقات الفنية الخاصة بالأعمال التعليمية، لمعرفة ما أذا كانت تساعد أو لا تساعد على التعلم ومن خلال " دراسة المواضيع والأفكار المقدمة والاستوديوهات المستخدمة وزوايا التصوير والاستعانة بالنصوص الدرامية بالعمل التعليمي ، وكان من النتائج المهمة التي خلصت منها الدراسة أعطاء أهمية كبيرة للجانب الدرامي في الأعمال التربوية ، حيث يرى المؤلف إن هذا التاريخ شهد الانطلاقة الحقيقية للأعمال الدرامية التربوية في القنوات العالمية بصورة احترافية من الناحيتين الفنية والتقنية.

وكانت هذه التجربة بمثابة الركيزة الأساسية للبحوث التي أجريت في مطلع الألفية الثالثة بقصد معرفة إمكانية استخدام التلفزيون كوسيلة منفردة للتربية والتقويم في البيت والمدرسة وبطرق متنوعة.

إن الأعمال الموجهة للطفل لها وسيط تعبيري يعتمد الصورة في إيصال الأفكار والمشاعر و القدرة على تجسيد الواقع وإيصال المفاهيم التربوية من خلال قدرتها الفنية و التقنية، لذلك تعتبر من أهم الوسائل المرئية في التربية وهذا ما يؤكده (الفرجاني) من إن هنالك العديد من الوظائف التي تؤكد أهمية الأعمال التعليمية والتربوية الموجهة للطفل ومن أهمها:

1. أنها تخاطب العقل والعاطفة في جو مركز ومعد لتهيئة جمهور المشاهدين.

2. تعتمد على حاستي السمع والبصر.

3. تحتفظ بالتفوق على الإرسال التلفزيوني التعليمي وشريط الفيديو التعليمي.

4. تقدم تحليلاً لنمو الكائنات الحية ومن ثم كبرها وتسجلها في حركة نموها ونمو أجزائها.

5. تعيد حركة الكائنات الحية والأشياء الجمادية بشكل أسرع أو أبطا من المعتاد (الواقع) بهدف توصيل المعرفة بصورة مقنعة.

ولكن هذا الوظائف التي أكدها الفرجاني تبقى منقوصة بدون إسباغها بالجانب الدرامي للعمل المقدم، وكما يؤكد ثامر مهدي، حيث يرى " أن للدراما سحر خفي ولو أسبغت على كل الأعمال التعليمية لحققت نتائج مهولة بسبب التماهي مع العمل الذي يحققه البناء الدرامي "، ومن هنا نرى القدرة الخلاقة للبناء الدرامي في توصيل الأعمال التربوية للمتلقي، والبناء الدرامي الذي يعد جوهر الدراما هو"توازن دقيق جداً بين عناصر عديدة جداً، يجب أن تسهم كلها في النسيج العام، وأن يعتمد بعضها على بعض "، وهذا التوازن بطبيعة الحال متكون من عدة عناصر هي " الفكرة، الشخصية، الحوار، الحبكة، الجو العام " ، ولكون البحث معنيا بسمات الشخصية في الأعمال الدرامية التعليمية التلفزيونية، لذا سيتناول المؤلف بشيء من التفصيل ماهية الشخصية باعتبارها احد عناصر البناء الدرامي في مبحثه الثاني.

المبحث الثاني: الشخصية أحدى منظومات البناء الدرامي

1- الشخصية بين الماهية والنوع: تعد الشخصية من المنظومات المهمة التي يقوم عليها البناء الدرامي فهي التي تقود الفعل وتؤجج الصراع وتحدث الذروات وتؤدي إلى التطهير، أن كل التيارات الفنية سواء الكلاسيكية أو الحديثة تمردت على البني الأرسطية واستطاعت أن تختلف مع البناء الأرسطي في اغلب تفصيلاته، إلا الشخصية بقيت هي المحور الذي ترتكز عليه كل البنى الدرامية.

إن الدراما والبرامج التلفزيونية تعتمد على الشخصية، سواء كانت ممثلاً أم مقدماً أم متسابقاً فهي تقود الصراع مع باقي عناصر البناء الدرامي نحو النهايات المفترضة، وقد عرفت الشخصية بأنها " الواحد من الناس الذين يؤدون الأحداث الدرامية المكتوبة أو على المسرح في صورة الممثلين "، ويعود إبراهيم حماده ويعرفها في مؤلف أخر بأنها "المصدر الأساسي لخلق سلسلة من الأحداث التي تتطور من خلال الحوار والسلوكيات العامة والخاصة "، إبراهيم حماده المنظر الدرامي جعل من الشخصية المقود الذي يسير بالأحداث، وهذا صحيح ولكنها هي الحامل لكل تفصيلات البناء الدرامي فهي التي تكشف الفكرة وتؤجج الصراع ونتعرف إلى الجو العام من خلالها وهي التي تؤدي إلى التطهير او التنوير أو التغيير، أما الباحثة ميسون ألبياتي فأنها ترى في الشخصية وتنظيمها الدينامي " ذلك الانتفاء في التنظيم الدينامي للشخصية الإنسانية الذي يستخدمه الفنان المسرحي لتقديم أفكار مجردة او صور ذهنية او أراء معينة متوخيا وضعها في قالب جمالي ملي بالتشويق وميسور الفهم من قبل المتفرج "، ترى البياتي إن هناك تنظيماً دينامياً يقود الشخصية لتقديم أفكارها المتنوعة إلى المتلقي، ويرى المؤلف إن التنظيم الدينامي ليس بالضرورة أن يكون متفقاً عليه مسبقاً من قبل المخرج والبطل، بل هو وليد من الشخصية نفسها أحيانا كما في برامج تلفزيون الواقع وحسب ما سيتم توضيحه في عينة البحث (عيش سفاري).

