يمر الاقتصاد التركي بأسوأ مرحلة له، حيث سُجل في عام 2018 أحد أسوأ 5 اقتصادات في العالم سواءً من ناحية التضخم أو انخفاض العملة أو جذب الاستثمارات والحركة التجارية والانكماش الحاصل في الاقتصاد.

القصد أن المشكلات الاقتصادية التي تواجهها تركيا حالياً، يرشح استمرارها في المدى المنظور والمتوسط، بالنظر إلى تركيز السلطات النقدية التركية على إجراءات قصيرة الأجل على حساب سياسة نقدية فعالة وإصلاح اقتصادي جوهري، وهو ما أدى إلى إخفاق الحكومة في علاج تفاقم معدل التضخم وتراجع الليرة. في المقابل ثمة تراجع ملحوظ في ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد التركي، وبدا ذلك في تحذير صندوق النقد، في تقرير له حول تركيا في فبراير الماضي، من مخاطر يواجهها الاقتصاد يتمثل أهمها في ارتفاع معدل التضخم نتيجة عدم رفع سعر الفائدة.

ولذلك، فإنه مع استمرار تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ستتضح أكثر مواطن الخلل في الاقتصاد التركي، بالنظر إلى ارتفاع تكلفة الديون الخارجية، والتراجع النسبي في جاذبية الاستثمار على خلفية التوتر في علاقات تركيا مع محيطها الإقليمي والدولي.

ويزداد يوماً بعد يوم الوضع المأزوم للاقتصاد التركي، خاصة مع اتساع عجز الميزان التجاري، وارتفاع تكلفة واردات الطاقة بعد قرار الولايات المتحدة بإلغاء الإعفاءات الممنوحة لتركيا بمواصلة شراء النفط الإيراني إضافة إلى تدهور قيمة العملة المحلية، وصعود معدلات التضخم. كما تضررت البنوك التركية بشدة من ارتفاع حجم الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها، وطلبت العديد من الشركات المدنية إعادة جدولة ديونها، وتلقت البنوك حتى أول مايو الجاري ديون قيمتها 28 مليار دولار في أعقاب تراجع سعر صرف الليرة.

في المقابل كان لقرار إعادة انتخابات إسطنبول تأثير سلبي بزيادة التحديات التي تواجه الاقتصاد في المرحلة الحالية، خاصة أنه يتزامن مع تزايد الاختلالات الاقتصادية في البلاد خلال الأشهر الماضية، واللافت في هذا السياق أن بعض الجهات الدولية أبدت مخاوف عديدة إزاء تأثير إقصاء مرشح حزب الشعب الجمهوري عن رئاسة بلدية إسطنبول التي فاز بها في 31 مارس/آذار الماضي على الأوضاع الاقتصادية، لا سيما أن قرار الإعادة يؤكد توجه أردوغان نحو حكم سلطوي يمسك فيه بمفاصل الدولة وأعصابها الحساسة.

في هذا السياق، أدى التراجع الملحوظ للاقتصاد التركي إلى إثارة شكوك ومخاوف المستثمرين، خاصة مع توجه تركيا نحو فرض ضريبة 0.1% على تعاملات العملات الأجنبية في خطوة ربما تزيد من إيراداتها، لكنها تمثل في الوقت ذاته إشارة خاطئة إلى الأسواق؛ لأنها ستؤدي حتماً إلى عزوف الأجانب عن الاستثمار في تركيا، كما دخل الاقتصاد التركي مرحلة الغموض بسبب سعي الرئيس أردوغان نحو إخضاع المؤسسات الاقتصادية، ومن بينها البنك المركزي، لسلطته خاصة مع انتقاداته المستمرة لإصرار البنك على رفع أسعار الفائدة.

وقد توقع محللون اقتصاديون أن يكون تعافي الاقتصاد التركي الضعيف في الربع الأول من العام الحالي "قصير الأجل"، وذلك في أعقاب انخفاضات متواصلة في سعر الليرة مقابل الدولار.

