لقد حدثت الكثير من التغيرات والتطورات في علاقة الأبناء بالوالدين، بمرور الأزمان والأجيال، ففي الماضي كانت الأجواء العائلية أكثر ألفة حيث كان الأولاد يجلسون مع أبويهم بكثرة، وخاصة وقت المساء ليتبادلوا الأحاديث والكلام الجميل ليستفيدوا من خبرة وحكمة آبائهم والاستفادة منها في كيفية التعامل مع الظروف التي يواجهونها في الحياة، وكذلك تعلم الأخلاق والفضائل من خلال ما يرويه الأبوان من قصص وأحاديث تنم عن الحكمة والمعرفة التي من شأنها ان تؤثر كثيرا في شخصية الأبناء بشكل ايجابي.

أما في الوقت الحاضر فقلما نلاحظ هذا الأمر لأن كل شخص أصبح منعزلا عن الآخر بسبب كثرة الساعات الطويلة التي يقضيها أمام التلفاز أو جهاز الحاسوب (اللاب توب) وخصوصا بعد ظهور الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من المستجدات حيث ساهمت بشكل أو بآخر في ابتعاد وانشغال الأبناء عن الإباء، فلم يعد لديهم الوقت الكافي للجلوس والتحدث مع أبويهم أو سماعهم وتلبية احتياجاتهم، مما تسبب في إيجاد وتعميق الفجوة بين الطرفين، لذلك على الأبناء الانتباه والحذر من أن يبعدهم أي شيء كان عن تلك الوجوه التي أتعبها الزمن وان نسعى جاهدين لرسم الابتسامة فيها بأقصى ما نستطيع.

ولأهمية الموضوع وتشعبه أجرت (شبكة النبأ المعلوماتية) عددا من الحوارات مع أشخاص مختلفين في الأعمار والبيئات الاجتماعية لنتعرف على آرائهم حول موضوع بر الوالدين وما عبروا عنه، ليشكل رسالة الى جميع القراء والأبناء بشكل خاص، وكان سؤالنا: ماذا يعني لك بر الوالدين؟ وهل تأثر الأبناء بالتغيرات التي طرأت على العصر ليصبحوا اقل رعاية واهتماما بالوالديْن؟.

فكان حوارنا الأول مع القانونية (ليلى ارشيح) وهي أم لخمسة أبناء، وقد أجابتنا قائلة: أكد الباري عز وجل على بر الولدين في آيات كثيرة من كتابه الكريم ومنها {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، فقد قرن سبحانه بر الوالدين والإحسان لهما بعبادته، فلا يكون المرء مؤديا للصلاة والصوم والواجبات الدينية الأخرى فقط، ما لم يكن مؤديا لحق والديه بارا بهما، وبر الوالدين يعني طاعتهما واحترامهما في كل ما يأمران وينهيان عنه، وقال رسولنا الأعظم (ص): لعن الله والدا أعان ولده على العقوق، فقد يكون الوالدان أو أحدهما السبب في عقوق الولد، لذلك عليهما أن يأخذوا دورهما في تربية الأبناء تربية صحيحة، ونلاحظ في الآونة الأخيرة عدم اكتراث الكثير من الأبناء بموضوعة بر الوالدين نتيجة الانفتاح على الغرب، والحرية المنفلتة وغير المنضبطة والغزو الثقافي لمجتمعنا الإسلامي ومحاولة الغرب القضاء على القيم الإسلامية من خلال تفكيك المجتمع من الداخل عبر اصغر نواة وهي الأسرة، فإن كل ذلك وغيره يمكن ان يؤثر على تفكير وسلوكيات الأبناء وتصرفاتهم وانعكاس ذلك على معاملة وبر الأبناء لآبائهم.

إرشاد الآباء للأبناء

وكان جواب الخريجة (زينب حمزة) وهي ربة بيت وأم لطفل واحد كالأتي: نعني ببر الوالدين هو طاعتهما والإحسان لهما ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف والخير والمحبة والرعاية لهما بأحسن ما يكون، كما هو مذكور في كتاب الله تعالى والأحاديث النبوية الشريفة، وعلى الآباء أن يأخذوا دورهم في تعليم وإرشاد أبنائهم الى الطريق الصحيح، وأن يتفهموا ويقدروا آرائهم ومواقفهم وأن يشاركوهم بالرأي ويكونوا دائما الى جانبهم، فان ذلك يولد تقاربا أكثر بينهم و بالتالي يساهم بشكل كبير ليكون الأبناء بارين بوالديهم، أما في وقتنا الحالي أصبح الأبناء اقل رعاية لآبائهم وذلك لعدة أسباب منها غزو شاشات التلفاز من قبل الأفلام والمسلسلات الغربية (التركية، الهندية وحتى المكسيكية) الفارغة في محتواها من أدنى مستويات الطاعة والاحترام للوالدين، وقد تشجع في بعض الأحيان على التسلط والاستبداد والجرأة في عدم الاكتراث لهما لذلك يتطلب من الجميع زيادة الوعي الثقافي والديني في هذه المسألة للتقليل من هذا الأمر أو الحد منه.

