إن واقعة الطف رسالة واضحة المعاني للناس، ومعجزة هذه الرسالة أدى إلى خلودها، واحتوائها مبادئ وقواعد يمكن استثمارها في المجالات الاجتماعية، لذا علينا إحياء ذكرى واقعة الطف في ايام عاشوراء من خلال تأدية الشعائر الحسينية، وأخذ العبر والدروس القيمة التي تعتبر هدفا للامام الحسين (ع)، لذا يمكننا تعزيز الهدفية من خلال دراسة تلك الاهداف ومدى الصبر وتحملنا الظلم لأجل تحقيقها، ومعرفة أن على الأنسان الحسيني وضع غاية سامية في مستقبلة يصر على تحقيقها، مع تعلم القيم من القضية الحسينية، وقد بات الحسينيون على علم بمدى تأثر الحالة النفسية بواقعة الطف وما تتمثل به من قيم عليا للشرف والعزة والاصرار على قول الحق وتحقيق الأهداف وحماية الدين والحفاظ عليه، لذا نشاهد تغير النفوس واطمئنانها والايمان الكامل بأن الله ينصر من كان معه الحق ويجزيه بما قدمه.

ولمعرفة كيفية استثمار عاشوراء في الجوانب الحياتية، وما تحتويه رسالة الامام الحسين (ع) من عبر، قامت (شبكة النبأ المعلوماتية) باستطلاع آراء بعض المختصين والباحثين في هذا الشأن وطرحت عليهم السؤال الآتي:

كيف يمكننا استثمار عاشوراء لتعزيز الهدفية وتحسين الحالة النفسية؟

ملحمة الحق ضد الباطل

التقينا الدكتور (قحطان حسين)، دكتوراه في كلية العلوم السياسية جامعة بابل، فأجابنا قائلا:

نعيش هذه الايام ذكرى عاشوراء وهي ملحمة الحق ضد الباطل بكل مضامينها المادية والفكرية، هذه الملحمة التي اعطتنا عبرا ودروسا في حق مقاومة الطغاة والمستبدين والفاسدين، وتتجلى اهم الدروس والعبر المستقاة من نهضة الامام الحسين (ع) في مسألة تهذيب النفس وتنقيتها من شوائب الدنيا، التي علقت بها نتيجة انحراف النفس البشرية عن طريق الحق والاستقامة، وانشغالها بملذات الدنيا ومفاتنها انها فرصة للعودة الى الله ولجم النفس عن محارمه، والدعوة الى سبيله بالحسنى والحكمة والموعظة، لقد كشفت النهضة الحسينية جملة من الحقائق اهمها أن الانسان خلال مسيرة حياته لابد أن يسعى وراء هدف نبيل لا يعود بالنفع له وحده بل لعامة الناس، وأن يسخر من اجل تحقيق هذا الهدف كل ما رزقه الله من قدرات وامكانيات، وفي النهاية ليس بمقدور الانسان ان ينجح الا بمشيئة الله تعالى. لكن المهم ان يسعى ويخلص النية لله كي تطيب نفسه وتطمئن.

وأجابنا الأستاذ (غزوان المؤنس)، كاتب صحفي، بالقول:

تمثل عاشوراء درساً عظماً في الإنسانية والعطاء ومنهجاً انسانياً متكاملاً، لا يختزل بيوم واحد او موقف معين، من يغوص في أعماق هذه القضية لوجدها ثورة عظيمة تحتوي على قيم ومبادئ سامية وطريق لتصحيح الأخطاء، هذا النهج الذي سار عليه الامام الحسين(عليه السلام) في تصحيح الواقع سواء كان الواقع الديني او السياسي او الاجتماعي في المجتمع بالماضي، جعل الاجيال تستفاد من هذا الطريق النوراني والصحيح المملوء بالعطاء والتضحية والوقوف امام الفاسدين والمخربين سراق المال والدين، لهذا اصبح عاشور منهجاً متكاملاً وليس مجرد ايام معدودات للبكاء والعويل، فثورة الامام (عليه السلام) قدمت درساً للعالم بان الظالم والفساد على المجتمع الوقوف امامة حتى لو كلف الامر التضحية بالنفس، عندما تتمعن جيداً في مبادئ تلك الثورة العظيمة بعيداً عن العاطفة تجدها ثورة متكاملة المبادئ والقيم الانسانية، مما يعطيك الامل في صناعة واقعاً جديداً وتتخلص من افات الماضي، ولهذا علينا استثمار عاشوراء استثماراً جيداً مبني على اساس المنطق والعقل وبعيد عن الجوانب العاطفية، كون هذه الثورة تحمل في طياتها الكثير من المفاهيم والقيم، وتحتاج أن نسوقها بشكل صحيح الى العالم الخارجي، كون العالم الخارجي اليوم ينظر اليها من زاوية ضيقة، والسبب يعود الى عدم ادراك المتصديين لهذه القضية في مجتمعنا الى الطرق والاساليب الصحيحة لإيصال تلك المبادئ الى الخارج، الكثير من القادة والزعماء في العالم يعرفون حقيقة هذه الثورة لكن لم يفسرونها الى شعوبهم، مما يحتم علينا أن نتصدى لتلك المسؤولية لإيصال حقيقة عاشوراء الى العالم بغية التخلص من التشويه والتلاعب بحقيقة الامور، ونحن لا نحتاج أن نتكلم بكلام في الخيال او الاحلام كما يفعلها الكثير من خطباء المنبر الحسيني، فثورة الحسين عليه السلام مليئة بالقيم والمبادئ والحقائق، اليوم الإعلام المعادي الى هذه القضية ينقل الى العالم خرافات وبدع واحلام بعض رجال الدين ويجعلون كلامهم بمثابة وثيقة وحقيقة تلك الثورة العظيمة، مما يتوجب على الجميع أن يسوقون تلك لثورة من باب المنطق والحجج والبراهين حتى لا نعطي المجال امام ذلك الإعلام لتشويه صورة عاشوراء.

