الاعتماد على القوة العسكرية المفرطة وسياسة الاستقطاب في عالم يزداد تعقيداً واعتماداً متبادلاً هو وصفة للانتحار الجيوسياسي. إن أميركا، ومعها النظام العالمي الغربي، لا تزال تواجه ذات الاختبار: التخلي عن وهم "الإمبراطورية المسيطرة" لصالح تبني دور "القائد الشريك" الذي يسعى لإرساء نظام عالمي أكثر عدالة واستدامة، قبل أن تفرض...
في عالم يموج بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة والأزمات الممتدة، تبرز الأهمية الاستثنائية للرؤية التحليلية العميقة التي قدمها مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في كتابه الاستراتيجي المرجعي "الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم". لا يكتسب هذا الكتاب قيمته من كونه مجرد وثيقة سياسية صيغت في ذروة الهيمنة الأميركية الأحادية، بل من قدرته التنبؤية الفائقة التي تجعل من صفحاته مرآة تعكس بدقة، وربما بقسوة، التحديات التي يواجهها النظام العالمي اليوم.
يضع بريجنسكي في كتابه "الاختيار" الولايات المتحدة أمام معضلة تاريخية فاصلة: إما استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية لفرض "السيطرة" الأحادية، وهو ما سيؤدي حتماً إلى استنزافها وعزلتها، وإما ممارسة "القيادة" عبر بناء إجماع دولي يعالج مظالم الشعوب ويحقق "الصالح العام العالمي".
حذر بريجنسكي من منطقة سماها "البلقان العالمي الجديد" (الشرق الأوسط وآسيا الوسطى)، مؤكداً أن غياب الحلول السياسية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والدعم الأميركي الأعمى لإسرائيل، سيولد كراهية متجذرة وانفجارات عنيفة. واليوم، تقف الحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية في البحر الأحمر ولبنان كشاهد إثبات على أن تجاهل المظالم السياسية والاعتماد على الحلول الأمنية والإكراه العسكري (منطق السيطرة) لم يجلب أمناً لإسرائيل ولا استقراراً للمصالح الأميركية، بل سرّع من تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة.
كما نصح بريجنسكي بضرورة استيعاب القوى الصاعدة كالصين وروسيا ودمجها في النظام العالمي، محذراً من أن عزلها سيدفعها لتشكيل تحالف مناهض للغرب.
وأكد بريجنسكي أن إدارة التحالفات بشراكة وندية، وليس بعقلية التابع والمتبوع، هي طوق النجاة لأميركا. واليوم، تعاني العلاقة عبر الأطلسي من اهتزازات عنيفة. فالنقاشات الحادة حول تقاسم الأعباء المالية للناتو، وتصاعد أصوات أوروبية (كما في فرنسا) تدعو إلى "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي بعيداً عن تقلبات السياسة الداخلية الأميركية، تثبت أن تجاهل أميركا لمصالح حلفائها يخلق شرخاً في أهم أصولها الاستراتيجية.
وصاغ بريجنسكي مصطلح "اليقظة السياسية العالمية" لوصف وعي الشعوب المهمشة بالتفاوت الاقتصادي والظلم الممارس عليها. اليوم، وبفضل ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، وصلت هذه اليقظة إلى ذروتها. لقد أصبح بإمكان الفاعلين من غير الدول، والجماعات المحلية، والشباب المحبط في الجنوب العالمي، التأثير في مسار السياسة الدولية ومقاومة الهيمنة الغربية، وهو ما يحتم على القوة العظمى أن تغير من أدواتها لتلائم عالماً بات فيه الضعيف يمتلك "قوة" التأثير والتعطيل.
ويؤكد الكتاب أن الاعتماد على القوة العسكرية المفرطة وسياسة الاستقطاب في عالم يزداد تعقيداً واعتماداً متبادلاً هو وصفة للانتحار الجيوسياسي. إن أميركا، ومعها النظام العالمي الغربي، لا تزال تواجه ذات الاختبار: التخلي عن وهم "الإمبراطورية المسيطرة" لصالح تبني دور "القائد الشريك" الذي يسعى لإرساء نظام عالمي أكثر عدالة واستدامة، قبل أن تفرض عليها التغييرات العالمية واقعاً لا تملك فيه رفاهية الاختيار.
معضلة أميركا التاريخية بين الهيمنة والقيادة
يفتتح مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، زبيغنيو بريجنسكي، كتابه بمقولة محورية تتسم بالبساطة والعمق في آن واحد، لتشكل الأساس الفلسفي والسياسي الذي يُبنى عليه الكتاب بأكمله. تتمثل هذه المقولة في التناقض الجوهري للدور الأميركي المعاصر؛ فمن جهة، أصبحت القوة الأميركية -التي تؤكد بشكل بارز على سيادة الأمة- هي الضامن الأساسي للاستقرار العالمي. ولكن من جهة أخرى، يحفز المجتمع الأميركي وديناميكيته الميول الاجتماعية العالمية التي تضعف بطبيعتها السيادة الوطنية التقليدية للدول. ويرى بريجنسكي أن هاتين القوتين (القوة الأميركية كدولة، والقوى المحركة الاجتماعية كنموذج) تستطيعان معاً الحض على الظهور التدريجي لمجتمع عالمي تجمعه مصلحة مشتركة. أما الخطر الحقيقي فيكمن في احتمالية اصطدام هاتين القوتين أو إساءة استخدامهما، وهو ما قد يجر العالم نحو فوضى عارمة، ويجعل أميركا في نهاية المطاف دولة محاصرة ومعزولة.
الهيمنة الأميركية غير المسبوقة وغياب المنافس
ينطلق المؤلف في تحليله لواقع النظام العالمي مع بداية القرن الحادي والعشرين من حقيقة أن القوة الأميركية لا مثيل لها على الإطلاق. وتتجسد هذه القوة في أربعة أبعاد رئيسية: المدى العسكري المطلق على الصعيد العالمي، ومحورية النشاط الاقتصادي الأميركي وأهميته البالغة لصحة الاقتصاد العالمي، والتأثير الإبداعي الهائل للدينامية التكنولوجية الأميركية، وأخيراً الجاذبية العالمية التي تتمتع بها الثقافة الأميركية المتعددة الأوجه. هذه العناصر المجتمعة وفرت للولايات المتحدة نفوذاً سياسياً عالمياً لا نظير له في التاريخ، وجعلت منها ضابط الإيقاع العالمي بلا منازع على المدى المنظور.
وعند استعراض القوى العالمية الأخرى، يستبعد بريجنسكي وجود أي ند حقيقي لأميركا في المستقبل القريب؛ فأوروبا قد تكون منافساً اقتصادياً، إلا أنها تحتاج إلى وقت طويل لتحقيق وحدة سياسية تمكنها من المنافسة السياسية. واليابان، التي نُظر إليها يوماً كقوة عظمى ثانية، قد خرجت من السباق، بينما يُرجح أن تظل الصين فقيرة نسبياً لجيلين قادمين على الأقل رغم نموها الاقتصادي، فضلاً عن مواجهتها لمصاعب سياسية محتملة. أما روسيا فقد خرجت تماماً من دائرة المنافسة، مما يؤكد أنه لا يوجد بديل واقعي للهيمنة الأميركية كعنصر لا غنى عنه للأمن العالمي.
مفارقة القوة وانعدام الأمن في عصر العولمة
رغم هذه السطوة المطلقة، يطرح بريجنسكي مفارقة فريدة تعيشها أميركا؛ فهي القوة العظمى الأولى والوحيدة، إلا أن مواطنيها ينشغلون بشكل متزايد بتهديدات نابعة من مصادر معادية أضعف منها بكثير. هذا النفوذ الساحق يجعل أميركا موضعاً للحسد والاستياء، ومحلاً للكراهية الشديدة لدى البعض. وفي هذا السياق، تواجه القيادة الأميركية معضلة التوازن الدقيق. فالاعتماد الحصري على التعاون المتعدد الأطراف قد يؤدي إلى خمول استراتيجي في مواجهة التهديدات المتعاظمة. لكن في المقابل، فإن الاعتماد الأساسي على الممارسة الأحادية للقوة، خصوصاً مع تعريف ذاتي ومنفرد للأخطار، سيؤدي حتماً إلى العزلة الذاتية وتنامي "رهاب الارتياب القومي"، ويزيد من التعرض لفيروس معاداة الأميركيين المنتشر عالمياً. ويحذر المؤلف من أن السعي المنفلت وراء الأمن الأحادي قد يحول أميركا من "موطن الأحرار" إلى دولة حصن عسكري تتشرب ذهنية الحصار.
نهاية المناعة الجغرافية وأخطار التكنولوجيا
يقارن بريجنسكي بين الهيمنة الأميركية والإمبراطوريات السابقة (كبريطانيا العظمى، والصين، وروما)، موضحاً أن تلك القوى لم تكن تتأثر نسبياً بالتهديدات الخارجية لأن العالم كان مقسماً، وكانت المسافة والزمن يوفران متنفساً يعزز أمن الوطن. أما أميركا اليوم، فهي تعمل في عالم يشتد فيه الجوار وتقوى فيه أواصر الألفة. ورغم تفردها بالقوة، إلا أن أمنها الداخلي مهدد بشكل فريد أيضاً.