ووفق بيانات صادرة عن معهد الإحصاء التركي، الثلاثاء، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 2.1 في المئة في الفترة الواقعة بين فبراير ومارس 2019، وذلك بفضل النمو بقطاع التعدين، ورغم هذه الأرقام، التي قد تبدو مبشرة وإيجابية، إلا أن الخبير الاقتصادي في مؤسسة "نومورا إنترناشيونال" التي تتخذ من لندن مقرا لها، إنان ديمير، لم يستبعد حدوث "تراجع مضاعف" مدفوع بالانخفاضات المتسارعة لليرة، الأمر الذي سيعيق الطلب المحلي، ويفرض ضغوطا على الشركات التركية، التي تنوء تحت عبء ديون تبلغ قيمتها 315 مليارات دولار.

وأضاف ديمير: "سيؤثر تقلب السوق المالية منذ أواخر مارس، إلى جانب الشكوك السياسية المستمرة، على النشاط الاقتصادي بتركيا في الربع الثاني"، وتابع موضحا: "قد تكون بيانات الإنتاج الصناعي دليلا على خروج الاقتصاد التركي من الركود في الرابع الأول، إلا أن التذبذبات الأخيرة في سعر الليرة سيمثل خطرا حقيقيا على الاقتصاد الذي سيغرق في بحر من الركود بوقت لاحق من هذا العام"، وفق ما نقلت وكالة "بلومبيرغ".

ومن جانبه قال كبير الاقتصاديين في بنك "آي إن جي بنك أي إس"، محمد ميركان: "تشير بيانات الإنتاج الصناعي لبعض الاستقرار، إذ تعافى الإقراض بدعم من البنوك المحلية، وإدخال عدد من تدابير التحفيز، إلا أنه لا يمكن ضمان المحافظة على مثل هذا الأداء كون نشاط الإقراض يفقد زخمه في الربع الثاني بينما تظل المخاطر السلبية جاثمة على صدر الانتعاش الاقتصادي".

وفي حين أنهت تركيا العام المنصرم بربعين متتابعين من الانكماش بفعل انهيار الليرة، أشار وزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، في أبريل بأن اقتصاد بلاده قد يكون في طريقه إلى الانتعاش.

وتأتي تصريحات الوزير التركي بنظر مراقبين "ضربا من الجنون"، إذ أن الأجواء السياسية في البلاد لا تحمل أي بوادر مبشرة لاحتمال حدوث انتعاش، وخصوصا بعد قرار إعادة الانتخابات البلدية في 23 يونيو، وهو ما سيضيف نحو شهرين من حالة عدم اليقين بشأن خطط تركيا لإعادة التوازن وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد.

كذلك يتجاهل ألبيرق الخسائر الفادحة، التي سجلتها الليرة في أعقاب القرار "المثير للجدل" فيما يتعلق بانتخابات المدينة الاقتصادية الأولى في البلاد، إذ منيت الليرة بخسارة فادحة وبلغت أدنى مستوياتها في 8 أشهر يوم 9 مايو.

وتضاف الخسائر التي تكبدتها الليرة هذا العام إلى انخفاض بنحو 30 في المئة في قيمتها العام الماضي، وسط مخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي، في حين خسرت العملة 15 في المئة من قيمتها مقابل الدولار هذا العام.

وتمسك ألبيرق بتوقعه بشأن نمو الناتج المحلي الإجمالي لبلاده لهذا العام بنسبة 2.3 في المئة، ضاربا عرض الحائط آراء خبراء اقتصاديين ودراسات شركات متخصصة مثل "غولدمان ساكس غروب" و"مورغان ستانلي"، اللتين توقعتا انخفاضا في الناتج بنسبة 2.5 و1.8 في المئة على التوالي.

الأسطوانة المكرر، وعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليكرر ذات الحديث، الذي يردده كلما تعرض الاقتصاد التركي لانتكاسة، فعقب أكبر خسارة لليرة في 8 أشهر، أشار إلى وجود مؤامرة تستهدف اقتصاد البلاد، وترمي إلى إضعاف الروح المعنوية لدى المواطنين.

واعتبر أردوغان أن هناك جهات وجدت أن السبيل الأنسب لوضع العصي في عجلات تقدم تركيا، هو استهداف معنوياتها وثقتها في تحقيق تطلعاتها وأهدافها، وأشار الرئيس التركي إلى أن الهدف وراء عمليات التلاعب بالفائدة والتضخم عبر سعر الصرف ينسجم مع ذلك الهدف، وفق ما نقل موقع "أحوال" التركية عن وكالة "الأناضول" للأنباء.