وتوجهنا بالسؤال إلى الدكتور (خليل الخفاجي)، استاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الكوفة، فأجابنا قائلا:

المتتبع لعاشوراء منذ استشهاد الامام الحسين عليه السلام الى يومنا هذا، سيجدها مرت بمراحل مختلفة تبعا لطبيعة الحكم فنجدها تنشط وتأخذ جوانب مختلفة من الشعارات الى المواكب، وتارة اخرى تختفى بحسب طبيعة وقوة وميول الحاكم، ولهذا فان هذا التخبط والميول والقوة في السلطة قد ولد رد فعل معاكس لدى الشارع، خاصة اذا ما علمنا ان كل ممنوع مرغوب في ضل انظمة فاسدة وقيادة تتخبط في قراراتها، وهذا بطبيعة الحال له تأثير على الجوانب النفسية للفرد، وفي مجتمعنا العراقي منذ قيام الثورة الحسينية نجد أن العراقيون قد يولد وتغذى واخذ جرعة منشطة وهو في بطن امه بحب الحسين، لذا فان هذا دليل على أن من المستحيل أن يحيد العراقيون عن حب اهل البيت حتى وأن كانت فئات اخرى لمذاهب مختلفة، الا انها لا يمكن أن تختلف مع السياق العام بحب الحسين، وطالما تمجد وافتخر القادة القدامى والمحدثين بحب الحسين واعتبروه جدهم لكي يكسبوا محبة الناس باعتبار أن حب الحسين قضية بالفطرة، ولكن ثمة تساؤل هل اننا استفدنا من الثورة الحسينية ؟ الحقيقة الامام الحسين هو ثورة ضد الظلم والفساد ونصرة المظلوم وللفقراء والمساكين، فعليه أن نتحلى ونحمل هذه المواصفات ونعزز هذا الجانب في علاقاتنا اليومية، ولذلك اننا نشعر حين نمارس الطقوس والتعازي باعتبار أن قضية الحسين هي صراع حق مع باطل، فعليه يجب أن نكون مناصرين للحق اينما يميل ونحمل صفات الحسين عليه السلام، ولتكن عاشوراء شعارا لتوحيد الكلمة والهدف الاسمى في نفوسنا وهي محاربة كل ما هو فاسد وأن نحمل شعارات قولا وفعلا، وحقيقة الامر لو طبقت مبادى واهداف ثورة الحسين لما وجد مظلوم وفقير في عراقنا الجريح الذي اصبح اليوم جميع العراقيون يندبون حظهم العاثر، بسبب هذه الفئة الحاكمة من السياسيين والحال التي يعيشوها والظلم والفقر والنقص الحاد في كل مفاصل وخدمات الدولة، ليكن الحسين عبرة لنا وللأجيال القادمة وأن نذكرها ونتخذ من هذا البكاء سبيل للخلاص، لكي نتحد لا نختلف وأن نبكي لكي نحس بالظلم وان نبكي لنصرة الحق على الباطل، فجميع العراقيون يستذكرون هذه الواقعة بألم ومرارة هو يتمنون ان يتعظ جميع الحكام من الثورة الحسينية، وستبقى طول الدهر دروسا وعبرا وأن تنتصر ارادة الحق على الباطل، ولا يمكن أن تمحى من ذاكرة الشعوب الفقيرة، لان حب الحسين قضية إلهية لا يمكن ان تطمس وستبقى القضية الحسينية باقية ما بقي اسم الحسين.

