العناق المنتظم يرتبط بانخفاض القلق والاكتئاب، ويُظهر تأثيرات واضحة على مستويات التوتر والكورتيزول، ويُحسّن كفاءة الجهاز المناعي، ويعزز الروابط الاجتماعية ويقوّي الشعور بالأمان والانتماء. وحتى في غياب شخص يحتضننا، يمكن للمس المهدئ للذات أن يؤدي دورًا مشابهًا في تهدئة الجهاز العصبي...

لا أحد يلاحظ اللحظة التي يقرر فيها الجسد أن يستسلم لحظة يترك فيها كل ما يحمله من قلق وتوتر، فقط لأن ذراعًا ما أحاطت به. نحن نظن أن العناق فعل بسيط، لكنه في الحقيقة أقرب إلى “إعادة تشغيل” للنفس؛ كبساطة زر صغير يعيد الضوء إلى غرفة كانت معطلة منذ زمن.

من المدهش أن العلم، بكل أجهزته ومعداته ونماذجه الإحصائية، وجد نفسه يقف أمام ظاهرة ممارسة منذ آلاف السنين ظاهرة لم يبتكرها مختبر ولا طورها طبيب، ومع ذلك تخفض الكورتيزول، وترفع المناعة، وتقلل الاكتئاب والقلق، وتصلح ما تفسده الأيام فينا.

ربما لأن العناق، حين يحدث بعمق، لا يلامس الجسد فقط بل يلمس شيئًا فينا لا نعرف اسمه تمامًا، لكنه يعرف كيف يهدأ حين يُحتضن.

هذا التقرير ليس عن “العناق” الذي نمارسه كتحية، بل عن العناق الذي تغيرت بسببه نتائج مختبرات، وتبدلت مستويات هرمونات، وهدأت قلوب، ونام أطفال، وشُفيت مخاوف.

إنه رحلة قصيرة داخل أبسط حركة في العالم، وأكثرها قدرة على كسر القلق وتليين القسوة وفتح باب صغير نحو الطمأنينة… باب يكفي أن يفتح لخمس ثوانٍ فقط.

الارتباطات بين العناق والاكتئاب والقلق

ركزت دراسة جديدة نُشرت في 25 أكتوبر 2025 في مجلة الصحة العامة الآن على الارتباطات بين العناق والاكتئاب والقلق في عينة كبيرة من ألمانيا (هاجيك وزملاؤه، 2025). في الدراسة، أجرى العلماء استطلاعًا عبر الإنترنت مع أكثر من 3200 متطوع تتراوح أعمارهم بين 18 و74 عامًا. ملأ المتطوعون استبيان صحة المريض-9، وهو استبيان للصحة العقلية يُستخدم على نطاق واسع لتقييم الاكتئاب. كما ملأوا استبيان اضطراب القلق العام-7 لتقييم أعراض القلق. علاوة على ذلك، كان على المتطوعين الإشارة إلى متوسط عدد الأشخاص الذين عانقوهم يوميًا بين 0 و99 وإعطاء بعض المعلومات الإضافية عن أنفسهم، مثل مستوى تعليمهم.

ماذا اكتشف العلماء؟

وبشكل عام، تم تصنيف المتطوعين إلى أربع مجموعات مختلفة:

-حوالي 25 بالمائة من المتطوعين لم يعانقوا أحدًا أبدًا

-حوالي 38 بالمائة من المتطوعين عانقوا شخصًا آخر كل يوم

-حوالي 31 بالمائة من المتطوعين عانقوا شخصين أو ثلاثة أشخاص آخرين كل يوم

-حوالي 6 في المائة من المتطوعين عانقوا أربعة أشخاص أو أكثر كل يوم

وبناء على نتائج الاستبيانات، كان من المرجح أن يعاني حوالي 28 في المائة من المتطوعين من الاكتئاب، وكان من المرجح أن يعاني 22 في المائة من القلق.

ثم استخدم العلماء نماذج إحصائية متقدمة، بما في ذلك العديد من عوامل التأثير المحتملة الأخرى مثل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والصحية، لتحليل العلاقة بين العناق والصحة العقلية.