وبعد تخفيض وكالة "موديز" التصنيف الائتماني لتركيا في مارس 2018، لم يجد أردوغان حلا آخرا، غير اللجوء إلى نظرية المؤامرة، حيث قال إن وكالات التصنيف الائتماني منشغلة بالسعي إلى دفع بلاده نحو الدخول في مأزق، وإن الأسواق المالية يجب ألا تأخذها على محمل الجد، كذلك تحدث أردوغان عن "المؤامرة" عقب إدانة مصرفي تركي في نيويورك، يناير 2018، في إطار محاكمة بشأن الالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي بإسطنبول قبل أن يتوجه إلى باريس للقاء نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن "الولايات المتحدة تقوم حاليا بسلسلة من المؤامرات الخطيرة القضائية والاقتصادية أيضا"، وأثار حديث أردوغان المستمر عن وجود مؤامرة وحرب اقتصادية سخرية معارضيه، حيث نشر معارضون أتراك على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قديم للرئيس وهو يعبر فيه عن عدم قناعته بالمؤامرات الخارجية

وعليه يبدو المشهد الاقتصادي التركي قاتماً، وتأثيراته ستكون أكثر إيلاماً على البلاد في القترة المقبلة، مع دخوله مرحلة الركود بعد سلسلة من التداعيات التي تتعلق بالتضخم واستمرار انخفاض قيمة الليرة وما تبع ذلك من متغيرات وتطورات.

تحويل 40 مليار ليرة من البنك المركزي لدعم الميزانية

قال ثلاثة مسؤولين اقتصاديين لرويترز إن وزارة الخزانة التركية تعكف على مشروع قانون لتحويل 40 مليار ليرة (6.6 مليار دولار) من الاحتياطيات القانونية للبنك المركزي إلى ميزانية الحكومة لدعمها، وقالت المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لأنها غير مخولة بالحديث علنا إن عجز الميزانية أكبر من المتوقع.

ولم يتضح متي أو ما إذا كانت مسودة القانون ستُطرح على البرلمان لكن أحد المصادر قال إن ذلك سيحدث ”قريبا“، وانزلق الاقتصاد في حالة من الركود العام الماضي بعد أن نزلت الليرة نزولا حادا. وتتعرض العملة لضغوط من جديد، فيما يرجع جزئيا إلى مخاوف من استنزاف احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي والتي قد تصبح ضرورية في التصدي لأزمة أخرى، واحتياطيات النقد الأجنبي منفصلة عن الاحتياطيات القانونية التي يجنبها البنك من الأرباح بموجب القانون لتُستخدم في ظروف استثنائية.

وحتى نهاية 2018، بلغت هذه الاحتياطيات 27.6 مليار ليرة بحسب بيانات موازنة البنك، وقال مصدر ثان مطلع إن الاحتياطيات القانونية للعام الماضي بالإضافة إلى احتياطيات العام الحالي تصل إلى رقم الأربعين مليار ليرة الذي ذكرته المصادر الثلاثة التي تحدثت لرويترز، وقال المصدر الثاني ”لدى البنك المركزي التركي نحو 40 مليار ليرة من الاحتياطيات القانونية. كان تحويل هذا المبلع لميزانية الحكومة المركزية للعام 2019 مما يُعد ملائما. هذه الخطوة تهدف لتحسين الميزانية وتعزيزها“.

ومن غير الواضح بعد حجم الاحتياطيات التي قد يجري تحويلها في نهاية المطاف ولا ما إذا كان البنك المركزي سيخضع لأي متطلبات جديدة، ولم يتسن حتى الآن الوصول إلى أي من مسؤولي البنك المركزي أو وزارة الخزانة للحصول على تعليق، وسيكون التحويل هو الخطوة الثانية من نوعها التي تقوم بها أنقرة في الآونة الأخيرة لاستغلال أموال البنك المركزي من أجل تعزيز ميزانيتها. ففي يناير كانون الثاني، حول البنك نحو 37 مليار ليرة من أرباحه إلى الخزانة قبل الموعد المقرر بثلاثة أشهر، وقال المصدر الأول ”لا أتذكر استخدام الاحتياطيات القانونية من قبل. هذه الطريقة توصلوا إليها للحيلولة دون مزيد من التدهور في الميزانية“.