وقد قسمت سامية احمد علي وزميلها شرف عبد العزيز في كتابهما الدراما في الإذاعة والتلفزيون الشخصية في الدراما التلفزيونية إلى عدة أنواع منها:

1- الشخصية البسيطة: وهي التي تظهر خاصية سائدة واحدة خلال الفترة الدرامية لظهورها وربما لا تكون هذه الخاصية سائدة طوال العمل ، بل تحتوي خواص أخرى متماشية مع الخاصية السائدة ومثلها شخصيات كثيرة موجودة في الأعمال الدرامية التلفزيونية.

2- الشخصية المسطحة: غالبا ما تكون هذه الشخصية مساعدة ، إذ لا تمتلك من الخواص ما يميزها عن الشخصيات الأخرى وتكون معالمها ذات شكل ولون واحد ، والشخصية المسطحة هي التي تخلو من الخواص السائدة ، وهي ما تكون ثانوية خالية من الصراع وهي حلقة وصل مابين الأحداث والشخوص ونراها موجودة في اغلب الأعمال الدرامية بكثرة.

3- الشخصية الدائرية: وتكاد تكون شبه حقيقية وتقترب بحضورها لتمس الواقع بشكل مباشر من خلال علاقاتها بالشخصيات الأخرى ، فضلا عن علاقة الشخصية بذاتها ، وهي شخصية رئيسية في القصة أو الدراما التلفزيونية ،وعادة ما يكون حضورها شاخصا وسط الأحداث، وهي المقود الذي يقود الأحداث وهي في الغالب شخصية طيبة أو متعلمة وحتى لو كانت عكس ذلك فأنها في النهاية تعود إلى جادة الصواب وهذا ما عده أرسطو البناء الأخلاقي للدراما، وهذه الشخصية تعد من المرتكزات التي تقوم عليها دراما الطفل.

4- الشخصية الخلفية: ويكون حضورها لغرض معين ولا تدخل في حيثيات ذلك الغرض وليس لها أهمية في الحبكة ولكن أهميتها تكمن في قيادتها لسيارة أو فتح باب ، وربما لا تحمل اسما أو قليلة التصوير وهي موجودة بكثرة في الأعمال الدرامية التلفزيونية العراقية والعربية والعالمية. 2- سمات الشخصية في الدراما التلفزيونية :

بما إن الشخصية من أهم عناصر العمل الفني، وهي الركيزة الأساسية التي يبني عليها المؤلف الحكاية، لذا يعد أهم ما في الشخصية هو سماتها التي يتوخى فيها الحذر، لذا يعد اختيار السمات الأساسية العامة للشخصية أساسا مهما في العمل الفني، ويقسم محمد حسين الشخصية إلى سمات طبيعيه واجتماعيه ونفسيه وآخرون يعطونها تقسيمات أخرى، غير أن المؤلف يحاول أن يختار تلك السمات ذات العناوين الواضحة وهي:

1- السمة البايلوجية:وهي اللبنة الأساسية التي تنبع من عمق الشخصية وهي اللبنة الأولى التي تميز لنا جنس الشخصية، ذكر – أنثى – طفل – شيخ – عجوز – حيوان – إنسان، وهنا تدخل عملية الوعي في اختيار نوع الجنس لما لها من أهمية كبيرة ، "فهي التي تميز أرادات المؤلف والمخرج وهي الوسيلة التي يمكن من خلالها أن تعلن حضورها السلبي أو الايجابي من خلال تأثيراتها على المتلقي دون الوقوع في فخ الكلائش الجاهزة" .

2-السمة المادية: وتقوم هذه السمة بتحديد السمات العامة للشخصية دون الوقوع في المبالغة التي لا مبرر لها ، ودائما ما تكون الشخصية ذات قدرات تقع ما بين السمات العامة و الخاصة ، فالعامة هي خط حول سير الشخصية ، " أما السمات الخاصة فهي الثوابت التي تتحدد من خلال الشكل الطول ، القصر، البدانة ، الصوت ..الخ، أو حتى قصور نفسي تتصف به، فهي تحتاج إلى أداء تمثيلي في وضعها العام والخاص"، وهنا لابد للكاتب أن يكون داخل سياق سمات هذه الشخصية ولا سيما في الأعمال الموجهة للطفل.

3- سمة الطابع العام للشخصية:وهي التي تتحدد بما يتناسب وأحداث العمل الدرامي ، من حيث حضورها وتنقلاتها سواء كانت متوافقة أم متناقضة فيما بينها وبين نفسها ، أو بينها وبين الآخرين ، وهذا كله يساهم في سير ونمو الأحداث واندفاعاتها إلى أمام.

4- السمة النفسية: تعد هذه السمة نتيجة محصلة للسمات البايلوجية والمادية ، فهي نتاج للظروف أو الحوادث أو المواقف التي تمر بها الشخصية بأنواعها المتعددة ، "وتعد هذه السمة من أهم الصور التي توضح الإبعاد المرئية للشخصية وتشكل ملامحها الجسدية والسلوكية".

وهناك سمات غرائبية يرسمها صناع الأعمال الدرامية التلفزيونية الموجهة للطفل في أعمالهم تدفعها للقيام بالأفعال المألوفة واللا مألوفة بطريقة بعيدة عن الواقع، وهو ما يسهم بشكل فعّال في تطور الفعل الدرامي للوصول إلى الذروة فالحل، ومما تتميز به تلك الشخصيات امتلاكها للقوة الخارقة، فضلاً عن التفرد على مستوى هيئتها الخارجية، كل ذلك يشكّل " العمود الذي تستند عليه البنية الدرامية في بناء ظاهرة الإيهام البصري داخل المنجز المرئي".