لقد تزامنت نهاية الحرب الباردة مع انتشار تقنيات صنع أسلحة الدمار الشامل، ليس بين الدول فحسب، بل بين مجموعات سياسية ذات دوافع إرهابية. وبينما واجه الأميركيون بشجاعة حالة الردع النووي المتبادل مع السوفيات -والتي اصطلح على تسميتها بـ"العقربين في الزجاجة"- فإنهم اليوم يشعرون بقلق أكبر من العنف المتسرب والإرهاب. إن العولمة تعني التكافل العالمي، وهذا لا يضمن المساواة في الأمن، بل يعني أنه لا توجد دولة محصنة تماماً من عواقب الثورة التكنولوجية التي زادت من قدرة الإنسان على العنف.
الأسئلة الاستراتيجية الكبرى وغاية الهيمنة
يصل بريجنسكي إلى التساؤل المركزي الذي يواجه صناع القرار في واشنطن: "ما هو غرض الهيمنة؟". هل ستسعى الأمة الأميركية لصياغة نظام عالمي جديد يقوم على مصالح مشتركة، أم ستستخدم قوتها المطلقة فقط لتحصين أمنها الخاص؟.
للإجابة عن هذا التساؤل، يطرح المؤلف حزمة من التساؤلات الاستراتيجية العميقة التي يكرس الكتاب للإجابة عنها، ومن أبرزها:
* هل يحق لأميركا التمتع بأمن يفوق ما تحصل عليه الدول الأخرى نظراً لمكانتها؟.
* كيف تواجه التهديدات المهلكة الصادرة عن أعداء ضعفاء بدلاً من منافسين أقوياء؟.
* هل تستطيع أميركا إدارة علاقتها بشكل بناء مع العالم الإسلامي البالغ تعداده 1.2 مليار نسمة، والذي ينظر قطاع واسع منه لأميركا كعدو لدود؟.
* هل يمكن لأميركا حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني حلاً حاسماً؟.
* كيف يمكن إيجاد استقرار في "بلاد البلقان العالمية الجديدة" المتقلبة؟.
* ما هي آفاق الشراكة مع أوروبا القوية اقتصادياً والبطيئة سياسياً؟. وهل يمكن ضم روسيا للإطار الأطلسي؟. وما هو الدور الأميركي في الشرق الأقصى إزاء اليابان والصين؟.
* كيف ستؤثر الديموغرافيا، والهجرة، والتفاوت الإنساني الذي تزيد العولمة من حدته، على الاستقرار العالمي؟.
* وأخيراً، هل تتوافق الديموقراطية الأميركية مع دور الهيمنة السياسية، وكيف ستؤثر الضرورات الأمنية على الحقوق المدنية التقليدية للأميركيين أنفسهم؟.
يختتم بريجنسكي مقدمته بتوضيح طبيعة كتابه الذي يجمع بين التنبؤ والتوجيه. ويؤكد أن الثورة التكنولوجية الحديثة تدفع نحو بروز مجتمع عالمي تتزايد مصالحه المشتركة وتكون أميركا محوره. غير أن ميل القوة العظمى الوحيدة نحو "العزلة الذاتية" سيؤدي حتماً إلى إغراق العالم في فوضى متصاعدة تتفاقم بفعل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وبناءً على هذه المعطيات، يضع بريجنسكي الشعب الأميركي وقيادته أمام مسؤوليتهم التاريخية الفريدة. فقدر أميركا يحتم عليها إما أن تكون العامل المساعد في إيجاد مجتمع عالمي مستقر، وإما أن تتسبب في فوضى عالمية. إن هذا هو المأزق الأكبر الذي يطرحه الكتاب، وهو يختزل في كلمات معدودة: على أميركا أن تختار اليوم بين "الهيمنة على العالم وبين قيادته".
القسم الأول: حقيقة الهيمنة الأميركية وغياب المنافس البديل
يقدم زبيغنيو بريجنسكي في القسم الأول من كتابه "الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم"، والذي يحمل عنوان "الهيمنة الأميركية والأمن العالمي"، تشخيصاً استراتيجياً عميقاً ومفصلاً للمعضلات والتحديات التي تواجه الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة. ويتألف هذا القسم في جزئه المعروض من فصلين رئيسيين يفككان العلاقة المعقدة بين القوة المطلقة والهشاشة الأمنية في عصر العولمة.
يبدأ بريجنسكي بتأكيد حقيقة لا مراء فيها؛ وهي أن المكانة الفريدة لأميركا في الهرمية العالمية تحظى اليوم باعتراف واسع النطاق، حتى من قبل أولئك الذين يشعرون بالاستياء أو الريبة تجاهها. ويفند الكاتب إمكانية وجود أي منافس حقيقي يهدد هذه الصدارة في المستقبل المنظور؛ فأوروبا تفتقر إلى الوحدة السياسية اللازمة للمنافسة الجيوسياسية، وروسيا لم تعد قوة إمبريالية وتواجه تحديات داخلية قاسية، واليابان تعاني من شيخوخة سكانية وتباطؤ اقتصادي، في حين لا تزال الصين مقيدة بفقر سكانها وبنيتها التحتية برغم نموها. بناءً على ذلك، لا يوجد بديل واقعي لتأثير القوة الأميركية كعامل توازن واستقرار، وإن أي زوال مفاجئ لهذه الهيمنة سيعجل بحدوث فوضى عالمية شاملة تتخللها ثورات دموية.
ويخلص بريجنسكي في القسم الأول إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة تواجه مهمة شاقة لتهدئة "البلقان العالمي" ومنع انزلاق المنطقة في سباق التسلح الدمار الشامل وتفريخ الإرهاب. وإذا ما حاولت أميركا إدارة هذه المعضلات بمفردها وبقرارات أحادية، فإنها ستغرق حتماً في "الرمال المتحركة للهيمنة".
عند استعراض الشركاء الإقليميين (مثل تركيا المأزومة بمسألتها الكردية، أو إسرائيل التي تتناقض مصالحها مع المصالح الأميركية في كسب ود العالم العربي، أو الهند وروسيا المنشغلتين بعداءات حدودية وقومية)، يجد أن قدراتهم محدودة أو مقيدة. وعليه، يطرح أن الشريك الحقيقي والأقوى القادر على مساعدة أميركا في مهمتها هو أوروبا الممثلة بالاتحاد الأوروبي. فالتعاون "اليورو-أطلسي" المخلص والمتكافئ هو الوحيد القادر على فرض حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وإعادة ترتيب الأوضاع في العراق وإيران، ودمج هذه الدول في المجتمع الدولي بدلاً من عزلها.
يقدم القسم الأول من الكتاب تحذيراً استراتيجياً واضحاً؛ فرغم أن أميركا لا تملك منافساً يزيحها عن عرش الهيمنة العالمية، إلا أن أمنها القومي أصبح مرتبطاً بشكل لا ينفصم باستقرار النظام العالمي بأسره. ولا يمكن ضمان هذا الاستقرار بقوة السلاح أو بالتعالي والمكابرة والسياسات الأحادية المتغطرسة، بل من خلال التعامل مع الجذور السياسية والتاريخية للأزمات، وتجنب تحويل الحرب ضد الإرهابيين إلى حرب ضد حضارات بأكملها. إن قدر أميركا ومسؤوليتها يتطلبان منها توظيف تفوقها لـ "قيادة" مجتمع عالمي متكافل، بدلاً من السعي المفرط والعقيم لمحاولة فرض "السيطرة" المطلقة عليه.
الفصل الأول: نهاية "المناعة الجغرافية" ووهم الأمن المطلق
يقدم زبيغنيو بريجنسكي في الفصل الأول من كتابه، والذي يحمل عنوان "معضلات الأمن القومي"، تحليلاً استراتيجياً عميقاً للتحولات الجذرية التي طرأت على مفهوم الأمن القومي الأميركي في عصر العولمة. ويفكك هذا الفصل العلاقة المعقدة بين القوة المطلقة للولايات المتحدة وبين شعورها المتنامي بالهشاشة، موضحاً كيف تبدلت قواعد اللعبة الدولية بشكل غير مسبوق.
وينتقل الكاتب إلى مناقشة التغير الجذري الذي طرأ على مفهوم "الأمن القومي". تاريخياً، تمتعت أميركا بـ"مناعة جغرافية" فريدة بفضل المحيطين اللذين وفرا لها درعاً أمنياً، ما جعل الأميركيين يشعرون بأن أمنهم هو القاعدة. لكن في عصر العولمة والتطور التكنولوجي السريع، تبدلت هذه المعادلة لتصبح حالة "انعدام الأمن" هي الحقيقة الثابتة.