الليرة التركية تتراجع مجدداً

نزلت الليرة التركية وسط عودة مخاوف المستثمرين حيال الضبابية السياسية، لتتخلى عن مكاسب حققتها في أواخر الأسبوع الماضي عندما أبلغت مصدران رويترز أن بنوكا حكومية باعت مليارات الدولارات لدعم العملة.

وتراجعت الليرة إلى 6.10 مقابل الدولار، متراجعة عن إغلاقها عند 5.9955 يوم الجمعة. ويوم الخميس، بلغت العملة التركية أدنى مستوياتها في أكثر من سبعة أشهر عند 6.2460، وارتفعت الليرة في التعاملات مساء الأحد، ملامسة مستوى 5.9610، قبل أن تتراجع مع زيادة التعاملات الصباحية.

وقال مصدران لرويترز إن بنوكا حكومية تركية باعت حوالي 4.5 مليار دولار الأسبوع الماضي، بما في ذلك عمليات بيع كثيفة مساء الجمعة، لكبح انخفاضات تسبب فيها الأسبوع الماضي قرار إعادة انتخابات بلدية اسطنبول.

وفي مسعى رسمي منفصل لدعم العملة يوم الخميس، شدد البنك المركزي السياسة بتمويل السوق بأسعار فائدة أعلى، وفقدت الليرة 15 بالمئة أمام الدولار منذ بداية هذا العام، فيما يرجع أحدث نزول إلى قرار إلغاء التصويت في اسطنبول الذي جرى يوم 31 مارس آذار، والذي أسفر عن فوز حزب المعارضة الرئيسي بفارق ضئيل عن حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي له الرئيس رجب طيب أردوغان.

تداعيات أزمة العملة

قال وزير المالية التركي براءت ألبيرق يوم الأحد إنه يأمل بأن يتغلب الاقتصاد التركي على أزمة العملة التي نشبت العام الماضي عبر فصلين فقط من الانكماش، ووفي حديثه لقناة (سي.إن.إن ترك)، أشار الوزير إلى أداء تركيا خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 حينما انكمش الاقتصاد أربعة فصول متتالية، ”آمل أن تتجاوز تركيا هذه الفترة بفصلين من الانكماش، وبأقل تأثير سلبي“.

كان الاقتصاد التركي انكمش ثلاثة بالمئة على أساس سنوي في الربع الأخير من 2018، بعدما تسببت أزمة العملة في خسارة الليرة نحو 30 بالمئة من قيمتها العام الماضي. ويتوقع خبراء اقتصاديون انكماشا لربعين آخرين على أساس سنوي.

وفقدت الليرة نحو 15 في المئة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام، حيث جاء أحدث ضعف لها بفعل قلق المستثمرين من القرار الذي اتُخذ يوم الاثنين بإعادة الانتخابات البلدية في اسطنبول، التي فاز فيها حزب المعارضة الرئيسي بفارق بسيط.

وتحرك البنك المركزي التركي لتشديد السياسة النقدية من خلال تمويل السوق بفائدة مرتفعة، واتخذ خطوات جديدة خاصة بالسيولة، بينما باعت البنوك الحكومية دولارات لدعم العملة المحلية الليرة، وقال ألبيرق إن التضخم والتوظيف في تركيا سيتحسنان هذا العام، بينما ستنفذ الحكومة إصلاحات ضرورية بدون تردد، وتابع ”تركيا، وبصفة خاصة من حيث التضخم والتوظيف، ستحقق مستوى أفضل، ومركزا أكثر توازنا بنهاية 2019“، وقال ألبيرق إن اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان بناء وإيجابيا، مضيفا أن من المرجح إلى حد كبير أن يزور ترامب تركيا في يوليو تموز.

تخريب اقتصادي

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تركيا تواجه تخريبا اقتصاديا وتعهد بالتصدي للهجمات علي اقتصاد البلاد بعد يوم من قرار المجلس الأعلى للانتخابات إعادة الانتخابات في مدينة اسطنبول والذي تسارعت معه خسائر الليرة.

وقال لأعضاء حزبه العدالة والتنمية ”قد يكون لدينا أوجه قصور لكن المشهد الذي نواجهه اليوم هو حالة تخريب كاملة“. وقال ”إذن، ماذا سنفعل؟ من الآن فصاعدا، سنفعل ما فعلناه بالإرهابيين"، وأضاف أن تركيا سترسي الأسس لإصلاحات اقتصادية.

