لم تدم طويلا تنظيرات العلوم الاجتماعية حينما رفع (فرنسيس بيكون Frances Bacon ) شعار التجريب والشك في مخرجات الفلسفة الأرسطية، وتدحرجت بعد ذاك عشرات النظريات والافتراضات التي كانت حبيسة الخشية والخوف وعدم اليقين العلمي، ومثلما أثبتت العلوم الصرفة خطل الكثير من النظريات والقوانين، شهدت وتشهد معظم مصفوفات التنظير الاجتماعي والسياسي والثقافي كابوس التغير، ومن ثم الانطواء من خلال الحقيقة والرقم والمنطق، وكانت وسائل الإعلام والاتصال وكجزء من تبعيتها المدرسية الى عربة علم الاجتماع والسياسة وعلم النفس، كان قد كتب لها ان تخرج نظرياتها وتلاحقها في ظل الثلاثي الذي هيمن على هندسة السلوك الإنساني وترشيح كفة الدعاية ...وبالأخص بعد الحرب الكونية الأولى والثانية ...وبدأت تفسيرات التأثير النفسية بنظرية( الرصاصة )او التأثير الفوري تأثراً بنظرية المنبه والاستجابة، ومن ثم النظرية الاجتماعية بالاعتماد على قادة الرأي المحليين، والمدرسة الوظيفية ... ثم التفسيرية ...والفجوة المعرفية ...وترتيب الأولويات ..الخ من عشرات نظريات التأثير التي تم تحديدها على أنها ترتقي لتفسير مرمى التأثير الإعلامي وعمقه التاريخي للاهتمام والاتساع الإعلامي....وكنا ندرس ونقرأ حتى ألان تلك النظريات التي عفى عليها الزمن وأرغمتها التكنولوجيا على الهروب من الساحة والسكن في بطون الكتب، وكشفت جوهر التقليدية التي مازالت كتبنا الإعلامية ومناهجنا تعج بمثلها من الأدبيات، واعتقد إحدى مشكلاتنا هو تقديس التنظير والاحتفاظ ما قيل وما يتكرر على انه الثبات والمقياس الذي يُعمّر رغم العصف الجبار للتكنولوجيا، والحق ان دخول المفاهيم والنظم الحديثة مع مصالحة وإسناد تكنولوجي ورقمي يتعاظم، يجعلنا -إذا كان ذلك متاحاً- ان نجري عمليات غسيل فكري وعلمي لما يدور ويجري ويُستخدم معرفياً وإعلامياً، فليس صحيحاً بالمرة ما نكتبه وما نخطط به من أفكار واستنتاجات تميل الى الثبات السنوي وربما الشهري او اللحظي ... ليس صحيحاً ان يكون القياس ما تعلمنا بل ما يجب ان نتعلم ونتدرب.

مقدمة عامة استهل بها الموضوع الذي جعلني اكتب المقال حينما أطالع وأتصفح متعلقات الأدبيات الإعلامية العربية مركزاً بتكرارها (الممل الكسول) لإيجاد رؤية علمية شاملة لواقع العمل الإعلامي الجماهيري بمستوياته المحلية او الكونية، إلا ما ندر من مراجع واكبت بجدارة بحثية وعلمية تقنيات الوفرة الإعلامية في الفضاء العربي ومتعلقات التلقي وعلاقتها بالمرجعيات الثقافية والرمزية فائقة السرعة، ويمكن بعد أحداث كنيسة سيدة النجاة في بغداد، والإسكندرية في مصر، وما قام به أهلنا في تونس وحراك الإعلام ( ألدقائقي ) في دفق الحدث الجماهيري العظيم بالتشكيل والتحريك، والجرعات المنشطة ...كل هذا نقلاً إعلامياً على انه حصل واقعاً ...وليس بصناعة عناصر خبرية او تغطية كما تصفها الأدبيات اعتماداً مثلاً على كوهين وبونك النرويجيان في كتابهما ( صناعة الأخبار ) او فيما ذكره وولتر لييمان في كتابة المشهور الرأي العام الذي صدر عام 1922 على ان عناصر الخبر تشمل :

أ-وضوح الحدث ب-الغرابة والدهشة ج-القرب الجغرافي د-التأثير الشخصي هـ- الصراع...وآخر يضيف الضخامة، والدهشة، والاستمرارية .....الخ من شروط وخصائص تعج بها المراجع والمصادر ...فأي وضوح تتحدث وأي غرابة ...ولديك مفتاح جغرافية وثقافة العالم عبر الرقميات فائقة المعالجة والسرعة من قبيل الانترنت والفضائيات والمحمول ...وأي حدث لم يحمل (اهتماماً او قرباً مكانياً )، من قضية دا فور مثلاً الى الأزمة المالية وحتى دورة الألعاب الآسيوية الأخيرة، وصولا الى ثورة الخبز التونسية المباركة، أقول هذه العناصر واللوازم المفترضة وحتى القوالب قد كُتبت في زمن كانت الصحيفة المطبوعة تشع وتضيء في أكشاك منتظرة، وكانت سلة الأخبار وتقاريرها تصنع في أسبوع تسجل وتمنتج بماكينات بطيئة وغير ذكية، وكانت (الفورية والوضوح ) مهمة للخبر عندما كانت المسافات المكانية والثقافية عقدة للثقافة وشيوع المضمون، والوضوح مهماً عندما كان المصدر أحادي النقل ( خطي )...وأي ( ضخامة) وكل إحداث الأرض غدت جزء من يومنا ومستقبلنا اقتصاداً كان ام سياسة ام صراع وأي هرم مقلوب يمكن للصحفي ان يحرر خبره في إحداث تونس او زيارة بإيدن بالجينز كما فعلها توني بلير في البصرة عام 2004 او بكاء سا كوزي على مسيحيي العراق ( أي رسالة نتوقع من ذلك هل تساءلنا؟؟ ) تحت اي قالب يمكن تحليل تلك الرموز السياسية الثقافية ؟؟ فأي معايير خبرية يمكن ان نوصي بها الطلبة والصحفيين الناشئين غير الاتكاء على إتقان فنون التحرير وتنظيم ذاكرة ثقافية موسوعية فائقة الشمول وسرعة المعالجة، بالإضافة الى مهارات الترميز الفورية والتي تتناسب مع إطلاق المفاهيم والمقارنات والإحصاء والاستقصاء، إنها حرب الكثافة وليس حرب الفاقة في المعلومات ...الاتصال الرقمي يأتي بحزم فائقة الكثافة والتنوع والشمول ...فعلينا ان نناضل في الاختزال والانتقاء حتى نلاحق الثواني الإعلامية ...لان الدقائق في ذرات القنوات الاتصالية غدت متأخرة ...ولابد لك ان تلهث وراء الانتقاء ...انتقاء الكلمة والصورة والموقف والحدث وحساب التأثير في ثواني ...نعم في ثواني ..إذا كنت تريد البقاء في خارطة أنا مؤثر إعلامي ...إذن أنا موجود .

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0