لقد أدت التكنولوجيا المعاصرة إلى إزالة تأثير البعد الجغرافي، وضاعفت من القدرات التدميرية، وجعلتها في متناول "فاعلين من غير الدول" مثل المنظمات السرية الإرهابية. ويطرح بريجنسكي معضلة حقيقية: كيف تحدد أميركا الخطر وتتعامل معه؟ ينتقد الكاتب بشدة التبسيط المفرط الذي اتبعته الإدارة الأميركية، مثل تصوير الصراع كـ"حرب دينية" أو حرب بين "الخير والشر"، وإطلاق عبارات خطابية مثل "محور الشر". يؤكد بريجنسكي أن "الإرهاب" ليس إيديولوجية أو عدواً بحد ذاته، بل هو "أسلوب وتكتيك" يُستخدم لأغراض سياسية يمكن فهمها.
لذلك، يعتبر الكاتب أن الإحجام الأميركي عن الاعتراف بوجود رابط تاريخي وسياسي بين الهجمات الإرهابية وتاريخ التدخل الأميركي في الشرق الأوسط (مثل الدعم اللامحدود لإسرائيل) هو شكل خطير من أشكال الإنكار. ولكسب الحرب الحقيقية، يجب استئصال الإرهابيين، لكن بالتوازي مع تشجيع عمليات سياسية تعالج المظالم التاريخية والظروف التي تفرخ هذا الإرهاب. ويحذر بشدة من أن الاعتماد الأعمى على الإجراءات الوقائية الأحادية قد يحول أميركا إلى "دولة حصن عسكري" تتشرب ذهنية الحصار وجنون الارتياب، ما يؤدي في النهاية إلى عزلتها دولياً.
يبدأ بريجنسكي بطرح مفارقة تاريخية؛ فعلى امتداد معظم فترات التاريخ الأميركي، كان المواطنون يعتبرون "الأمن هو القاعدة وانعدام الأمن بين الحين والآخر بمثابة الشذوذ". فقد تمتعت أميركا تاريخياً بـ"مناعة جغرافية" فريدة وفرها لها محيطان واسعان شكلا درعين أمنيين استثنائيين، بالإضافة إلى جارتين ضعيفتين نسبياً في الشمال والجنوب. ولكن في عصر العولمة، انقلبت هذه المعادلة، وأصبح "انعدام الأمن الحقيقة الثابتة والسعي إلى حماية الأمن القومي الشغل الشاغل".
ويؤكد الكاتب أن مفهوم "الأمن القومي الشامل" أصبح اليوم خرافة. فقد أدت التكنولوجيا الحديثة إلى "إزالة تأثير البعد الجغرافي" كعامل حماية، وباتت بمثابة الأداة العظيمة المعادلة لقابلية تعرض المجتمع للخطر. ولم تعد القدرة على إلحاق دمار هائل مقتصرة على الدول الكبرى، بل إن الأسلحة والقدرات التدميرية أصبحت في متناول "فاعلين من غير الدول"، كالمنظمات السرية الإرهابية التي تعمل خارج النطاق القومي.
تغير طبيعة التهديدات والحروب
ينتقل الكاتب لتحليل طبيعة النزاعات المعاصرة. يشير إلى أن الحروب الشاملة بين الدول المتقدمة أصبحت نادرة جداً، بل وتعتبر "أعمالاً متهورة لا تحتملها إلا الدول الفقيرة فقط" نظراً لتكلفتها التدميرية الهائلة. وبدلاً من الحروب الرسمية التي كانت تُعلن وتُنهى رسمياً، تراجعت هذه الحروب مفسحة المجال أمام "نزاعات غير رسمية ومتفشية ومغفلة" في الغالب، سواء كانت حروباً إثنية أو دينية أو هجمات إرهابية.
ويحذر بريجنسكي من أن التهديدات التي تواجه أميركا على أراضيها أصبحت أكثر تعقيداً وغموضاً؛ فالهجمات الخفية (مثل هجوم إلكتروني أو انفجار مفاجئ بأسلحة دمار شامل عبر سفينة تجارية) تشكل تحدياً مربكاً لأنها تصدر عن مصادر مجهولة يصعب الرد عليها أو توجيه ضربات انتقامية لها. وبالتالي، فإن التحديات الأمنية أصبحت شبيهة بالتحديات الإجرامية التي يصعب إحباطها.
الدور المزدوج لأميركا ومسؤولية الاستقرار العالمي
يرى بريجنسكي أن دور أميركا العالمي أصبح "جدلياً" ومزدوجاً؛ فمن جهة، تتصرف الدولة الأميركية بقوتها الساحقة كحصن تقليدي للاستقرار الدولي، ومن جهة أخرى، يعمل المجتمع الأميركي كقوة ثورية مزعزعة للنظام التقليدي من خلال تأثيره الثقافي والاجتماعي العابر للقوميات.
ورغم تذمر البعض من الهيمنة الأميركية، يؤكد الكاتب أن الدور الأمني للولايات المتحدة محوري ولا غنى عنه. ويطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو سحبت أميركا قواتها العسكرية فجأة من أوروبا والشرق الأقصى والخليج العربي؟ الإجابة هي أن العالم "سيغرق بدون شك في أزمة من الفوضى السياسية بشكل فوري تقريباً". هذا التداخل الجيوسياسي يجعل من الأمن القومي الأميركي أمراً مرتبطاً بشكل وثيق بالوضع العالمي.
خطورة التبسيط المفرط في تعريف "الخطر الجديد"
يفرد الفصل مساحة هامة لنقد كيفية تعريف الإدارة الأميركية (وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر) للتهديدات. يعتبر بريجنسكي أن "كيفية تعريف المرء للخطر تحدد بدرجة كبيرة طريقة الرد عليه". وينتقد المقاربة الخطابية المبسطة التي تبنتها الإدارة، والتي صورت الصراع بعبارات لاهوتية كـ"صراع بين الخير والشر"، أو إطلاق تسميات تجميعية مثل "محور الشر".
يؤكد الكاتب بصرامة أن وصف الإرهاب بأنه هو العدو يتجاهل حقيقة أن "الإرهاب أسلوب وتكتيك"، ولا يمكن للمرء أن يشن حرباً ضد تكتيك أو أسلوب. فالإرهابيون يستخدمون هذا الأسلوب الفظيع لأغراض سياسية يمكن فهمها، وخلف كل عمل إرهابي تقريباً "تكمن مشكلة سياسية". لذلك، فإن إحجام أميركا عن الاعتراف بوجود رابط تاريخي وسياسي بين الهجمات الإرهابية وتاريخ التدخل الأميركي في الشرق الأوسط (بما في ذلك الدعم المفتوح لإسرائيل) يمثل "شكلاً خطيراً من أشكال الإنكار". ولكسب الحرب، يجب استئصال الإرهابيين بالتأكيد، ولكن يجب في الوقت نفسه إطلاق "عملية سياسية تتصدى للظروف التي تؤدي إلى ظهور الإرهابيين".
الجدال العظيم الثالث: الاستباق والعمل الأحادي
يصف بريجنسكي المرحلة الحالية بأنها تمثل "الجدال التاريخي الثالث الكبير" حول الدفاع القومي الأميركي، والذي يتمحور حول التكاليف والحدود المسموح بها للتدخل الأحادي الجانب. يعبر الكاتب عن قلقه البالغ من المذهب الاستراتيجي الجديد الذي يدعو إلى العمل "الاستباقي" الوقائي، والذي خلط بين مفهومي "الاستباق" (لمنع هجوم حقيقي وشيك) و"الوقاية" (لمنع تبلور تهديد بعيد محتمل).
يشير بريجنسكي بوضوح إلى أن أميركا تستبدل المبدأ الراسخ القائم على "الدمار المتبادل المحقق" (MAD) بمفهوم جديد يعتمد على "الدمار الأحادي المحقق" (SAD) عبر تحديدها المنفرد للأعداء. ويحذر من أن تهميش التحالفات الديموقراطية العميقة (مثل حلف الناتو) لصالح تحالفات انتهازية قصيرة الأمد تحت مسمى "ائتلاف الراغبين"، قد يؤدي إلى تحويل أميركا من "منارة للحرية" إلى قائد لـ"حلف مقدس جديد" تسوده "عزلة تسلطية" تستعدي الأصدقاء القدامى وتنتج عداءات جديدة.
يختتم بريجنسكي الفصل الأول برسالة تحذيرية استراتيجية واضحة؛ إن التهديد الأساسي الذي يواجه أميركا والعالم هو "الاضطراب السياسي العنيف"، وما الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل إلا "عَرَضين لعلة عالمية أساسية". ولن تستطيع الولايات المتحدة التغلب على انعدام أمنها القومي بالاعتماد الحصري على القوة العسكرية المنفردة، بل يستدعي الأمر "تعبئة دعم عالمي على نطاق واسع" لتبني استراتيجية تتصدى للأسباب السياسية والاجتماعية التي تفرّخ النزاعات في العالم.
الفصل الثاني: "البلقان العالمي الجديد": مركز الاضطراب ومحور الاهتمام
يقدم زبيغنيو بريجنسكي في الفصل الثاني، والذي يحمل عنوان "معضلات الاضطراب العالمي الجديد"، تحليلاً استراتيجياً عميقاً ومفصلاً لأخطر بؤر التوتر في العالم المعاصر. وينقل تركيزه من المعضلات الأمنية العامة إلى الساحة الجغرافية والسياسية الأكثر تعقيداً، مقدماً تشخيصاً دقيقاً لطبيعة التهديدات، ولأخطاء المقاربة الأميركية الأحادية، ومطالباً باستراتيجية تعاونية واسعة.