ويمكن الاستدلال على غرائبية السمات التي تتمتع بها الشخصية الدرامية من خلال المستويات التالية:

أ. شخصيات غرائبية تظهر بهيئة طبيعية ذات قدرات خارقة: في هذا النوع تظهر لنا الشخصية الغرائبية وهي تمتلك ملامح بشرية اعتيادية لا تختلف عن إي شخصية بشرية أخرى، إلا في مستوى ونوع أفعالها، فلا يكون الشكل هو المعيار في التعرف على نوع أو مستوى الفعل، وغالباً ما يظهر هذا النوع في الأفلام التي تتناول موضوعات القدرات الخارقة، فالشخصية لا تمتلك إي مميزات على مستوى الشكل إلا أنها تمتلك القدرة على القيام بالأفعال الخارقة مثل شخصية لوفي المسلسل الكارتوني (لوفي).

ب. شخصيات غرائبية تظهر بهيئة غير طبيعية ذات قدرات خارقة: ان الفعل الذي تقوم به الشخصية الدرامية، لاسيما ذات السمات الغرائبية، يدل وبشكل مباشر على غرائبيتها، ويرتبط غالباً بشكلها غير الطبيعي، فقد تظهر الشخصية الدرامية بهيئة غريبة لا يمكن أن تتوافر في الواقع الذي تنتظم فيه أشكال الشخصيات المألوفة، وفقاً لأحكام الواقع المادي والحياة الطبيعية، ليكون الشكل غير المألوف الذي تتميز به شخصية ما داخل العالم ألفلمي، مكملاً لقدراتها الخارقة التي تدل على غرائبية سماتها وابتعادها عن الواقع مثل شخصية سبونج بوب في المسلسل الكارتوني ( سبونج بوب).

ج. شخصيات غرائبية يمكنها التحول من شكل إلى أخر: وتمثل هذه القدرة، السمة الأساسية في إبراز الفعل الخارق للشخصية، لان فعل التحول هو بحد ذاته فعلاً غرائبياً، وان التحول قد يكون جزئياً ، إي يتحول جزء من الشخصية، كأن يكون التحول على مستوى فعلها فقط، أو يكون التحول كلياً إي أن الشخصية تتحول بشكل كامل إلى كائن آخر، مثل شخصية بين تين في مسلسل ( بين تين).

وهنا يرى المؤلف أن الشخصية الرئيسية المقدمة في الأعمال الدرامية التلفزيونية الموجهة للطفل لها خصوصيات انبثقت من الجانب الواقعي والتقني تتميز بنسقها التعليمي والتربوي والأخلاقي الذي أنتجت من اجله، لذا سيتناول المؤلف في مبحثه الثالث السمات التي تتصف بها الشخصية في الأعمال الدرامية المقدمة للطفل.

المبحث الثالث: توظيف الشخصية في البرامج التلفزيونية الموجهة للطفل

بين المؤلف في المبحث السابق دور الشخصية في البنية الدرامية للأعمال الدرامية التلفزيونية بأنواعها الثلاثة المسلسلة والسلسلة والتمثيلية، أصبح لزاما علية ومن خلال مشكلة بحثه تبيان طبيعة اشتغال الشخصية المقدمة للطفل في الأعمال الدرامية التلفزيونية وفق التقسيمات المتنوعة للشخصية التي تبناها علماء النفس أو تقسيمات منظري الدراما، وكذلك طبيعة رسم الأبعاد الثلاثة للشخصية في الأعمال الدرامية التلفزيونية والتي ورد ذكرها أيضا.

وتتجسد الشخصية في الخطاب التلفزيوني الموجه للطفل في صورة البطل، هذه الصورة التي مهما تعددت أنماطها واستعمالاتها ترسمها مخيلات الكبار مدفوعة بشعور خاص بالاحتياج للأبطال، وتكون عملية التعاطف مع تلك الشخصية تبعاً لدرجة الصدق الفني التي تمتلكها، إذ تكتسب الأهمية القصوى من خلال المشاركة العاطفية وذلك لغرض تحقيق هدفها وهو هدف الطفل نفسه في الاستجابة لها.

أن شخصية البطل الذي تدور حوله الحوادث ووقائعها، بحيث تمثل العمود الفقري الذي يربط بين أجزاء الخطاب، إذ يضع كل منها دوره في مكانه المناسب لتؤدي كل الخطوط إلى النهاية المرسومة، "وهي مرحلة التمهيد للعقدة التي ينمو خلالها الصراع ليصل إلى أقوى الحوادث إثارة والتي تمثل ذروة الأزمة، لنرى بعدها تبدد السحب وانقشاع الأزمة "، ومن هناتأتي ضرورةالاهتمام بالشخصية واختيارها.

وينبغي أن تتناسب الشخصيات المقدمة مع المرحلة العمرية للطفل ومن أهم ما يراعى في هذا الشأن لأطفال مرحلة البحث هو الوضوح، إذ يستدعي رسم الشخصيات بعناية مع "التركيز على الجوانب المحسوسة الملموسة المرئية بما يتفق مع أسلوب الطفل في التفكير الحسي"، ويفضل إن لا يزيد عدد الشخصيات عن مستوى قدرة الطفل على التذكر والاستيعاب، وان تتضمن التشويق من خلال " اختيار شخصيات تستهوي الأطفال سواء كانت هذه الشخصيات من الحيوانات أم من أبطال حقيقيين أم من الشخصيات المحببة في عالم الأطفال"، ومن أهم السمات العامة للشخصية في الدراما الموجهة للأطفال من خلال الاطلاع على الأدبيات في علم الاجتماع السمة البيولوجية، وهي الخطوة الأولى وتعني اختيار جنس الشخصية ذكر أم أنثى رجل أم طفل أم حيوان أم شخصية خيالية إذ يركز الأطفال غالبا على جنس الشخصية بل يصبح اسم وجنس الشخصية يتردد على ألسنتهم، ومن الشخصيات التي ظلت عالقة في ذهن الأطفال ولمدة طويلة شخصية (السندباد البحري) وشخصية (ياسمينة) وكذلك شخصية (ساندي بيل) أيضا في المسلسل الكارتوني الشهير وهي البنت الودودة والطيبة وبالتالي يرى المؤلف أن الصفة البايلوجية والصفة المادية لهما تأثير كبير على تصرفات الأطفال وهي التي تتحدد من خلالها المعالم العامة للشخصية.