وفقًا لموقع (Psychology Today) كانت النتائج مذهلة: ارتبط العناق اليومي ارتباطًا وثيقًا بانخفاض احتمال الإصابة بالاكتئاب والقلق. وخلص العلماء إلى أن العناق المنتظم قد يكون عاملًا وقائيًا للصحة النفسية، وقد يكون عاملًا يُساعد في الوقاية من مشاكل الصحة النفسية.

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه نظرًا للطبيعة الارتباطية للدراسة، لا يمكن الجزم بأن كثرة العناق تُقلل بشكل مباشر من مشاكل الصحة النفسية. قد يكون السبب أيضًا أن الأشخاص الأقل اكتئابًا وقلقًا يقضون وقتًا أطول مع علاقاتهم الاجتماعية، مما يُتيح لهم فرصًا أكبر للعناق. لذا، ثمة حاجة إلى دراسات طولية ودراسات تدخلية لفهم العلاقة بين العناق والصحة النفسية بشكل كامل.

وجبات جاهزة

تشير نتائج الدراسة إلى أن العناق قد يكون له آثار إيجابية على الصحة النفسية. لذا، في المرة القادمة التي يبدو فيها أحد أحبائك بحاجة إلى عناق، لا تتردد واسأله إن كان يحب العناق، فقد يكون هذا ما يحتاجه بالضبط.

خمس إلى عشر ثوانٍ تصنع الفرق

كشف تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عن المدة المثالية للعناق وتأثيراته العميقة على الصحة الجسدية والنفسية، مستندًا إلى آراء باحثين من جامعات أكسفورد وبريستول وكارنيجي ميلون.

وتناول التقرير الجدل الذي أثاره مطار دنيدن في نيوزيلندا بعد وضعه حدًا أقصى لمدة العناق في منطقة إنزال المسافرين بثلاث دقائق، مقابل موقف مطار هيثرو في لندن الذي شجّع على “عناق بلا حدود”. ويشير الخبراء إلى أن العناق ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل فعلٌ تطوري يمنح الإنسان شعورًا بالطمأنينة بفضل تحفيز الإندورفين عبر اللمس الخفيف والبطيء.

وأوضح عالم النفس التطوري روبن دنبار أن الترابط عبر اللمس يشكّل حجر أساس في بناء العلاقات، فيما أكد عالم الأعصاب الاجتماعي مايكل بانيسي أن للعناق فوائد تمتد إلى الجهاز المناعي وتقليل مستويات التوتر. فقد أظهرت دراسة في جامعة كارنيجي ميلون أن الأشخاص الذين يتلقون عناقًا منتظمًا يصبحون أقل عرضة للإصابة بنزلات البرد، كما بيّنت دراسة أخرى أن النساء اللواتي يحتضن شريكهن قبل مواقف مرهقة يسجلن مستويات أقل من هرمون الكورتيزول.

وتشير الأبحاث إلى أن أفضل مدة للعناق تتراوح بين 5 و10 ثوانٍ، إذ تعزّز الشعور بالقرب العاطفي دون أن تصبح مزعجة أو غير مريحة. كما تناول التقرير أنواع العناق الشائعة، مثل العناق المتقاطع، العناق الحميم، "عناق الدب"، إضافة إلى الإيماءات الجسدية في الرياضة والعلاقات المهنية التي تساهم في تعزيز الثقة والتعاون.

أما في حال غياب شخص للعناق، فتشير دراسات جامعة جوته في ألمانيا إلى أن عناق الذات أو لمس أماكن مهدئة في الجسم يمكن أن يمنح تأثيرًا مشابهًا في تخفيف التوتر.

اللمسة المهدئة للذات والعناق يقللان من استجابات الكورتيزول للتوتر

تسلّط هذه الدراسة الضوء على الدور العلاجي للمس في تخفيف الإجهاد لدى الأفراد الشباب.