يسلط بريجنسكي الضوء على المنطقة الجغرافية الأكثر خطورة وتقلبًا في العالم، والتي يطلق عليها اسم "البلقان العالمي الجديد"، وهي المنطقة الممتدة من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى (من قناة السويس إلى شينجيانغ). تتميز هذه المنطقة باحتوائها على معظم احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في العالم (68% من النفط و41% من الغاز)، مما يجعل الوجود والاهتمام الأميركي بها أمراً حتمياً. غير أن هذه المنطقة تعاني من هشاشة سياسية، وتتركز فيها أعلى مستويات الحرمان الاجتماعي، والاحتقان الديموغرافي، وتعد ميداناً لحروب إثنية ودينية خطيرة.
في هذا السياق، يقدم بريجنسكي مفهوماً بالغ الأهمية وهو "قوة الضعف"؛ ففي عصر العولمة، يستطيع فاعلون ضعفاء ماديًا، لكنهم متعصبون ويمتلكون دوافع شديدة، استغلال التكنولوجيا وشبكات الاتصال المعقدة لضرب القوى العظمى وبث الرعب المسبب للشلل في مجتمعاتها بتكلفة زهيدة جداً، وهو ما تجلى بوضوح في أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
يبدأ بريجنسكي الفصل بتحديد الساحة المركزية للصراع العالمي الجديد. فإذا كانت السيطرة على قارة أوراسيا هي التحدي المركزي إبان الحرب الباردة، فإن الاهتمام الأمني العالمي يتركز اليوم في الحافة الجنوبية الشرقية لأوراسيا. يطلق الكاتب على هذه المنطقة الممتدة من قناة السويس وحتى إقليم شينجيانغ (في الصين) اسم "البلقان العالمي الجديد"، استعارةً من دول البلقان الأوروبية التقليدية التي كانت بؤرة للصراعات وجاذباً لتدخلات القوى الكبرى.
تكتسب هذه المنطقة أهمية مزدوجة وخطيرة؛ فمن جهة، تحتوي على 68% من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم و41% من احتياطيات الغاز الطبيعي، ما يجعل استقرارها مصلحة حيوية للاقتصاد العالمي (أميركا، أوروبا، وشرق آسيا). ومن جهة أخرى، تعد هذه المنطقة الأكثر هشاشة، حيث تضم أعلى تركيز للظلم السياسي، والحرمان الاجتماعي، والاحتقان الديموغرافي، وتعد ميداناً لحروب داخلية إثنية ودينية خطيرة. ويرى الكاتب أن تجاهل هذه المنطقة يوازي الإعلان عن موسم مفتوح للعنف الإقليمي وتفريخ الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
"قوة الضعف" وحروب اللا تماثل
يطرح الكاتب مفهوماً بالغ الأهمية لتفسير طبيعة التهديد المعاصر، وهو "قوة الضعف" (The Power of Weakness). يعتبر بريجنسكي أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر مثلت منعطفاً في تاريخ سياسة القوة، حيث استطاعت حفنة من المتعصبين الضعفاء مادياً، وبموارد مالية زهيدة، إغراق القوة الأكبر والأكثر تقدماً في العالم في حالة من الذعر. وهذا هو المكافئ السياسي لما يُعرف عسكرياً بـ "الحرب غير المتناظرة".
يتيح عصر العولمة للضعفاء استغلال أربع حقائق مستجدة لتحقيق ضرباتهم:
* أن الوصول إلى وسائل فتاكة لم يعد مقتصراً على الدول المنظمة والقوية.
* القدرة على الحركة والتنقل حول العالم بفضل وسائل السفر السريع ونظم الاتصالات التي تسهل تنسيق الخلايا السرية.
* النفاذية الديموقراطية التي تسهل اختراق المجتمعات المفتوحة.
* التكافل المنهجي في المجتمع الحديث، حيث يؤدي أي خلل في عنصر أساسي (كالطيران أو الكهرباء) إلى إطلاق تفاعلات متسلسلة ونشر الذعر.
ويحذر بريجنسكي من مفارقة خطيرة؛ فالضعيف يصبح قوياً بالتبسيط المفرط لعدوه (كأن يطلق عليه "الشيطان الأكبر")، بينما يصبح القوي (أميركا) ضعيفاً إذا بالغ في تبسيط مخاوفه واختزل التحدي في مقياس أحادي البعد وتجاهل الدوافع السياسية والتاريخية المعقدة للعدو.
الإسلام المضطرب وضرورة الفهم السياسي لا الديني
يفرد الفصل مساحة واسعة لتحليل علاقة أميركا بـ "دار الإسلام" التي تضم نحو 1.2 مليار إنسان، محذراً من النظرة التهويلية والمبسطة التي تربط الإسلام والإرهاب بنسيج عضوي واحد. وينتقد بشدة تصوير وسائل الإعلام الغربية والأميركية للمسلمين بصورة نمطية كاريكاتيرية، وتجاهل التنوع الجغرافي والديموغرافي الكبير، حيث أن الغالبية العظمى من المسلمين لا يعيشون في الشرق الأوسط بل في دول مثل إندونيسيا والهند وباكستان.
يؤكد بريجنسكي أن المشاعر المعادية لأميركا لا تنبع من عداوة دينية مجردة للحداثة، بل هي نتيجة مظالم سياسية محددة، وفي مقدمتها الاستياء العربي العارم من الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل.
ولفهم الديناميكيات الداخلية، يميز الكاتب بوضوح بين اتجاهين:
* الأصولية الإسلامية: حركة انتكاسية رجعية تفتقر للديمومة، وتزدهر في أكثر المناطق عزلة وبدائية (مثل أفغانستان تحت حكم طالبان)، ولا تستطيع تلبية تطلعات جيل الشباب المسلم المنفتح على إغراءات الحداثة.
* الحركة الشعبية الإسلامية (الإسلامية): وهي التحدي الأكثر ديمومة، حيث تحاول صياغة رد إسلامي على المعضلات السياسية والاجتماعية المعاصرة. ورغم أنها قد تأخذ مظاهر متطرفة، إلا أنها تمثل محاولة لاستيعاب الحداثة ضمن إطار إسلامي، وقد تدفع بمرور الزمن باتجاه تغيير اجتماعي وسياسي.
يخلص الكاتب إلى أن أميركا لا يمكنها فرض الاستقرار في "البلقان العالمي" بمفردها أو عبر الإكراه العسكري، لأن ذلك سيغرقها في "الرمال المتحركة للهيمنة" ويفاقم من عزلتها. وعند استعراض خيارات التحالف مع قوى إقليمية لتأدية هذه المهمة، يجد أن جميع المرشحين يعانون من قيود جوهرية:
* تركيا: مقيدة بمسألتها الكردية (التي تضم ملايين الأكراد) وباحتمالات رفض انضمامها للاتحاد الأوروبي، ما قد يعيد توجيهها نحو خيارات إسلامية متشددة.
* إسرائيل: رغم كونها حليفاً ديموقراطياً وأقوى قوة عسكرية في المنطقة، إلا أن مصالحها لا تتلاقى تماماً مع المصالح الاستراتيجية لأميركا التي تتطلب بناء علاقات طيبة مع الدول العربية المنتجة للنفط. كما أن سياساتها تجاه الفلسطينيين تزيد من تقييد قدرة أميركا على تهدئة المنطقة.
* الهند: تعاني من فسيفساء دينية وإثنية معقدة (مع وجود أقلية مسلمة ضخمة تبلغ 120-140 مليوناً)، واهتماماتها الخارجية منصبة على صراعها المباشر مع باكستان والصين.
* روسيا: تاريخها الاستعماري الحديث في المنطقة (كحرب أفغانستان وتدمير الشيشان) يجعل النظرة إليها كقوة استعمارية أوروبية سابقة لا كشريك أوراسي يمكن الركون إليه.
الشراكة الأطلسية: خريطة طريق استراتيجية شاملة
نتيجة لغياب الشريك الإقليمي القادر، يؤكد بريجنسكي أن شريك أميركا الحقيقي والأوحد القادر على مساعدتها في هذه المهمة الشاقة هو أوروبا الممثلة بالاتحاد الأوروبي (مع دعم مالي من اليابان). إن التعاون الأميركي-الأوروبي المخلص هو السبيل الوحيد لإنجاز ثلاث مهام استراتيجية محورية:
1. حل الصراع العربي الإسرائيلي: وهو الحاجة الأكثر إلحاحاً. ويجب على أميركا وأوروبا معاً فرض تسوية نهائية (دولتين على حدود 1967 مع تعديلات، وعاصمتين في القدس)، مما ينزع فتيل الاحتقان العربي ويقلل من قدرة الإرهابيين على استقطاب المؤيدين.