ومن الملاحظ أيضا أن أكثر المواقف إثارة لدى الأطفال والتي يتابعونها بشغف هي المواقف التي تدور حول صراع الخير والشر، وحسم الصراع لقوى الخير أي انتصار البطل.

وتعد سمة الدوافع المحركة للشخصية الخطوة الأولى للشخصية أو الخطوة الأولى في التحقيق الدرامي أي الدوافع المحركة للتعبير عن ما يجول بفكر الشخصية المصحوبة بإرادة التنفيذ وقد تكون الدوافع اجتماعية تربوية و أخلاقية وعلى صانعي الأعمال الدرامية الموجهة للأطفال أن يمهدوا لتلك الدوافع في مشاهد استهلالية تساعد على تفهم الطفل لما يجول في فكر الشخصية أو دوافعها.

ومن السمات السيكولوجية التي تتحلى بها الشخصيات الرئيسة في العمل الدرامي الموجه للأطفال قوة الإرادة وهي الإصرار الذي لا يتوانى عن تحقيق الهدف الرئيس أي مواصلة البطل في الدراما التلفزيونية الموجهة للأطفال على تحدي الصعاب والمفاجآت والإصرار على تحقيق الهدف، والطفل في هذه المرحلة يميل دائما إلى متابعة الأبطال ذوي الإرادة القوية والعزيمة ونرى ذلك قد تجسد من خلال الدراما الكارتونية (مغامرات الفضاء) حيث نرى البطل وعلى الرغم من تعدد المخاطر والصعاب نلاحظ قوة الإرادة لديه من اجل محاربة الأشرار والطامعين وأيضا هناك سمة مهمة جدا وهي الذكاء، حيث يجب أن تمتع الشخصيات التي تجسد الأدوار في الدراما الموجهة للأطفال بالذكاء وهو من السمات المرغوبة جدا فقد نرى تلك الشخصية قادرة على التعامل مع المواقف وإيجاد الحلول للازمات في العمل الدرامي للأطفال وهذا ما تطمح إليه الجهات الصانعة في بناء شخصية ذات بناء معرفي وتربوي .

وهناك أيضا سمة أخرى وهي سمة الجاذبية ونعني بها جاذبية الشخصية، وحيث تنتج فرادة الشخصية في أسلوبها الحياتي الواقعي دورا مهما في تحقيق الجاذبية ومثال على ذلك شخصية (عدنان) في المسلسل الكارتوني(عدنان ولينا) الذي يحمل الاسم نفسه حيث نرى قوة الإبداع لهذه الشخصية في التعامل مع الأصدقاء ومن خلال التفاني والمساعدة في عمل الخير مما يعطي للشخصية جاذبية عند الأطفال من خلال تلك الدراما لهذه الشخصية .

أما في الشخصيات الغرائبية التي بينها المؤلف في المبحث السابق فأن عناصر اللغة التلفزيونية تمتلك القدرة على تجسيد السمات الغرائبية للشخصية في الأعمال الدرامية التلفزيونية ، وتعد الوسائل التقنية من الأساسيات التي يسعى صانعوا العمل الفني إلى توظيفها، لتجسيد السمات الغرائبية للشخصية الدرامية، لما لهذه الوسائل من دور خلاّق في دعم الركائز الأساسية داخل العمل الفني.

حيث يعمل صانعوا هذه الأعمال على تفعيل المؤثرات التقنية الحاسوبية التي تنتج لهم شخصيات تستطيع ترك تأثيرها على المتلقي من خلال الأفعال الخارقة التي تقوم بها الشخصيات والتي تعطي وقعا وتأثيرا وإدهاشا كبيرا على المتلقين فيما إذا وظفت توظيف علميا وتربويا بعيدا عن العنف والدماء والعادات غير المألوفة التي تعطي تأثيرا سلبيا ولو تابعنا شخوصا مثل شخصية سبونج بوب في المسلسل الكارتوني ( سبونج بوب )، شخصية لوفي المسلسل الكارتوني (لوفي) نجد ان هذه الشخصيات تمتلك ميزات غير بشريه أما هي نباتية مثل( سبونج بوب ) وتمتلك صفات مثل الكلام البشري والعادات البشرية، فضلا عن الحركات الخارقة أو أنها شخوص بشرية مثل شخصية بين تين في مسلسل ( بين تين ) لها القدرة على التغير والتأثير، أو الصفات الخارقة والتي وظفت فنيا وتقنيا من اجل إسقاط الجانب التربوي والتطهير الأرسطي على المتلقي لهذه الأعمال.

أن هذه الشخصيات التي تمتلك تلك السمات التي تميزها عن غيرها من الشخصيات الدرامية الأخرى، هي شخصيات لا يمكن توافرها ضمن العالم المادي المعاش، إلا أنها تنطلق من الواقع وصولاً إلى أقصى درجات الخيال، سواء من ناحية الشكل أم من ناحية قدرتها على القيام بالأفعال الخارقة، وهو ما يمنحها تحرراً من القيود التي تكبّل العالم المادي، إذ تعد الشخصية ذات السمات الغرائبية في الأعمال الموجهة للطفل عنصراً مهماً، إذ تعمل بالاشتراك مع العناصر الأخرى على إيصال المضمون المقترن بالغرائبية والذي لابد أن يؤدي إلى إيصال الرسالة التربوية للدراما.

مؤشرات الفصل:

خرج المؤلف من هذا الفصل بمؤشرات منها:

1- يعتبر إضفاء الصفات الجاذبة المميزة مثل القوة والجسد السوي وحسن المظهر والنظافة من المعايير البايلوجية التي يتم بناء الشخصية الموجهة للطفل فيها.