كانت تركيا أعلنت عن حزمة إصلاحات في أبريل نيسان لمعالجة مشاكلها الاقتصادية لكن المستثمرين يقولون إن إعادة انتخابات رئيس بلدية اسطنبول في 23 يونيو حزيران قد تحول الانتباه والموارد عن السياسات المطلوبة.

كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم السبت إن بلاده مستعدة لتقديم الدعم الكامل للمستثمرين الدوليين، مضيفا أن الحكومة تسيطر على زمام الأمور رغم استمرار الهجمات على الاقتصاد من خلال استهداف العملة التركية.

وشهدت تركيا سنوات من النمو السريع بفضل طفرة في مجال البناء وتقديم قروض رخيصة. لكن الاقتصاد تباطأ بشدة بسبب تأثير أزمة العملة التي قلصت 30 في المئة من قيمة الليرة التركية مقابل الدولار. وأنحى أردوغان باللائمة على قوى خارجية في الحالة التي وصل إليها الاقتصاد، وقال أردوغان لرجال أعمال أتراك في اسطنبول ”نسيطر على الأمور الآن رغم استمرار الجهود الرامية لانهيار اقتصادنا من خلال سعر الصرف للعملات الأجنبية“.

بنوك حكومية تركية تبيع دولارات

قالت مصادر إن بنوكا حكومية تركية باعت أكثر من مليار دولار يوم الخميس وخلال تعاملات الأسواق الخارجية، ما ساعد الليرة على الارتفاع أكثر من اثنين بالمئة خلال التعاملات، وكبح انخفاضات أطلقها هذا الأسبوع قرار بإعادة انتخابات بلدية اسطنبول.

وبحلول الساعة 0836 بتوقيت جرينتش، بلغت الليرة 6.1300 للدولار، مرتفعة من مستوى إغلاق عند 6.1935 يوم الخميس. كما ارتفعت العملة إلى 6.0515 مقابل الدولار الأمريكي في تعاملات الأسواق الخارجية الاسيوية.

وبحسب المصادر المطلعة، كان البنك الزراعي، وهو أكبر بنوك تركيا من حيث الأصول، من بين البنوك التي باعت الدولار لدعم الليرة. ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من البنك الزراعي، وخسرت الليرة التركية 15 في المئة من قيمتها مقابل الدولار هذا العام، وارتبط أحدث انخفاض بقلق المستثمرين من القرار الصادر يوم الاثنين الماضي بإعادة انتخابات البلدية في اسطنبول والتي فاز فيها حزب المعارضة الرئيسي بفارق ضئيل.

وألغى المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا يوم الاثنين نتائج الانتخابات البلدية التي أُجريت في 31 من مارس آذار بمدينة اسطنبول، كبرى المدن التركية والمركز التجاري للبلاد، وذلك بعد أسابيع من طعون قدمها حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تلقى هزيمة في الانتخابات، ويوم الخميس، قام البنك المركزي التركي بتشديد فعلي لسياسته عبر تقديم تمويل للسوق بأسعار فائدة أعلى، واتخذ خطوات إضافية فيما يخص السيولة لدعم الليرة.

وتأتي الخسائر التي تكبدتها الليرة هذا العام لتُضاف إلى انخفاض بنحو 30 بالمئة في قيمتها العام الماضي، وسط مخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي وكذلك علاقات متوترة مع الإدارة الأمريكية، ويخشى المستثمرون من أن قرار إعادة انتخابات اسطنبول في 23 يونيو حزيران سيضيف نحو شهرين من حالة عدم اليقين بشأن خطط تركيا لإعادة التوازن وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد.

البنك المركزي التركي يبقي على سعر الفائدة دون تغيير

أبقى البنك المركزي التركي يوم الخميس على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير كما كان متوقعا، لكنه تخلى عن إشارة سابقة لاحتمال تشديد السياسة النقدية إذا اقتضت الضرورة لمواجهة التضخم، في تحول ينطوي على ميل إلى التيسير النقدي أثر سلبا على الليرة.

وأجرى البنك المركزي مجموعة من التعديلات على بيان سياسته النقدية تشمل الإشارة إلى ارتفاع أسعار الأغذية، وأكد أنه سيُبقي على موقف يميل إلى التشديد النقدي حتى يطرأ تحسن مهم على التضخم الذي ما زال مرتفعا.