2. تحويل المعادلة الاستراتيجية في منطقة الطاقة: يتطلب ذلك جهداً مشتركاً لبناء عراق مستقر بعد الغزو، وبدلاً من سياسة العزل الأحادية ضد إيران، يجب إعادة دمجها في المجتمع العالمي. فإيران تمتلك فرصة كبيرة للتوجه نحو الحداثة بفضل طبقتها المثقفة، ودمجها سيوفر استقراراً لمنطقة الخليج وبحر قزوين.
3. احتواء أسلحة الدمار الشامل والنزاعات الإقليمية: كالتدخل الجاد لتهدئة الصراع النووي المحتمل بين الهند وباكستان حول إقليم كشمير، والعمل على إيجاد ترتيبات ومظلات أمنية إقليمية تجعل الدول تتخلى طواعية عن طموحاتها النووية.
يقدم الفصل رسالة استراتيجية واضحة؛ إن الاستقرار العالمي لا يمكن أن يتحقق عبر العمل الوقائي العسكري المفرط والغطرسة الأحادية. فالقوة الجبارة تتبدد إذا واجهت حشوداً تعاني من الحرمان وتستلهم كراهية مبنية على مظالم سياسية ملموسة. ولن تنجح أميركا في حفظ أمنها وموقعها إلا إذا تخلت عن نظرتها الضيقة، وتعاونت بندية مع حلفائها الأوروبيين لتقديم حلول سياسية عادلة واقتصادية شاملة تنتشل "البلقان العالمي الجديد" من مستنقع الفوضى واليأس.
الفصل الثالث: الشراكة عبر الأطلسي: الحليف الطبيعي والضرورة الاستراتيجية
يقدم زبيغنيو بريجنسكي في الفصل الثالث من القسم الأول، والذي يحمل عنوان "معضلات إدارة التحالف"، تحليلاً استراتيجياً بالغ الأهمية لطبيعة العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بحلفائها التقليديين، والتحديات الجوهرية التي تواجه صانع القرار الأميركي في كيفية إدارة هذه التحالفات في عالم يتسم بالهيمنة الأميركية الأحادية. يضع الكاتب إصبعه على الجرح عندما يبرز التناقض الأساسي بين رغبة أميركا في قيادة العالم وتوزيع أعباء هذه القيادة على الحلفاء، وبين نزعتها المتزايدة نحو التفرد بالقرار وتهميش أدوار شركائها.
يفتتح بريجنسكي مقاربته بالتأكيد على أن أوروبا هي الحليف الطبيعي، والأكثر حيوية، للولايات المتحدة. فالروابط التي تجمع أميركا بأوروبا لا تقتصر على المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة فحسب، بل تمتد لتشمل الجذور الثقافية والتاريخية والقيم الديموقراطية المشتركة. ويرى الكاتب أنه لا يمكن لأميركا أن تضطلع بمهمة إرساء الاستقرار العالمي - وخاصة في مناطق الاضطراب مثل "البلقان العالمي الجديد" (الشرق الأوسط وآسيا الوسطى) - بمفردها. فهي تحتاج إلى القوة الاقتصادية والناعمة لأوروبا، وإلى خبرتها السياسية والتاريخية.
ومع ذلك، تبرز هنا "معضلة الإدارة"؛ فواشنطن غالباً ما تتعامل مع أوروبا من منطلق "الراعي" و"التابع"، مفترضة أن دور الحلفاء الأوروبيين يقتصر على الانقياد خلف القرارات الأميركية، والمساهمة في تمويل حروبها أو جهود إعادة الإعمار، دون أن يكون لهم حق حقيقي في صياغة الاستراتيجيات المشتركة. ويحذر بريجنسكي من أن هذه النظرة الفوقية تهدد بتصدع التحالف الأطلسي.
التناقض الأميركي إزاء الوحدة الأوروبية
يفكك بريجنسكي الموقف الأميركي المزدوج تجاه مشروع الاتحاد الأوروبي. فمن جهة، تدعم أميركا نظرياً فكرة أوروبا موحدة وقوية قادرة على تقاسم أعباء الأمن العالمي (Burden-sharing). ولكن من جهة أخرى، تشعر النخبة السياسية في واشنطن بالقلق من أن تؤدي الوحدة الأوروبية الحقيقية إلى نشوء قطب منافس يستقل بقراره السياسي والاقتصادي، وربما العسكري، مما يحد من حرية الحركة الأميركية.
هذا التناقض يجعل أميركا تميل أحياناً إلى سياسة "فرق تسد"، فتفضل التعامل مع العواصم الأوروبية فرادى (مثل لندن، باريس، برلين) بدلاً من التعامل مع مؤسسة أوروبية موحدة. وينتقد الكاتب هذه السياسة قصيرة النظر، مؤكداً أن الاستقرار العالمي يتطلب "شريكاً أطلسياً نداً ومكافئاً"، لأن تفرد أميركا بالقرار سيؤدي حتماً إلى استنزاف مواردها العسكرية والاقتصادية، وإلى تحملها منفردة لتبعات الكراهية العالمية.
حلف الناتو وتوسع المهام
يناقش الفصل الدور المتغير لحلف شمال الأطلسي (الناتو). فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد الحلف عدوه التقليدي، وبدأ يبحث عن مبرر لوجوده. وقد قادت أميركا حملة لتوسيع الحلف شرقاً ليضم دولاً من حلف وارسو السابق، وتوسيع مهامه لتشمل التدخل "خارج النطاق" (Out-of-area) كما حدث في أفغانستان ولاحقاً في مهام أخرى.
المعضلة هنا تكمن في تحول الناتو من تحالف دفاعي قائم على المساواة والتشاور المتبادل، إلى أداة لتنفيذ الاستراتيجيات الأميركية العالمية. ويشير بريجنسكي إلى أن مفهوم "ائتلاف الراغبين" (Coalition of the Willing)، الذي تبنته الإدارة الأميركية (تحديداً إدارة بوش الابن)، يمثل تقويضاً خطيراً لمؤسسة الناتو العريقة. فاستبدال التحالفات الدائمة والمبنية على قيم راسخة بتحالفات تكتيكية وانتهازية قصيرة الأمد، يؤدي إلى تهميش الحلفاء الموثوقين وتآكل الثقة المتبادلة.
المحور الآسيوي: إدارة التحالف مع اليابان وتحدي الصعود الصيني
ينتقل بريجنسكي من أوروبا إلى الساحة الجيوسياسية الحيوية الأخرى: الشرق الأقصى. يشكل التحالف الأميركي-الياباني حجر الزاوية للأمن في منطقة المحيط الهادئ. ويعتبر الكاتب أن اليابان هي بمثابة الركيزة الموازية لأوروبا في آسيا، بفضل قوتها الاقتصادية الهائلة وديموقراطيتها المستقرة.
تتمثل معضلة التحالف الآسيوي في كيفية تشجيع اليابان على لعب دور أمني وإقليمي يتناسب مع حجمها الاقتصادي (لتقليل العبء عن أميركا)، دون أن يؤدي ذلك إلى إثارة مخاوف جيرانها، وخاصة الصين وكوريا، من انبعاث النزعة العسكرية اليابانية.
أما فيما يخص الصين، فيرى بريجنسكي أن احتواء الصعود الصيني لا ينبغي أن يتم عبر استعدائها أو تشكيل تحالفات عسكرية تطوقها (على غرار الحرب الباردة). بدلاً من ذلك، تقتضي الإدارة الحكيمة للتحالفات استيعاب الصين ودمجها التدريجي في النظام الدولي كقوة مسؤولة. إن انزلاق أميركا نحو اعتبار الصين عدواً حتمياً سيجعلها تحقق هذه النبوءة بنفسها، مما يعرض الاستقرار في آسيا للخطر ويشتت الانتباه الأميركي عن التهديدات الحقيقية المتمثلة في الإرهاب والأسلحة النووية.
ثمن العمل الأحادي (Unilateralism) مقابل المكاسب التعاونية
يضع بريجنسكي القادة الأميركيين أمام حقيقة استراتيجية قاسية: "من لا يشارك في صنع القرار، لن يشارك في تحمل الأعباء". إن مطالبة واشنطن لحلفائها بالالتزام الأعمى بحروبها الاستباقية أو بسياساتها العقابية (كما في حالة العراق أو السياسات تجاه الشرق الأوسط) تخلق شرخاً كبيراً في بنية التحالفات الغربية.
لقد أدت صدمة 11 أيلول/سبتمبر إلى عسكرة السياسة الخارجية الأميركية وميلها نحو العمل الأحادي والردع الوقائي (كما ورد في مبدأ بوش). لكن بريجنسكي يشدد على أن القوة العسكرية، مهما بلغت عظمتها، لا تستطيع وحدها بناء نظام عالمي مستقر. فالشرعية الدولية أمر لا غنى عنه، ولا تُكتسب هذه الشرعية إلا عبر التحالفات المؤسسية والتشاور الحقيقي.
ويحذر من خطورة "الغطرسة الإمبراطورية"، موضحاً أن التذمر الأوروبي، والتردد الآسيوي، وتنامي المشاعر المناهضة لأميركا حتى بين الدول الصديقة، هي أعراض لخلل عميق في كيفية ممارسة أميركا لهيمنتها.