2- تعد السمات التي تتحلى بها الشخصيات الرئيسة مثل الإصرار والإرادة والجاذبية والصدق وغيرها، من المعايير السيكولوجية التي يتم بناء الشخصية الموجهة للطفل فيها.

3- تعد السمات الغرائبية للشخصية في الأعمال الموجهة للطفل وبكل تشكلاتها من أهم السمات التي تستطيع فرض الإبهار والإدهاش والتشويق على المتلقي الطفل، وبالتالي تحقق الأهداف المرجوة من هذه الأعمال.

الفصل الثاني: تحليل العينات والنتائج والاستنتاجات:

العينة رقم (1):

بيانات العينة:

اسم البرنامج: مغامرات دورا.

زمن البرنامج:25 دقيقة.

سنة الإنتاج: لازال مستمراً.

عدد الحلقات التي تم تحديدها للتحليل: حلقة واحدة.

شخصيات المسلسل:

الشخصية الرئيسية: دورا صوت / مريم عبد العزيز

الشخصيات الأخرى:

موز و القرد صوت / عادل عمر

الخريطة صوت / معوض إسماعيل

حقيبة الظهر صوت / احمد خالد

سنقر الكذاب صوت / احمد خيري

ملخص الحلقة:

اختار المؤلف حلقة يوم(22/8/2.12) وتبدأ الحلقة بسؤال من الشخصية الرئيسية (دورا)موجه للأطفال هو، هل تعرفون ما هو القطار؟، ثم تبدأ بشرح آلية عمله مع بعض الصور له، ثم تسأل دورا عن الصوت المعروف للقطار وتقلده، والنقطة الأهم هي ذكر معلومات عن القطارات باللغة العربية والانكليزية، ثم نسمع حوار للقطارات نفسها وكأنها شخصيات حقيقية وهكذا على طول الحلقة، وكذلك نشاهد إن القطار الأزرق لا يمتلك الصفارة المعروفة للقطارات، ولذلك يبدو مكتئبا وبعيدا عن الجو العام للحياة لأنه يشعر بالنقص عن باقي القطارات، وفي المشهد الخامس من العينة نلاحظ ( دورا ) ذلك تقترح إجراء مسابقة بين القطارات الثلاثة ذات الألوان الأحمر والأخضر والأزرق والفائز هو الذي سيحصل على الصفارة، فعلى طول العمل نشاهد حكاية ذات حبكة درامية تعليمية تمتلك بناءا غرائبيا مشوقا وتأثير تعليميا على شخصية المتعلمين.

أولا ⁄ يعتبر إضفاء الصفات الجاذبة المميزة مثل القوة والجسد المميز وحسن المظهر والنظافة من المعايير البايلوجية التي يتم بناء الشخصية الموجهة للطفل فيها.

عمد صانعوا هذا العمل الكارتوني على ابتكار تصميم للشخصية الرئيسية ( دورا ) بحيث تبدو شابة ومرحة وذكية وتتمتع بالحيوية والنشاط وهذا ما انعكس بدوره على المشاهدين الصغار الذين يتماهون مع شخصيات في اغلب الأحيان يحاولون الوصول إلى فرادتها وحنكتها الظاهرة على المظهر الخارجي حيث نلاحظ البطلة (دورا) و(موزو) و(ايسا) في المشاهد الأول والثاني والسابع والعاشر يتميزون بمعايير بايلوجية لها فرادتها وتأثيرها على المتلقي الطفل من حيث الملبس الخارجي فالبطلة (دورا) ترتدي ملابس زاهية الألوان وذات أناقة وتمتلك قصة شعر مميزة وعينان كبيرتان فضلا عن الجانب المميز الأخر وهو الإلقاء الذي تعتمد عليه في إيصال الجانب العلمي والمعرفي للأطفال الذي كانت متميزة فيه أيضا، أما القرد (موزو) فكان هو الأخر متميزا في حركاته وإلقاءه وأسئلته المتنوعة التي تخلق الجانب التفاعلي بشقية الداخلي داخل بنية العمل مع الشخصيات الأخرى والخارجي الذي يزيد من حدة التأثير والتشويق الذي تقوم الشخصية الرئيسية (دورا) وبالتالي أحداث التأثير التربوي والأخلاقي الذي ترنو إليه كافة الأشكال الدرامية وكذلك (ايسا) كانت لها التأثير المشوق للأحداث وزيادة حدة الصراعات من خلال التميز البايلوجي الذي عمد إلى إخراجه صانعي العمل الفني.

ثانيا / تعد السمات التي تتحلى بها الشخصيات الرئيسة مثل الإصرار والإرادة والجاذبية والصدق وغيرها، من المعايير السيكولوجية التي يتم بناء الشخصية الموجهة للطفل فيها.

نلاحظ إن أغلب الشخصيات المقدمة صوريا سواء أكانت بشرية أم حيوانية أم نباتية أم جماد تمتلك طابعا شاعريا وإنسانيا نبيلا وتنحاز إلى جانب الخير والجمال والفضيلة ففي مشاهد كثيرة نرى البطلة (دورا) تنحاز إلى جانب الخير ومساعدة الضعيف ففي هذه الحلقة نراها تساعد القطار الذي لا يمتلك صفارة ليفوز بالسباق حتى يمتلكها ليصبح سويا كباقي القطارات وهذه دلالات نفسية وأخلاقية موجهة للمتعلمين من اجل مساعدة زملائهم سواء في المدرسة والبيت أو أي مكان أخر، لكي يصبحوا متفوقين أو يلحقوا بركاب زملائهم الآخرين وهنا تترسخ فلسفة التعاون والمحبة ضد الأنانية والاستئثار، ما عدا شخصيات بسيطة وقليلة وهي غالبا شخصيتان وثلاثة فقط تنحاز إلى جانب الشر وقيمه الخبيثة واللئيمة حيث نلاحظ في هذه العينة بان الشخصية الشريرة (سنكر) وهي شخصية دائما ما تصاب بالخسران والهزيمة، حيث يتم إيصال فكرة إلى المشاهدين وهي إن الشر دائما نهايته وخيمة وهذا هدف رئيسي في إي عمل تعليمي تلفزيوني يطمح إلى أهداف نبيلة.