وكانت الإجابة من قبل (امتناء محمد) موظفة أدارية، كالتالي : إن الإجابة عن هذا السؤال مهمة وليست بسيطة.. فالحديث عن موضوع بر الوالدين له شأنه وأثره في حياة الافرد، ويعني نجاح العلاقة الاجتماعية داخل الأسرة، فقد أولى القران الكريم والسنة النبوية بر الوالدين عناية فائقة تجلت في الآيات الكريمة التي جاءت في مواضع مختلفة تؤكد الأمر الإلهي ببر الوالدين، وتتضمن النهي عن عقوقهما، وأهمية بر الوالدين نابعة من أثرها البالغ في حياة الأبناء والآباء، فالوالدان يقدما كل المودة والعاطفة الصادقة ويتحملان العناء والسهر والصبر، وما من احد من الناس يقبل أن يذل ليعز غيره، أو يجوع ليشبع غيره أو يمرض في سبيل صحة غيره، إلا الوالدان مع أبنائهم، وقد شدد أهل البيت (ع) على هذا الأمر أيضا فكانوا خير مثال لنا في حبهم وبرهم لأبويهم، كما نقرأ في قول الإمام زين العابدين (ع) في حق الوالدين: "اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف وابرهما بر الأم الرؤوف، واجعل طاعتي لوالدي وبري بهما اقر لعيني من رقدة الوسنان وأثلج لصدري من شربة الظمآن حتى أؤثر هواي هواهما وأقدم على رضاي رضاهما واستكثر برهما وأن قل واستقل بري بهما وأن كثر".

العولمة وتأثير التقنيات الحديثة

أما الإجابة عن الشق الثاني من السؤال فتقول الموظفة نفسها: نعم لقد تأثرت علاقة الأبناء والآباء بالتغيرات التي حصلت بمرور الوقت، وإن عصرنا الحالي يزخر بأدوات متعددة للاتصال بلغت ذروة الرقي والتطور وما طرحته العولمة من تقنيات حديثة (كالموبايل والحاسوب والفضائيات) وما طرحته من أفكار هجينة لا يمكن للعقل المسلم استيعابها، وخاصة نحن امة لها عاداتها وتقاليدها مما يحمل الأسرة أعباء ويجعلها أمام تحديات جمة في كيفية السيطرة على تربية أبنائها، وحمايتهم من كل مستورد من العادات والأفكار التي لا تمت لواقعنا وأفكارنا بأية صلة، وتلك الأدوات والأجهزة والتقنيات يمكن أن يجعلها الآباء أدوات مفيدة في استخدامها كوسائل للتعليم والتثقيف، وهنا يبرز دور الأبوين في توجيه أبنائهم والاستفادة من كل هذه المتغيرات بشكل ايجابي.

وقد أجابنا (محمد علي) أستاذ اللغة العربية ولديه ثلاثة أولاد بما يلي: إن للوالدين المكانة الكبيرة التي أقرت من الذات المقدسة في القرآن الكريم وكذلك في أحاديث النبي الاكرم ومجمل الأنبياء عليهم السلام، فإذاً تقديرنا وإجلالنا وحبنا للوالدين ليس منّة منا عليهم، والولدان فرصة ذهبية أوجدها الله لنا لنيل رضاه ورضاهما و لنا عبرة في حادثة إجلال واحترام السيدة الطاهرة (فاطمة بنت أسد) من قبل رسول الرحمة (ص) بعد أن كفله عمه أبو طالب (ع) وكيف انه (ص) تعامل عند دفنها، حيث دفنها بيده الكريمة وألسبها قميصه المعفّر بعطر النبوة، وفاء لها لأنه اعتبرها أمه الثانية بعد وفاة والدته السيدة أمنة بنت وهب رضوان الله عليها، في هذا درس رائع يجب النظر فيه والتعلم منه حول كيفية بر الوالدين، أما هل أن الأبناء تأثروا بمتغيرات العصر فلا شك ان تقنيات المعلومات السمعية والمرئية ووسائل الاتصالات المتاحة ومواقع الانترنت الغير مقيدة إضافة الى تعدد الضغوطات المعيشية والاقتصادية وكثرت البطالة وتراجع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانشغال الآباء طويلا بتوفير أسباب العيش للعوائل، وضعف التوجيه الأسري والمدرسي وانحسار رمزية الآباء والمعلم والمربي أفقدتنا الكثير من هيبة هذه الرموز، إضافة الى تخلي الدولة عن ممارسة نفوذها في مراقبة وسائل الاتصال، وأيضا كثرة الحروب واضطراب أوضاع البلد أثرت كثيرا على ابتعاد واتساع الهوة بين الآباء و الأبناء، وإذا أردنا الإصلاح لابد من مراجعة شاملة ومعمقة ومستمرة لمعالجة هذا الخلل ويجب ان تأخذ الدولة والمؤسسة الدينية والتربوية والأسرة دورها في توعية الأبناء من خلال ورش عمل وندوات توعوية وثقافية وإرشادية وإشاعة مفاهيم المحبة والرحمة بين جميع أفراد المجتمع وبين الآباء والأبناء خصوصا.

وخلاصة ما تقدم أن الأبوين هما الجذور التي تربطنا بالحياة ويجب أن نقدم لهما كل ما نملك وأن نحتويهما بكل حنان ومحبة واهتمام لأنهما الأغلى، فإذا فقدت الصديق يمكن أن تجد صديقا آخر مكانه ولو بعد حين وإذا غاب عنك أخ فيمكن أن يعوض مكانه أخ آخر، أما الأب والأم فلا يمكن أن يعوض مكانهما أي شخص أو أي شيء في العالم كله، فرفقا بالوالدين... يا أبي لو وهبتك حياتي فلا أجازيك في قطرة عرق واحدة سقطت من جبينك شقاء وتعبا لتلبية احتياجاتنا،... يا أمي لو وهبتكِ روحي فلا أجازيكِ في نوبة طلق واحدة عند ولادتي... الى من هما أروع ما في الكون وأغلى من نظر العين... أبي أمي ... كل الحب والاحترام والتقديس لكما ما حييت.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1