والتقينا (طالب الظاهر)، اديب واعلامي، فأجابنا بالقول:

موسم عاشوراء ليس فقط هو موسم حزن يمر في كل سنة مرور الكرام على أتباع أهل البيت عليهم السلام، بقدر كونه رفداً لقوة الرفض المتنامية في صميم الوعي الجمعي للأمة، والرفض لكل منحرف من السلوك، وخلق غريب على الفطرة السليمة التي فطرها الله تعالى في داخل هذا الإنسان، إنه مناسبة تتجدد فيها ذكرى المواجهة مع الباطل والانتصار الساحق عليه معنوياً، بكيفية أسمى ربما من أي معنى لأي انتصار آخر، لأنه مهما كان فإنه سيبقى انتصار آني محدود بالقياسات المادية المألوفة، بينما سيبقى انتصار الإمام الحسين عليه السلام انتصار أبدي، وعاشوراء فرصة لشحذ الهمم من خلال فضح دناءة الأساليب الوحشية التي يستخدمها الباطل المهزوم داخليا من أجل إسكات صوت الحق المرعب، واكيد الحزن والدمعة الصادقة شعار ووقود هذه المنازلة الكبرى المستمرة، منازلة الحق مع الباطل، ولو تساءلنا مع أنفسنا: هل قام الإمام الحسين عليه السلام بنهضته الإلهية المباركة من أجل جاه أو مال أو سلطان؟ وإذا لم يكن كذلك لماذا استخدم الباطل كل هذه القسوة والهمجية والإرهاب؟، والجواب إن شعوره بالجبن هو ما جعل القاتل مهزوزاً أمام الضحية؟ أرهب القاتل ثبات المقتول، وهل يعقل إن الإمام الحسين عليه السلام ضحى بكل ما ضحى به من أجل هدف محدود الأبعاد؟، والحقيقة إنه عليه السلام إنما ضحى بما ضحى به من اجل هدف أسمى من كل الأهداف إلا وهو تحرير الإنسان من قيوده الداخلية المتمثلة بهوى النفس والجبن والغفلة والغرور والتردد، وحرره من قيوده الخارجية بالاستهانة من الموت من أجل حياة أبدية خالدة، إذن عاشوراء بشارة انتصارنا القادم لا محالة.

تأثر الحالة النفسية في أيام عاشوراء

وكذلك التقينا الأستاذ (عامر الحمداني)، قانوني، فأجابنا قائلا:

يتعرض البعض وبسبب ظروف معينة الى ضغوط نفسية قد تتطور الى حالات اكتئاب ربما تؤدي الى حلات لا تحمد عقباها قد يكون نهايتها الانتحار، وقد يتشبث المصاب للتخلص من ذلك وينصح عادة بمراجعة المختصين في العلاج النفسي للتخلص من ذلك، ومن خلال الاجواء الروحانية التي يمتاز بها شهر محرم الحرام وعاشوراء بالذات والذي يمكن الاستفادة منه لتخفيف الضغوط النفسية، من خلال الاستماع الى ما هو غير مسموع سابقا وما يزيد ذلك في دائرة الاطلاع والتي بدورها تجعل مكامن التفكير في جوانب جديدة، كما أن استذكار عظمة المصيبة الحسينية تجعل من الشخص اعادة النظر في اسباب الضغوط النفسية مقارنة بالأهوال والمصائب التي رافقة تلك المرحلة، أن الاصرار الذي تمثل في شخصية الامام الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه للوصول الى اهدافهم غير مبالين بحجم التضحيات ستكون دافعا اساسيا في توجيه الاهداف والحفاظ عليها وخاصة عند مقارنة المدخلات ومخرجاتها.

استثمار القضية الحسينية

وطرحنا السؤال على الدكتور (عبد الواحد)، دكتوراه في اللغة العربية، فأجابنا بالقول:

عاشوراء ليس فقط الحزن والبكاء بل هناك جانب من الاستثمار في جوانب الحياة الاجتماعية وهذه بعض المقترحات:

- الاكثار من المسلسلات الدينية الهادفة التي تثقف الاخرين وتبين لهم أن ثورة الحسين بحر لا ينضب تغترف من الانسانية معاني التضحية والبطولة والفداء.

- نشر قصائد فصيحة عن ثورة الحسين او عن اهل البيت لشعراء اهل البيت مثل الكميت والسيد الحميري .

- نشر مقالات علمية تاريخية موثقة في ثورة الحسين والثوار الذين جاءوا بعده مثل زيد بن علي وابنه يحيى تثقيف الأخرين أن ثورة الحسين (ع).

- لا تعني البكاء او اللطم او اقامة الموائد للمترفين بل هي من اجل الفقراء فلو ما يصرف في المواكب من اموال طائلة تخصص لمساعدة الفقراء والمساكين لكان اقرب الى الصواب وفيه ثواب عظيم .

- اقامة مسابقات دينية فيها جوائز معنوية تثار فيها اسئلة تجعل المتسابق يبحث عن جواب لها فيحصل على المعلومة.

- حث الباحثين على نشر بحوثهم في مجلة النبأ مقابل اجور قليلة.

وأخيرا أجابنا الدكتور (عباس حسن الجبوري)، اكاديمي في جامعة بابل، فأجابنا قائلا:

يمكن استثمار عاشوراء اولا بتوضيح الأهداف الحقيقية لثورة الإمام الحسين عليه السلام لاسيما جانبها الإنساني، ويمكن أيضا استثمار عاشوراء في تشجيع التعاون والعمل الجماعي في كل مجالات الحياة وعدم جعلها تقتصر على مراسيم عاشوراء والزيارة الاربعينية، بل جعل العمل الجماعي مستمر ودائم طوال أيام السنة واستثمارها في الخدمات المجتمعية والتواصل الاجتماعي ونشر الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2