يصل بريجنسكي في نهاية الفصل الثالث إلى استنتاج مفاده أن أعظم أصول الولايات المتحدة الاستراتيجية ليست ترسانتها النووية أو حاملات طائراتها، بل نظام التحالفات العالمية الذي بنته بعناية عبر نصف قرن. إن معضلة أميركا الحقيقية ليست في البحث عن حلفاء، بل في كيفية "الاحتفاظ بهم" وإدارتهم بطريقة تحترم سيادتهم ومصالحهم.
إذا أرادت أميركا أن تنتقل بنجاح من مجرد "دولة مهيمنة" تثير الخوف والحسد، إلى "قائد عالمي" يحظى بالاحترام والتعاون، فعليها أن تتخلى عن نهج الفرض والإملاء، وتتبنى نهج الشراكة والقيادة التوافقية. إن التنازل عن جزء من استقلالية القرار الأميركي لصالح بناء إجماع أطلسي وعالمي ليس علامة ضعف، بل هو الثمن الضروري والحكيم لضمان استقرار النظام العالمي وحماية الأمن القومي الأميركي على المدى الطويل من الفوضى الزاحفة.
الفصل الرابع: معضلات العولمة
يقدم زبيغنيو بريجنسكي في الفصل الرابع من كتابه "الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم"، والذي يأتي تحت عنوان "معضلات العولمة"، مقاربة تشريحية عميقة لظاهرة العولمة، مبتعداً عن التبجيل السطحي لها، ومغوصاً في تناقضاتها وتداعياتها المعقدة على الأمن القومي الأميركي والاستقرار العالمي. في هذا الفصل، الذي يفتتح به القسم الثاني من الكتاب ("الهيمنة الأميركية والصالح العام")، ينقل بريجنسكي عدسته التحليلية من الجغرافيا السياسية والعسكرية (الجيوبوليتيك) إلى الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية، ليؤكد أن العولمة ليست مجرد عملية اقتصادية، بل هي ظاهرة سياسية وثقافية محملة بالمخاطر والفرص في آن واحد.
ينطلق بريجنسكي من حقيقة أن العولمة المعاصرة لا يمكن فصلها عن الهيمنة الأميركية؛ فهي في جوهرها، وفي نظر الكثيرين حول العالم، مرادف لـ "الأمركة" (Americanization). فالولايات المتحدة ليست مجرد لاعب في ساحة العولمة، بل هي محركها الأساسي والمستفيد الأكبر منها. النموذج الرأسمالي الأميركي، واللغة الإنجليزية، والثقافة الاستهلاكية، والدينامية التكنولوجية (خاصة في مجال الإنترنت والاتصالات)، كلها عناصر أميركية تقود مسار العولمة.
ويشير الكاتب إلى أن المؤسسات الدولية التي ترعى هذه العولمة، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، يُنظر إليها عالمياً على أنها أدوات لتعزيز المصالح الأميركية والغربية. هذا التماهي بين العولمة والقوة الأميركية يجعل من الولايات المتحدة هدفاً طبيعياً ومباشراً لكل من يشعر بالتهميش أو الضرر من هذه التغيرات الاقتصادية والثقافية الكاسحة.
اليقظة السياسية العالمية: المفهوم الأخطر
من أهم المفاهيم التي يطرحها بريجنسكي في هذا الفصل، وفي فكره الاستراتيجي عموماً، هو مفهوم "اليقظة السياسية العالمية" (Global Political Awakening). في الماضي، كانت الغالبية العظمى من البشر تعيش في فقر وحرمان، لكنها كانت تعيش في حالة من الإذعان القدري لواقعها، نتيجة العزلة وانعدام الوعي بما يدور خارج حدودها الضيقة.
أما اليوم، وبفضل ثورة الاتصالات والمعلومات والانتشار الواسع للتعليم، استيقظت شعوب العالم سياسياً. بات الشاب الفقير في أحياء إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية يرى عبر شاشات التلفاز والهواتف الذكية كيف تعيش النخبة في نيويورك وباريس ولندن. هذا الوعي المفاجئ بحجم التفاوت الهائل في الثروة ومستويات المعيشة لم يعد يولد الإذعان، بل يولد الحسد، والإحباط، والغضب. ويحذر بريجنسكي من أن هذه اليقظة السياسية غير المسبوقة، إذا ما اقترنت بغياب العدالة الاجتماعية، تشكل برميلاً من البارود يهدد بانفجارات اجتماعية وسياسية عنيفة ستطال شظاياها مراكز القوة في العالم.
معضلة اللامساواة والعولمة بلا وجه إنساني
لا ينكر بريجنسكي الفوائد الجمة للعولمة، فهي قد خلقت ثروات هائلة، وسرعت من الابتكار العلمي، وربطت الإنسانية بشبكة معقدة من التكافل. لكنه يقرع ناقوس الخطر بشدة إزاء الوجه المظلم لها. العولمة في شكلها الحالي تعمل بآليات السوق الباردة التي تكافئ الأقوياء وتزيد من ثرائهم، بينما تسحق الضعفاء وتزيد من تهميشهم.
إنها عولمة تفتقر إلى "الوجه الإنساني". فالفجوة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير آخذة في الاتساع بشكل مروع. والأخطر من ذلك هو اتساع فجوة اللامساواة داخل الدول نفسها. عندما تدار العولمة بعقلية الربح المجرد للشركات العابرة للقارات دون مراعاة للأبعاد الاجتماعية، فإنها تخلق أجيالاً من المهمشين الذين يشعرون بأن النظام العالمي القائم ظالم بطبيعته ومصمم لاستغلالهم، مما يوفر بيئة خصبة وحاضنة طبيعية للتطرف، والراديكالية، والإرهاب.
القنبلة الديموغرافية وتحديات الهجرة
يسلط الفصل الضوء على معضلة بنيوية أخرى ترافق العولمة وهي التفاوت الديموغرافي بين شطري العالم. ففي حين تعاني الدول الغنية (أوروبا، اليابان، وبدرجة أقل أميركا) من شيخوخة سكانية وانخفاض في معدلات المواليد، يشهد العالم النامي (الجنوب) انفجاراً سكانياً هائلاً وغلبة ساحقة لجيل الشباب.
هذا التناقض الديموغرافي، مع استمرار الفقر في الجنوب، يدفع بموجات هائلة من الهجرة الشرعية وغير الشرعية نحو الشمال. ويشير بريجنسكي إلى أن هذه الهجرات تفرض ضغوطاً سياسية وثقافية واقتصادية هائلة على الدول الغربية، وتثير نعرات عنصرية وقومية داخل المجتمعات الديموقراطية. كما أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال للعمالة، بل انتقال لكتل بشرية تحمل معها إحباطاتها وثقافاتها، مما يجعل قضايا الاندماج والهوية من أخطر التحديات الأمنية والاجتماعية في عصر العولمة.
الضرورة الاستراتيجية لـ "الصالح العام العالمي"
لمواجهة هذه المعضلات، يطرح بريجنسكي الحل الاستراتيجي والأخلاقي في آن واحد. يرى أنه لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تتعامل مع العالم بمنطق الهيمنة الإمبراطورية الكلاسيكية التي تسعى فقط لاستخراج الثروات وتأمين مصالحها الضيقة. بقاء الهيمنة الأميركية مشروط بتحولها إلى "قيادة"، والقيادة تتطلب من أميركا أن تتبنى وتدافع عن ما يسميه "الصالح العام العالمي" (Global Public Good).
يجب على أميركا أن تستخدم نفوذها الهائل لجعل مؤسسات العولمة أكثر إنصافاً وشفافية، وأن تقود جهوداً حقيقية لمكافحة الفقر المدقع، وتحسين مستويات التعليم والرعاية الصحية (مثل مكافحة الأوبئة كالإيدز)، وحماية البيئة العالمية التي تتعرض للاستنزاف. إن الاستثمار في الصالح العام العالمي ليس مجرد عمل خيري أو مثالية زائدة، بل هو "ضرورة أمنية براغماتية". ففي عالم متصل ببعضه، لا يمكن بناء أسوار عالية بما يكفي لحماية أميركا من تداعيات الانهيار البيئي أو الصحي أو الاجتماعي في بقية أنحاء العالم.
يصل بريجنسكي في نهاية تحليله لمعضلات العولمة إلى تأكيد فكرته المركزية؛ إن العولمة قوة عمياء لا يمكن إيقافها، ولكن يمكن بل ويجب توجيهها. أميركا، بوصفها القوة الأعظم والمهندس الرئيسي لهذه العولمة، تقف أمام مفترق طرق حاسم:
إذا اختارت طريق "السيطرة"، واعتبرت العولمة مجرد أداة اقتصادية لمضاعفة هيمنتها وثروتها على حساب مآسي المليارات من البشر، فإنها ستستفز تحالفاً عالمياً من المهمشين والمستائين، وستواجه عنفاً متزايداً وإرهاباً عابراً للحدود، ما سيدفعها في النهاية إلى الانغلاق والتحول إلى دولة بوليسية محاصرة.