ثالثا / تعد السمات الغرائبية للشخصية في الأعمال الدرامية الموجهة للطفل وبكل تشكلاتها من أهم السمات التي تستطيع فرض الإبهار والإدهاش والتشويق على المتلقي لها، وبالتالي تحقق الأهداف المرجوة منها.

نلاحظ في عينة البحث ان القطارات تتكلم وتتحرك ولها وجوه بشرية وتتحاور وتتمازح فيما بينها ومع الشخصية الرئيسية ( دورا ) وكذلك مع باقي الشخصيات الأخرى كما في المشهد الرابع من العينة،وكذلك نرى إن صانعي العمل أضافوا لها مزحة إنسانية نبيلة حتى بدت أنها من بني البشر الحقيقيين الذين يفكرون ويتألمون ويمتلكون الصفات البشرية كلها، ونلاحظ إن أغلب الشخصيات المقدمة دراميا سواء أكانت بشرية أم حيوانية أم نباتية تمتلك طابعا إنسانيا نبيلا وتنحاز إلى جانب الخير والفضيلة، وكذلك نلاحظ إن صانعي العمل سعوا إلى توظيف الخيال فيها لأجل فرض الإبهار والإدهاش والتشويق على المتلقي وهي محاولات لزيادة التأثير السيكولوجي وبقاء العمل راسخا في الذاكرة لسنين طويلة مع العلم أن لا وجود حقيقي لهذه الشخصية الكارتونية في الواقع ولكن المعالجة الإخراجية ساعدت على ترسيخ هذه الشخصية وقيمها التربوية بغرائبيتها على المتلقي.

العينة رقم(2)

بيانات العينة:

اسم البرنامج: عيش سفاري الموسم السابع.

زمن البرنامج: نصف ساعة.

قناة البث: قناة Mbc3 السعودية.

مدير التصوير: شادي الجمزاوي.

المخرج: لعمارة بوفاسة.

جهة الإنتاج: مجموعة قنوات.Mbc

سنة الإنتاج: 2.12.

عدد الحلقات التي تم تحديدها للتحليل: حلقة واحدة.

ملخص الحلقة:

تأخذ برامج الأطفال حيزا مهما في بنية البرامج التلفزيونية وتشكل جزءا مهما من العرض اليومي للقنوات الفضائية، وانطلاقا من هذه الأهمية شرع المؤلف باختيار احد عيناته من برامج الأطفال المقدمة بطريقة تلفزيون الواقع والمعروضة من القنوات الموجهة للأطفال.

برنامج (عيش سفاري) والذي تبثه قناة (MBC3) السعودية في يوم السبت من كل أسبوع هو احد برامج تلفزيون الواقع، والذي يعتمد كسائر برامج تلفزيون الواقع على الرحلات والحوارات و المسابقات المتنوعة والتي يقوم بها المشاركون والذين رشحوا من عدة دول عربية هي السعودية ومصر والكويت والأردن ولبنان والمغرب والجزائر وفلسطين وقطر وقد تتفاوت أعمارهم بين العاشرة والثانية عشرة ويقومون بالسفر إلى عدة دول مثل جنوب أفريقيا وتركيا للعيش بين الغابات والحيوانات البرية مدة شهر يشكل في النهاية مغامرة لا تنسى في حياتهم مهما تقدموا في العمر وغابت ملامح الطفولة والصبا عنهم.

إن طبيعة المشاركة في برنامج عيش سفاري لا تختلف عن باقي برامج تلفزيون الواقع، فالاختبارات هي فيصل المشاركة للبقاء في البرنامج وتقوم بذلك لجنة التحكيم بين المتنافسين والذين يتبقى عدد محدود منهم يشكل اغلب الدول العربية، وبعد بدء البرنامج المعتمد على العيش سوية لفترة طويلة تشكل فترة ثلاثين يوما من العطلة الصيفية يتخللها استعراض لمواهب المشاركين فضلا عن ثقافاتهم المتنوعة وتحملهم للصعاب التي يتعرضون لها من خلال المسابقات التي يقومون بها في الصحاري أو قرب الأنهار والتي تأتي بعد تقسيمهم إلى عدة فرق، يتم إجبار الخاسرين منهم في المسابقات من خلال لجان التحكيم على القيام بإعمال إضافية مثل الطبخ ورزم الأحمال وغيرها.

وعمد المؤلف إلى اختيار حلقة يوم السبت ( 9 / 4 / 2.12 ) والتي جرت في تركيا وقد تضمنت مسابقات بين فريقين الأول هو (ايتسوس) أما الفريق الثاني هو (تلمسوس) وانتهت بفوز فريق (ايتسوس)، وقد صورت هذه الحلقة في منطقة ذات بحيرات مختلفة حيث جرت المسابقات بين الفرق المتبارية بصورة متنوعة سواء كانت رياضية أم للطبخ، وتضمنت أيضا مشاهد أسترجاعية للأبطال حول استعداداتهم أو ردود أفعالهم حول النتائج.

أولا ⁄ يعتبر إضفاء الصفات الجاذبة المميزة مثل القوة والجسد المميز وحسن المظهر والنظافة من المعايير البايلوجية التي يتم بناء الشخصية الموجهة للطفل فيها.