لكن محللين يقولون إن البنك لم يكرر نصا من مارس آذار قال فيه ”إذا اقتضت الضرورة، سيكون هناك المزيد من تشديد السياسة النقدية“، وبدلا من ذلك، قال البنك المركزي يوم الخميس ”سنراقب العوامل التي تؤثر على التضخم عن كثب وسنحدد موقف السياسة النقدية لإبقاء التضخم متماشيا مع المسار المستهدف“.

وجرى تداول الليرة عند 5.9 ليرة مقابل الدولار قبل إعلان قرار المركزي مباشرة ثم تراجعت إلى 5.9620 ليرة بعد إعلان القرار وهو أقل مستوى تداول لها خلال التعاملات منذ يوم 12 أكتوبر تشرين الأول. وبحلول الساعة 1118 بتوقيت جرينتش تعافت قليلا لتسجل 5.94 ليرة مقابل الدولار، وأبقى المركزي على سعر إعادة الشراء (ريبو) لأجل أسبوع عند 24 بالمئة، بعدما رفعه 11.25 نقطة مئوية العام الماضي. وفي استطلاع أجرته رويترز شمل 16 خبيرا اقتصاديا، قال المشاركون جميعا إنهم يتوقعون الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، وانخفض التضخم من ذروته في 15 عاما عند 25.24 بالمئة في أكتوبر تشرين الأول على الرغم من أنه عاود الارتفاع مجددا في الشهور الأخيرة، وسجل 19.71 بالمئة في مارس آذار.

انتكاسة أردوغان الانتخابية تضعف الأمل في إصلاحات اقتصادية كبرى

كان للخسائر التي مني بها الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات المحلية أثرها السلبي على آمال المستثمرين أن تتبنى تركيا إصلاحات صعبة يقولون إنها ضرورية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وهو يسعى لتدعيم قاعدته السياسية.

فقد أظهرت النتائج الأولية أن حزبه العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية والذي يتولى الحكم في البلاد منذ عام 2002 فقد السيطرة على العاصمة أنقرة ومدينة اسطنبول التي تعد المركز الاقتصادي الرئيسي في تركيا في الانتخابات التي جرت في 31 مارس آذار، وطلب حزب العدالة والتنمية إعادة فرز الأصوات في المدينتين.

ومن المتوقع هذا الأسبوع أن يعلن وزير المالية بيرات البيرق، وهو زوج ابنة أردوغان، للمستثمرين الأجانب الذين انتابهم القلق الإصلاحات الهيكلية التي يأمل من خلالها تنشيط اقتصاد نُكب بارتفاع التضخم وهشاشة العملة.

وقالت وكالة أنباء الأناضول المملوكة للدولة إن هذا الإعلان سيصدر، وبعد أزمة العملة التي فقدت فيها الليرة في العام الماضي قرابة 30 في المئة من قيمتها يقول اقتصاديون إن تركيا تحتاج إلى تقديم التزامات طويلة الأجل من أجل زيادة الصادرات وتخفيف أعباء الشركات المثقلة بالديون وتحرير البنك المركزي من القيود لأداء مهامه.

وعشية الانتخابات قال أردوغان الذي شن حملة دعاية مكثفة قبل بدء التصويت إن حزب العدالة والتنمية سيوجه تركيزه من جديد للاقتصاد، غير أن كثيرين من المحللين يتشككون في إمكانية طرح خطة إصلاح شاملة لاسيما بعد الانتخابات ويخشون أن يختار حزب العدالة والتنمية بدلا من ذلك تدابير تحفيزية قصيرة الأجل تخفق في معالجة نقاط الضعف الأعمق بل وربما تؤدي إلى تفاقهما.

وقال جيوم تريسكا كبير خبراء استراتيجيات الأسواق الناشئة لدى بنك كريدي أجريكول ”قاعدة حزب العدالة والتنمية تريد إجراءات مواتية للنمو وتريد المزيد من التدابير المالية وتريد خفض التضخم. وهذا بالضبط هو ما فعله (الحزب) قبل الانتخابات وسيضطر لمواصلته إذا كان (أردوغان) يريد الحفاظ على شعبيته“، وأضاف ”لا أتوقع إصلاحات ملموسة. سيقتصر الأمر على الكلمات“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1