أما إذا اختارت طريق "القيادة"، وعملت على مأسسة عولمة ذات بعد إنساني تهدف إلى رفع مستوى المعيشة للجميع وتقليل هوة اللامساواة، فإنها ستكسب شرعية عالمية لا يمكن لأي قوة عسكرية أن توفرها. القيادة الحقيقية تعني إدراك أن الأمن القومي الأميركي في القرن الحادي والعشرين مرتبط ارتباطاً عضوياً وبشكل لا يقبل الانفصام بالعدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي للمجتمع العالمي بأسره.
الفصل الخامس: معضلات الديموقراطية المهيمنة
يقدم زبيغنيو بريجنسكي في الفصل الخامس، والذي يحمل عنوان "معضلات الديموقراطية المهيمنة"، ذروة تحليله الفلسفي والسياسي في كتاب "الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم". في هذا الفصل، يعيد الكاتب توجيه بوصلة النقد والتحليل من الساحة الدولية والجيوسياسية إلى الداخل الأميركي، ليطرح المعضلة الهيكلية الأعمق التي تواجه الولايات المتحدة: التناقض الجوهري بين إدارة "إمبراطورية عالمية" مترامية الأطراف، والاحتفاظ بنظام "ديموقراطي جمهوري" في الداخل.
ينطلق بريجنسكي من حقيقة تاريخية وسياسية راسخة؛ وهي أن الأنظمة الديموقراطية غير مؤهلة بطبيعتها لبناء الإمبراطوريات أو الحفاظ عليها. تاريخياً، كانت الإمبراطوريات الكبرى (مثل الإمبراطورية الرومانية، أو العثمانية، أو حتى الإمبراطوريات الاستعمارية في بداياتها) تُدار من قبل أنظمة سلطوية، أو ملكيات مركزية قوية، أو نخب أرستقراطية ضيقة لا تخضع لمحاسبة شعبية دورية. هذه الأنظمة كانت قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى، وتحمل تكاليف باهظة من الدماء والأموال دون القلق من استطلاعات الرأي العام أو الانتخابات القادمة.
على النقيض من ذلك، فإن الولايات المتحدة ديموقراطية دستورية، تتسم بتعددية مراكز القوى، ودورات انتخابية قصيرة، ورأي عام متقلب يهتم بالرفاهية الداخلية والاقتصاد أكثر من اهتمامه بالسياسة الخارجية. وبالتالي، فإن إقناع المواطن الأميركي العادي بتحمل الأعباء المالية والبشرية اللازمة لفرض "السيطرة" على مناطق بعيدة في العالم يمثل تحدياً هائلاً لأي إدارة أميركية، ما لم يكن هناك تهديد مباشر وملموس يمس أمنه الشخصي.
"سياسة الخوف" وعسكرة المجتمع الأميركي
لفهم كيف تستطيع النخبة الحاكمة في واشنطن تجاوز هذا التناقض وتعبئة الشعب الأميركي لدعم حروب وتدخلات خارجية مكلفة، يسلط بريجنسكي الضوء على آلية خطيرة وهي "سياسة الخوف" (The Politics of Fear). يشير الكاتب إلى أن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وفرت المبرر المثالي (كما وفرت بيرل هاربر مبرراً في الحرب العالمية الثانية) لخلق حالة من التعبئة النفسية المستمرة.
يحذر بريجنسكي من أن الإدارات الأميركية (وخاصة إدارة بوش التي تزامن الكتاب مع فترة حكمها) تميل إلى تضخيم التهديدات، وتصوير العالم بالأبيض والأسود، ورفع شعارات تبسيطية مثل "الحرب على الإرهاب" أو "محور الشر". هذا التهويل المتعمد يهدف إلى إبقاء الشعب الأميركي في حالة من الذعر المستمر، مما يجعله مستعداً للتنازل عن حقوقه وحرياته.
النتيجة الأخطر لسياسة الخوف هذه هي تآكل الحريات المدنية في الداخل الأميركي. يبرز الكاتب كيف أن القوانين الاستثنائية (مثل قانون باتريوت) منحت السلطات التنفيذية والأمنية صلاحيات غير مسبوقة في المراقبة، والتنصت، والاعتقال دون محاكمات علنية. إن انزلاق أميركا نحو نموذج "دولة الأمن القومي" (National Security State) يهدد بتدمير روح الجمهورية الأميركية، ويحولها من "مدينة على التل" تشع بنور الحرية، إلى قلعة عسكرية محاصرة ومذعورة.
اختطاف السياسة الخارجية: جماعات الضغط والمصالح
يناقش الفصل معضلة أخرى من معضلات الديموقراطية، وهي تشرذم عملية صنع القرار وقابليتها للاختراق من قبل جماعات المصالح المنظمة (اللوبيات). يوضح بريجنسكي أن السياسة الخارجية الأميركية لا تُصنع دائماً في غرف مغلقة بناءً على حسابات استراتيجية باردة وموضوعية للمصلحة الوطنية العليا. بل على العكس، هي غالباً نتاج مساومات، وتجاذبات حزبية، وتأثيرات من جماعات ضغط تمتلك المال والنفوذ الانتخابي.
يشير الكاتب بوضوح إلى تأثير جماعات الضغط الإثنية والسياسية (مثل اللوبي الداعم لإسرائيل، أو اللوبيات الخاصة بدول أوروبا الشرقية أو أميركا اللاتينية) على قرارات الكونغرس والإدارة الأميركية. هذا التأثير قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبني سياسات خارجية تخدم مصالح دول أجنبية أو فئات محددة أكثر مما تخدم الاستقرار العالمي أو المصالح الاستراتيجية لأميركا نفسها. هذا "الاختطاف" للسياسة الخارجية يفقد الولايات المتحدة مصداقيتها كقوة عالمية راعية للسلام ومحايدة، ويزيد من مشاعر العداء ضدها، خاصة في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط.
الجهل الثقافي وتسطيح الإعلام
ينتقل بريجنسكي إلى نقد دور وسائل الإعلام في النظام الديموقراطي الأميركي. يطرح مفارقة عجيبة: فرغم أن المجتمع الأميركي هو الأكثر اتصالاً بشبكات المعلومات والتكنولوجيا في العالم، إلا أن المواطن الأميركي العادي يعاني من "جهل مروع" بجغرافية العالم، وتاريخه، وتعقيداته الثقافية والدينية.
ويحمل الكاتب وسائل الإعلام الأميركية مسؤولية كبرى في هذا الجهل. فالإعلام التجاري يميل إلى تسطيح القضايا الدولية المعقدة، وتحويلها إلى دراما استعراضية (Soundbites)، وصراع كرتوني بين "الخير والشر". هذا التبسيط المخل يمنع تبلور نقاش عام ناضج وموضوعي حول السياسة الخارجية، ويجعل من السهل على السياسيين التلاعب بالعواطف الشعبية بدلاً من مخاطبة العقول. إن ديموقراطية جاهلة بالعالم لا يمكن أن تفرز قيادة قادرة على إدارته بحكمة.
العبء الإمبراطوري وتشتت الموارد
يتناول الفصل أيضاً المعضلة الاقتصادية للهيمنة. إن محاولة أميركا فرض "سيطرتها" الأحادية على العالم تتطلب إنفاقاً عسكرياً خيالياً تجاوز إنفاق دول العالم مجتمعة. هذا العبء الإمبراطوري (Imperial Overstretch) يستنزف موارد الخزينة الأميركية، ويأتي على حساب الاستثمار في البنية التحتية الداخلية، والتعليم، والرعاية الصحية، وتطوير التكنولوجيا المدنية.
ومع مرور الوقت، سيؤدي هذا الاستنزاف الاقتصادي إلى إضعاف الأساس المادي الذي قامت عليه القوة الأميركية أصلاً. إن إرهاق الاقتصاد الأميركي بحروب لا تنتهي وتدخلات عسكرية واسعة النطاق سيعجل بتراجع قدرة أميركا على التنافس الاقتصادي، وسيخلق أزمات مالية وداخلية تفقد المواطن الأميركي إيمانه بجدوى هذا الدور العالمي.
يختتم بريجنسكي هذا الفصل، الذي يمثل التتويج المنطقي للكتاب بأسره، بوضع أميركا أمام المرآة. إن المعضلة الأساسية ليست في قوة أميركا العسكرية أو الاقتصادية، بل في "طبيعتها السياسية والأخلاقية".
إذا استسلمت أميركا لغرور القوة، وسعت وراء وهم "السيطرة العالمية" الأحادية، فإنها لن تفشل في الخارج فحسب (عبر توحيد العالم ضدها وتفريخ أعداء جدد)، بل ستدمر نفسها في الداخل. سياسة السيطرة تتطلب بالضرورة خلق أعداء دائمين، وتبرير التجسس على المواطنين، وتهميش الكونغرس، وتآكل الحريات. باختصار، الإمبراطورية ستقتل الجمهورية.