مما لا خلاف فيه أن كثيرا من برامج الأطفال، تعتمد على الأطفال الموهوبين والذين هم بطبيعة الحال ليسوا من الممثلين المحترفين لذلك نرى أن أدائهم التمثيلي يسوده كثيرا من البساطة وعدم الاحترافية في التعامل مع الكاميرا، ولكن مواهبهم المتجسدة من خلال الحركات الجسدية والألعاب التي تحتاج إلى مهارات عالية في التحكم بالجسد وهي من التفاصيل التي تشد المتلقي إلى العمل وتجعله منبهرا به، وتختلف عينة البحث البرنامج (عيش سفاري) في أدائها الدرامي عن جميع البرامج الدرامية المقدمة للأطفال لأنها اعتمدت الممثلين الحقيقيين كونها من إعمال تلفزيون الواقع وهذه ميزة لا تختلف في تأثيرها عن الإعمال الغرائبية، كون الإعمال الواقعية تنقل الواقع كما هو إي الواقع وقد تلبس بالفعل وهنا نجد أن التماهي ما بين الممثل والمتعلم يحصل في أجمل صوره حيث لا تزويق ولا رتوش في الحياة المقدمة مما يشكل حافزا للمتعلم من اجل الوصول إلى التميز الذي تمتلكه الشخصية المقدمة في العمل من خلال سماتها البايلوجية والتي وظفتها إلى إضفاء المفاهيم التربوية على المتلقين.

ولو لاحظنا أيضا المشهد رقم (4) في عينة البحث والمتضمن مسابقة بين فريقين هما فريق ايتسوس وفريق تلمسوس، وقد كانت المسابقة عبارة عن شواء اللحم ووضعه في شطائر ومن ثم بيعه للسواح في تركيا، ولو تأملنا الأداء التمثيلي للمشاركين خلال عملية الشواء او البيع نجده أداء حياتي مميز لأطفال يقومون بالشواء والبيع للسواح خارج وطنهم، حيث نلاحظ قدرات بايلوجية مميزة للممثلين من خلال استمرارهم لساعات في شوي اللحم وتحضير (السلطات) وصناعة الشطائر ثم التوجه إلى مجاميع السواح لدعوتهم للشراء، إن الأداء المبني على حركات مميزة في التقطيع والشواء والمشي بسرعة وبدون أخطاء فضلا عن الأصوات المميزة في البيع وكذلك المقدرة الجميلة في التحاور مع الوفود والسواح لدرجة الإقناع هي من السمات البايلوجية المميزة حيث تعمل هذه المواهب على إيجاد منظومة علائقية ما بينها ومابين المتلقي المتعلم الذي يتأثر كثيرا بهذه الأعمال الجماعية المبنية على التعاون والمحبة وجمع الأموال ومن ثم مساعدة الفقراء بها.

ثانيا / تعد السمات التي تتحلى بها الشخصيات الرئيسة مثل الإصرار والإرادة والجاذبية والصدق وغيرها، من المعايير السيكولوجية التي يتم بناء الشخصية الموجهة للطفل فيها.

حفلت عينة البحث بالعديد من المزايا السيكولوجية المميزة حيث كانت الطبيعة القاسية والأعمال الشاقة تحتاج إلى أشخاص من نوع خاص يتحملون هذه المشاق من خلال القدرات السيكولوجية التي تزينوا بها والتي اقتلعت كل إسقاطات الخوف والقلق والغربة، ولو لاحظنا أيضا المشهد رقم (5) في عينة البحث نرى المشاركين يقومون بأعمالهم في عملية البيع بطاقة مليئة بالصبر والتحمل والتي حولتهم إلى طاقات بشرية تأبى الهزيمة والانسحاب، وهذه الميزة هي رسالة تعليمية تربوية هادفة إلى كل المتلقين الأطفال، من إن الدراسة أو المشاريع العلمية تحتاج طاقات كبيرة من الجد والاجتهاد والصبر والتحمل للحصول على مرتبة التفوق والتميز، وكذلك يقدم هذا المشهد من عينة البحث دروسا تعليمية في التعاون الجماعي سواء في الطبخ أو التنظيف أو السكن سوية، وهذا ما سيعلم ويؤهل المتلقي الطفل للتكيف مع هذه الحياة بسرعة في حياته المستقبلية،فضلا عن تقديم المشهد طرق متعددة لصنع الأغذية وهذا جانب مهم أيضا لابد للمتلقين من سبر أغواره، ومن الدروس السيكولوجية المهمة التي قدمتها تحمل الغربة وفراق الأهل، ففي المشهد رقم (7) في عينة البحث، نلاحظ استذكار الأطفال لذويهم في داخل مسكنهم وأثناء الحديث مع أستاذهم، فقد كان تركيزهم على مهن آباءهم والنجاح الذي وصلوا إليه في أعمالهم، ولابد لهم (إي المشاركين) أن يحذو حذو آباءهم في التفوق والنجاح،فلم نشاهد إي من الأطفال وهم بأعمار الثانية عشر والثالثة عشر أي اشتياق سلبي إلى ذويهم كونهم تربوا داخل اسر علمتهم الاعتماد على النفس من الصغر، وهذه المزية من المزايا السيكولوجية المهمة التي يريد إيصالهاالعمل الفني إلى المتلقين، من إن الاعتماد على النفس ضرورة مهمة في النجاح الدراسي والأسري والاجتماعي ولكن هذا لا يلغي الاشتياق الايجابي للأسرة، وهنا الاشتياق مرهونا بالحب واللوعة لا بقضاء الحاجات الضرورية للطفل وإضفاء الجانب الأمني له بسبب عدم تحمله المشاق الحياتية المتنوعة.