في هذه الدراسة، خضع 159 مشاركًا سليمًا (96 امرأة، 62 رجلًا، وشخص واحد غير ثنائي الجنس)، تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا، لاختبار نفسي اجتماعي موحد (اختبار ترير للإجهاد الاجتماعي) للتحقق مما إذا كان للمس المهدئ للذات أو تلقي عناق من الآخرين تأثير مخفف على استجاباتهم للإجهاد. بالإضافة إلى ذلك، استكشفت الدراسة ما إذا كانت فعالية هذه التدخلات تتأثر بتصنيف المشاركين لحالة هوية "شخصية" أو "اجتماعية". قدّم المشاركون عينات من الكورتيزول اللعابي، وارتدوا جهاز تخطيط كهربية القلب لتسجيل معدل ضربات القلب، وأكملوا مقاييس الإبلاغ الذاتي عن الحالات العاطفية الذاتية المرتبطة بالإجهاد خلال الدراسة.

نتائج

بالنسبة للكورتيزول، أظهرت نماذج الانحدار ذات التأثيرات المختلطة، مع اعتبار اللمس والهوية عاملين بين المشاركين والوقت عاملًا داخل المشارك، تأثيرًا رئيسيًا ذا دلالة إحصائية للمس، وتفاعلًا ذا دلالة إحصائية بين اللمس والوقت، مما يشير إلى اختلاف مستويات الكورتيزول بين تدخلات اللمس التجريبية. أظهرت اختبارات التباين اللاحقة انخفاض مستويات الكورتيزول لدى المشاركين في كلتا حالتي اللمس بعد التعرض للضغط مقارنةً بأولئك في الحالات الضابطة. لم تختلف معدلات ضربات القلب ومقاييس الإجهاد المبلغ عنها ذاتيًا بين حالات اللمس أو الهوية. كان التفاعل الثلاثي بين اللمس والهوية والوقت غير ذي دلالة إحصائية لأيٍّ من مقياسي النتائج.

مناقشة

وتتوافق هذه النتائج مع العمل السابق الذي يشير إلى أن اللمس الجسدي له تأثيرات وقائية على الاستجابات الفسيولوجية للتوتر ولكن ليس بالضرورة على التوتر المبلغ عنه ذاتيًا، وتشير إلى أن اللمسة المهدئة للذات وتلقي العناق هي وسائل بسيطة ولكنها قوية محتملة لتعزيز قدرة الأفراد على الصمود في مواجهة التوتر. المصدر: NCBI – National Center for Biotechnology Information

الفوائد الصحية للعناق

نشر موقع (WebMD) فوائد عديدة وصحية للعناق ومنها:

1_تخفيف التوتر

عندما تحتضن شخصًا عزيزًا عليك، يُفرز جسمك هرمونًا يُسمى الأوكسيتوسين، يُهدئك ويُحسّن قدرتك على التعامل مع التوتر. على سبيل المثال، قد تضحك، أو تُشتت انتباهك، أو تُحاول حل مشكلة. كما يُمكن أن يُخفّض ضغط الدم لديك ويُخفّض مستويات هرمون التوتر، الكورتيزول، والذي يُمكن أن يُساعدك أيضًا.

2_قد يساعد قلبك

من الجيد لقلبك أن يكون ضغط دمك منخفضًا ومستويات التوتر لديك منخفضة. يقول العلماء إن النساء يحصلن على هذه الفائدة بشكل أوضح من العناق، ولكن يبدو أن هذا ينطبق على كلا الجنسين.

3_يخفف الألم

قد يمنحك العناق الجيد أكثر من مجرد دعم معنوي بعد الإصابة. فالأوكسيتوسين الذي يُفرزه يساعد على حجب إشارات الألم. وهو فعال للغاية لدرجة أن الأطباء يحاولون إيجاد طريقة لعلاج الناس بنسخة مُصنّعة منه في المختبر.

4_مكافحة نزلات البرد

قد يحميك عناق من تثق بهم من هذا الفيروس الشائع، خاصةً إذا كنت تحت ضغط شديد. وإذا كنت مريضًا بالفعل، فإن المزيد من العناق قد يمنع تفاقم أعراضك.