أما المخرج الوحيد من هذه المعضلة القاتلة فهو اختيار مسار "القيادة" (Leadership). القيادة لا تعني التخلي عن القوة، بل تعني استخدامها لبناء إجماع دولي، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء، والالتزام بالقانون الدولي الذي ساهمت أميركا في صياغته. القيادة تعني التوجه نحو الداخل لبناء مجتمع أميركي أكثر وعياً وانفتاحاً وعدالة، مجتمع يقدم نموذجاً ملهماً للعالم بدلاً من أن يثير رعبه.
إن الديموقراطية الأميركية لا يمكنها البقاء متألقة في عالم يغرق في الفوضى والفقر واليأس. لذلك، فإن أعظم التزام أخلاقي واستراتيجي للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين هو التوفيق بين قِيَمها الديموقراطية في الداخل، وبين ضرورة توجيه هيمنتها لخدمة "الصالح العام العالمي" في الخارج.
تمثل الخاتمة في كتاب "الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم" لزبيغنيو بريجنسكي، العصارة الفكرية والاستراتيجية لكل ما طرحه في فصول الكتاب السابقة. في هذا القسم الختامي، يضع المؤلف النقاط على الحروف، ملخصاً معالم المأزق التاريخي الذي تواجهه الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في سياق عالمي شديد التعقيد والتداخل. إنها لحظة الحقيقة التي تتطلب من صانع القرار الأميركي، ومن ورائه المجتمع الأميركي بأسره، اتخاذ قرار حاسم يحدد ليس فقط مستقبل أميركا، بل ومستقبل البشرية جمعاء في القرن الحادي والعشرين.
الخاتمة: اللحظة التاريخية الاستثنائية: القوة الفائقة في عالم مضطرب
يستهل بريجنسكي خاتمته بالتذكير بالحقيقة الجيوسياسية الكبرى لعصرنا: الولايات المتحدة تمتلك اليوم قوة شاملة (عسكرية، اقتصادية، تكنولوجية، وثقافية) لا مثيل لها في التاريخ البشري. لقد تجاوزت أميركا الإمبراطوريات السابقة كروما وبريطانيا، إذ أن نفوذها لا يقتصر على رقعة جغرافية محددة، بل يمتد ليشمل الكوكب بأسره. ومع ذلك، تترافق هذه القوة غير المسبوقة مع هشاشة غير مسبوقة أيضاً. فالعولمة التي هندستها أميركا لتوسيع نفوذها وأسواقها، خلقت في الوقت ذاته آليات تكنولوجية ومعلوماتية مكنت أعداءً صغاراً (فاعلين من غير الدول) من توجيه ضربات موجعة لقلب هذه القوة العظمى.
يؤكد المؤلف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود منافس تقليدي يسعى لإسقاط أميركا (فلا توجد دولة قادرة على ذلك حالياً)، بل في تفشي "الفوضى العالمية" الناجمة عن اليقظة السياسية للشعوب المهمشة، وتنامي مشاعر الإحباط والعداء ضد الهيمنة الأميركية. ومن هنا، يبرز السؤال الوجودي: كيف توظف أميركا هذه القوة الفائقة؟
وهم السيطرة المطلقة وباثولوجيا الإمبراطورية
يفكك بريجنسكي ببراعة خيار "السيطرة" (Domination)، محذراً من أنه يمثل فخاً استراتيجياً وأخلاقياً مميتاً. السيطرة تعني محاولة فرض الإرادة الأميركية بالقوة العسكرية الخالصة، والاعتماد على السياسات الأحادية، وتهميش الحلفاء، والعمل بمنطق "الضربات الاستباقية" ضد كل من تصنفه واشنطن كتهديد محتمل.
يرى الكاتب أن السعي وراء هذا الخيار، الذي برز بوضوح في سياسات الإدارة الأميركية عقب أحداث 11 سبتمبر، سيؤدي حتماً إلى نتائج كارثية:
* عالمياً: سيولد هذا الخيار عداءً شاملاً ومقاومة عالمية متزايدة. لن يستطيع الإكراه العسكري القضاء على الإرهاب، بل سيؤدي إلى تفريخه، وسيحول أميركا إلى "إمبراطورية مكروهة" تدفع حلفاءها الأوروبيين والآسيويين للنفور منها والبحث عن توازنات بديلة.
* داخلياً: التكلفة الأكبر للسيطرة ستدفعها الديموقراطية الأميركية ذاتها. فإدارة إمبراطورية عالمية بالقوة تتطلب عسكرة مستمرة للمجتمع، تبرير قوانين الطوارئ والمراقبة، وتآكل الحريات المدنية، والاعتماد على إثارة الخوف المستمر لدى المواطنين للحصول على دعمهم للحروب الخارجية. النتيجة النهائية لخيار السيطرة هي تحول أميركا إلى "دولة حصن" (Garrison State) معزولة ومصابة بجنون الارتياب.
حتمية القيادة ومشروع "الصالح العام العالمي"
في المقابل، يطرح بريجنسكي الخيار الصعب ولكنه الوحيد القابل للحياة: "القيادة" (Leadership). القيادة الحقيقية لا تعني التنازل عن القوة أو التفوق، بل تعني توظيف هذه القوة لخلق إجماع عالمي وبناء شبكة من التحالفات المؤسسية الدائمة. القائد يُتبَع طواعية لأنه يمثل مصالح تتجاوز مصالحه الضيقة، أما المسيطر فيُطاع كرهاً إلى أن تحين فرصة الانقضاض عليه.
تتطلب القيادة من واشنطن أن تتبنى استراتيجية تهدف إلى تحقيق "الصالح العام العالمي" (Global Public Good). ويعني هذا المفهوم ضرورة التزام أميركا بمعالجة الجذور العميقة لعدم الاستقرار، المتمثلة في الفقر المادي، واللامساواة التي تكرسها العولمة غير المنضبطة، والصراعات الإقليمية المزمنة.
ولتحقيق هذه القيادة، يضع بريجنسكي شروطاً محددة:
* الشراكة الأطلسية: يجب التوقف عن معاملة أوروبا كتابع، والبدء في التعامل معها كشريك استراتيجي ند. فالتحالف الأميركي-الأوروبي هو الركيزة الأساسية لأي نظام عالمي مستقر.
* الشرق الأوسط والبلقان العالمي: التخلي عن الدعم العاطفي وغير المشروط لإسرائيل والذي يضر بالمصالح الأميركية العليا، والتدخل بحزم كراعٍ نزيه لفرض تسوية عادلة وشاملة تنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وهو مفتاح أساسي لتجفيف منابع الكراهية والتطرف في العالم الإسلامي.
* دمج القوى الصاعدة: تبني سياسة استيعاب مرنة تجاه الصين وروسيا، وتجنب دفعهما لتشكيل تحالف مناهض للغرب، من خلال دمجهما تدريجياً في الهياكل الاقتصادية والأمنية العالمية.
الخيار الأخير: التوفيق بين الجمهورية والإمبراطورية
يصل بريجنسكي في خلاصته إلى قلب المعادلة الفلسفية للأمة الأميركية: التناقض بين هوية أميركا كـ "جمهورية دستورية ديموقراطية" وبين دورها الفعلي كـ "إمبراطورية عالمية". يرى المؤلف أنه إذا طغى البعد الإمبراطوري (السيطرة) على البعد الجمهوري (الديموقراطية والتعددية)، فإن أميركا ستفقد روحها ومصدر إلهامها الحقيقي للعالم؛ ألا وهو "قوتها الناعمة" وجاذبيتها الأخلاقية والثقافية.
يجب على الشعب الأميركي أن يدرك أن الأمن القومي الشامل المطلق هو أسطورة في عصر العولمة. فالطريق إلى الأمن لا يمر عبر تدمير الخصوم أو بناء دروع صاروخية وجدران عازلة، بل عبر المساهمة في جعل العالم نفسه مكاناً أكثر عدلاً وأمناً. القيادة تعني أن تدرك أميركا بأن مصيرها مرتبط بمصير الإنسانية جمعاء.
تختتم صفحات الكتاب برسالة واضحة، حازمة، ولا تقبل التأويل: إن قدر أميركا التاريخي قد وضعها في موضع لا يسمح لها بالتنصل من مسؤولياتها العالمية. الانسحاب للعزلة مستحيل، لأنه سيعني انهيار النظام العالمي ودخول الكوكب في حقبة مظلمة من الفوضى، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والحروب الإقليمية الطاحنة.
لكن، وفي الوقت ذاته، فإن محاولة حكم هذا العالم المضطرب بالقوة الغاشمة والإملاءات الأحادية (السيطرة) هي وصفة مؤكدة للانتحار الذاتي واستنزاف القوة الأميركية.
الخيار الوحيد الذي يضمن بقاء التفوق الأميركي ويصون أمنها وأمن العالم، هو خيار القيادة التوافقية المستنيرة. قيادة تسعى لدمج العالم في نظام قائم على القواعد، وتحترم التعددية، وتدرك أن أعظم قوة تملكها الولايات المتحدة ليست ترسانتها النووية، بل قدرتها على حشد البشرية نحو أهداف مشتركة.
هذا هو الاختيار التاريخي: إما السيطرة التي تقود إلى الهلاك والعزلة، وإما القيادة التي تمهد الطريق نحو مجتمع عالمي متكافل ومستقر.



اضف تعليق