النتائج:

1- شهدت عينتا البحث اهتماما كبيرا في سمات الشخصية في الأعمال الدرامية التلفزيونية الموجهة للطفل من حيث إثراء الشخصيات بطابعها البايلوجي بالعديد من المميزات الواقعية أو الغرائبية منها، حيث نرى التفرد ببعض القوى الخارقة تقوم بها الشخصيات في العينة الأولى (دورا) من اجل إيصال المضامين التربوية للمتلقين وبصورة لا تضر بمخيلاتهم، فيما شهدت العينة الثانية (عيش سفاري) اهتماما كبيرا في تقنية الجسد تمظهرت من خلال الأداء الحركي للأطفال المشاركين ومن خلال الأعمال التي يقومون بها داخل العمل، مما سيولد تأثيرا خلاقا على المتلقي الطفل في محاكاة تلك الشخصيات وبالتالي يتم إيصال المضامين التربوية بشكل مؤثر، وهنا تتجسد الجوانب البايلوجية للشخصية في أبهى صورها، والتي يجب على صانعي العمل الفني التقيد بها وتفعيلها في أعمالهم الموجهة للطفل.

2- حفلت العينتان بتفعيل البعد أو الجانب السايكلوجي للشخصية والذي يتجسد في صفات إنسانية حميمية أخلاقية تربوية مثلالإصرار والإرادة والتعاون والصدق وما إلى ذلك، حيث قامت بطلة العينة الأولى (دورا ) بالعديد من الأعمال التي بينت مكامن الصدق والمساعدة لزملائها كما في مشهد مساعدتها للقطار للحصول على الصفارة ومشهد إصرار القطار الأزرق للفوز بها، أما العينة الثانية( عيش سفاري )، فقد امتلأت بالعديد من الصفات التربوية النفسية فالتعاون راسخا في مخيلات المشاركين كما في مشهد الشواء، والإصرار باديا كما في مشهد البيع، وهذه الصفات أعطت تأثيرا جماليا عاليا على بنية العمل والذي يترك أثاره الجمالية التربوية على المتلقي الطفل، وبالتالي لو وظف صانعوا الأعمال الدرامية التلفزيونية الموجهة للطفل هذه الصفات النفسية الايجابية المتعددة في أعمالهم لأعطت نتائج باهرة في مجال العمل الدرامي التلفزيوني.

الاستنتاجات:

يمكن الوقوف على الاستنتاجات الآتية من خلال النتائج التحليلية:

1- تحقق السمة البايلوجية في الأعمال الدرامية الموجهة للطفل اشتغالات لها فرادتها المحققة للإقناع والتأثير التربوي على متلقيها من خلال رسم شخصية لها جاذبيتها الجسدية المبنية على جمال الهيئة وقوام الشكل وسلامة النطق وتعدد المواهب والتي لو وظفت ايجابيا لأعطت تأثيرات هائلة في البناء الأخلاقي والتربوي للمتلقي.

2- تعد السمات الغرائبية للشخصية المقدمة للطفل من الركائز التي تحقق الإقناع والتأثير الأخلاقي والتربوي للمتلقي الطفل وبكل تشكلاتها سواء كانت على هيئة بشر او أشكال حيوانية أو حتى خرافية شريطة الابتعاد على فلسفة العنف وإشاعة المفاهيم التي تتنافى مع الأديان السماوية والقيم الموروثة السامية.

3- ان اختيار الإسقاطات الايجابية من السمة السايكلوجية يعطي دافعا ايجابيا لتحقيق التعلم والتربية من خلال إبراز السمات السايكلوجية الايجابية للأبطال مثل الإصرار والصبر والعزيمة التي تمتلكها الشخصية القيادية والمؤثرة والابتعاد عن الشخصيات النفسية القلقة أو الانطوائية أو السايكوباثية والتي لها انعكاسات سلبية على المتلقي الطفل، فضلا عن احتياجها إلى متلقي بعمر كبير لفك شفراتها النفسية.

......................................................................................................
المصادر:
أولا: المصادر من الكتب العربية والمترجمة:
1. أسلن، مارتن، تشريح الدراما، تر: أسامة منزلجي، عمان، دار الشروق للنشر والتوزيع، 1987 .
2. ثايت،آرثر، قصة السينما في العالم، تر: سعد الدين توفيق، القاهرة، دار الكتاب العربي للطباعة، 1967.
3. حسين، محمد، فن كتابة السيناريو ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2..5.
4. حماده، إبراهيم، طبيعة الدراما، القاهرة، دار المعارف، 1977 .
5. ...............، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، القاهرة، دار الشعب، 1971 .
6. علي، سامية احمد ، وشرف عبد العزيز ، الدراما في الإذاعة والتلفزيون ، القاهرة ، دار الفجر للنشر والتوزيع ، 1999.
7. العناني، حنان عبد الحميد، الفن والموسيقى والدراما في تربية الطفل، مطبعة دار الفكر، عمان، 1993.
8. الفرجاني، عبد العظيم عبد السلام، تكنولوجيا تطوير التعليم، القاهرة، دار المعارف، 1993.
9. سوزان السيد المنوفي، تكنولوجيا التعليم الحديثة، القاهرة، مركز جامعة القاهرة للتعليم المفتوح، 2.1..
1.. احمد نجيب، أدب الأطفال علم وفن، مصر، دار الفكر العربي، ط3، 2....
المصادر من الرسائل والاطاريح الجامعية:
11. ألبياتي، ميسون عبد الرزاق، الأبعاد الثلاثة للشخصية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 1988.
12. معتز محمد علي، السمات الغرائبية للشخصية الدرامية في أفلام الفنتازيا، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة، 2.12.
13. الغديري،آمال طاهر حسن، تجسيد المتخيل في الدراما التلفزيونية، رسالة ماجستير غير منشورة،جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة،2..9.
14. الياسري، عمار إبراهيم محمد، التراكيب الدرامية والدلالية في البرامج التفاعلية التلفزيونية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الفنون الجميلة، 2.11.
المصادر من نوع المحاضرات:
15. مهدي، ثامر، البناء الدرامي، محاضرة مقدمة الى طلبة قسم التلفزيون، كلية الفنون الجميلة، بغداد، 1995، س1. صباحا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1