5_يربطك بشريكك

يُطلق على الأوكسيتوسين أحيانًا اسم "هرمون الحب"، وغالبًا ما يرتفع مستوى هذا الهرمون في دمك إذا عانقت شريكك كثيرًا. الأزواج الذين يتعانقون ويقبلون بحرية يكونون أكثر سعادةً وصحةً وأقل توترًا.

6_يساعدك على النوم

الأوكسيتوسين هو العنصر السحري مرة أخرى، ربما لتأثيره المهدئ. لكن بعض الناس يستيقظون كثيرًا إذا ناموا في وضعية احتضان أو "ملعقة". لا بأس بذلك. يمكنك الاستفادة منه كثيرًا خلال الدقائق العشر تقريبًا قبل النوم ليلًا. 

7_يساعدك على الترابط مع طفلك حديث الولادة

يشعر الآباء الذين يحتضنون أطفالهم، وخاصةً من خلال ملامسة الجلد لهم، بقرب أكبر منهم ويكونون أكثر وعيًا باحتياجاتهم. تُظهر الأبحاث أن الآباء أكثر ميلًا للمشاركة، وقد لا تشعر الأمهات بالتوتر أو الحزن. قد يبكي الأطفال أقل، وينامون بشكل أفضل، ويرضعون رضاعة طبيعية أسرع. 

8_جيد لصحة الطفل

يمكن للاحتضان أن يعزز مستويات الأكسجين لدى الرضيع، ويُهدئ تنفسه، ويُخفف إشارات الألم. وبالنسبة للطفل الذي يعاني من نقص الوزن، يزيد الاحتضان من فرص نجاته بأكثر من الثلث. كما يُساعد على نمو الدماغ، ويُقلل من احتمالية الإصابة بالعدوى والأمراض الأخرى، مثل نقص سكر الدم أو انخفاض حرارة الجسم. 

9_عانق هاتفك؟

في إحدى الدراسات، طُلب من المشاركين احتضان وسادة على شكل إنسان مزودة بهاتف مدمج والتحدث مع شريك عبر الجهاز. أظهرت النتائج حصولهم على إحدى أهم فوائد العناق الحقيقي: انخفاض هرمونات التوتر. يدرس العلماء هذا التأثير لمعرفة ما إذا كان سيعزز الدعم الاجتماعي في عصر التكنولوجيا هذا.

الخلاصة

تكشف مجموعة الدراسات التي تناولها هذا التقرير من المسوح الواسعة في ألمانيا، إلى التجارب الفسيولوجية الدقيقة، وصولًا إلى التحليلات النفسية والتقارير البحثية أن العناق ليس سلوكًا عاطفيًا ثانويًا، بل أداة إنسانية ذات أثر قابل للقياس.

فالعناق المنتظم يرتبط بانخفاض القلق والاكتئاب، ويُظهر تأثيرات واضحة على مستويات التوتر والكورتيزول، ويُحسّن كفاءة الجهاز المناعي، ويعزز الروابط الاجتماعية ويقوّي الشعور بالأمان والانتماء. وحتى في غياب شخص يحتضننا، يمكن للمس المهدئ للذات أن يؤدي دورًا مشابهًا في تهدئة الجهاز العصبي.

ورغم ذلك، لا تدّعي الدراسات أن العناق “علاج” قائم بذاته، بل تشير إلى أنه عنصر مكمل، بسيط وفعّال، يمكن أن يدعم الصحة النفسية إلى جانب العلاجات التقليدية. إنه تذكير علمي بأن التواصل الجسدي جزء أصيل من صحة الإنسان، وأن خمس ثوانٍ من الدفء قد تفعل ما تعجز عنه ساعات من الارتباك والقلق.

في النهاية، يبدو أن العودة إلى أبسط صورنا كبشر أن نحتضن ونُحتضن ليست رفاهية، بل حاجة بيولوجية تُعيد اتزاننا وسط عالم يزداد سرعة وضجيجًا.

اضف تعليق