الناجونَ المصابونَ بـ عقدةِ الذنب هم الأكثرُ ألماً؛ لأنهم يظلونَ عالقينَ في تجاربِ الماضي القاسية، عاجزينَ عن المضيِّ في حياتِهم الجديدةِ بسببِ تساؤلاتٍ وجوديةٍ حارقة: لماذا هُم؟ ولماذا أنا؟ لتتحولَ النجاةُ لديهم من هبةٍ إلى ذنبٍ يحتاجُ إلى علاجٍ سلوكيٍّ يعيدُ المنطقَ لنظرتِهم حولَ الحياةِ والموت...
عدد كبير من الناس بعد نجاتهم من الموت والبقاء على قيد الحياة لسبب أو لآخر يشعرون بالذنب الشديد لكونهم لايزالون على قيد الحياة على عكس أقرانهم الذين لم يتمكنوا من النجاة، وأحياناً باعتقادهم أنهم لم يفعلوا ما يكفي لإنقاذ البقية، وهذا الشعور يسبب لهم أذى نفسياً بالغاً مما يؤثر في مستوى صحتهم النفسية، الحالة هذه تدعى (عقدة الناجي).
في الوهلة الأولى لقراءتك للمقدمة يبدو الأمر غريباً أو أنه غير متداول فمثل هذه العقدة ربما لم يسلط عليها ضوء ولم يشار إليها كثيراً إلا أنها موجودة منذ أزمنة بعيدة، فقد شاع هذا المصطلح بعد نجاة عدد من الناس من محرقة (الهولوكوست) الجماعية من قبل النفسيين لوصف شعورهم بالذنب بعد تعرضهم لتلك الجريمة البشعة، إلا أن هذه العقدة بدأت تنسحب على فئات مرضى السرطان وضحايا الحوادث العنيفة والمحاربون والناجون من الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل ومن شهد انتحار أحد أفراد عائلته والمراسلون الصحفيون في مناطق الحروب والكوارث من فقد مقرب لديه بسبب جائحة كورونا.
ماذا تصنف العقدة علمياً؟
تصنف عقدة الناجي بأنها أحد أعراض (اضطراب ما بعد الصدمة) حسب خبراء الصحة النفسية، إذ يبقى شعورهم بالتقصير يلازمهم بعد الموقف الكارثي الذي حصل لهم، هذا ما يشعرون به هم إلا أن الحقيقة أن سنة الله تقتضي أن يموت أناس ويحيا آخرون لحكمة هو يعلمها ويسير الكون وفقها. ومن المفارقات أيضاً قد تظهر عقدة الناجي وحدها دون أن يكون الشخص مصاباً باضطراب ما بعد الصدمة كما يقول النفسيون أيضاً بسبب خوف الفرد من فراق أحبته أو رؤيتهم في موقف خطر ويكون حينها غير قادر على مساعدتهم وانتشالهم.
ربما يظن أحد أن عقدة الناجي تمثل الثمن الطبيعي للنجاة وهو أمر مقبول إذا ما قورن بحجم الألم الذي تعرضوا له وأن ظهور مثل هذه العقدة أمراً عادي لأنهم الأقل ضرراً من أقرانهم الضحايا، إلا أن الحقيقة أن الناجين المصابين بالعقدة هم الأكثر ألماً وعناءً وتعباً نفسياً لأنهم يبقون عالقين ولن يتمكنوا من المضي في حياتهم الجديدة لتعلقهم بالتجارب الماضية القاسية ويزداد الأمر صعوبة إذا كانت المشكلة مستمرة، وهو ما يجعل الأمر صعباً ومعقداً إلى حد كبير لأن المقارنات ستبقى مستمرة مما يجعلهم يقاسون تبعاتها وآثارها الثقيلة.
لماذا يصاب الإنسان بهذه العقدة؟
السبب من وراء هذا النوع من الإصابة بهذه العقدة تعرض الشخص لصدمات الطفولة مثل الاعتداء أو التحرش وتعاطي المخدرات أو الكحوليات وإصابة الفرد بأمراض نفسية أخرى مثل القلق أو الاكتئاب إضافة إلى غياب الدعم النفسي من العائلة أو الأصدقاء. وتقول الطبيبة النفسية (جلاسر) وهي استشارية في مجال الصدمات والتطبيقات السريرية ذات الصلة: "إن ذنب الناجين هو شعور يظهر عادة عندما يشعر شخص ما بالمسؤولية عن خسارة أو تجربة فقد أرواح مؤلمة، أو عندما يتصارع شخص ما مع أسئلة حول لماذا وكيف؟ على سبيل المثال لماذا حدث هذا؟ لماذا كان رد فعلي هكذا؟ كيف يمكنني الاستمتاع بالحياة في حين فقد الآخرون حيواتهم؟ تصبح هذه الأسئلة أكثر قسوة إذا اعتقد الشخص أنه كان بإمكانه فعل شيء مختلف لمنع أو تغيير النتيجة". وفق هذا الرأي فإن الأطفال أو منهم أكبر منهم بقليل الأكثر عرضة للإصابة بهذه العقدة لأنهم لا يمتلكون كماً كافياً من مهارات التكيف فهم يشعرون بالتأثير بشكل أعلى من الأكبر سناً ذوو مهارات التكيف الأفضل إذ أن لديهم (صغار السن) خبرة وثقة أقل في قدرتهم على التصرف أثناء الأحداث الصعبة.
ما العلاج؟
العلاج يأتي على عدة أشكال أولها وأكثرها نفعاً وفاعلية هو العلاج السلوكي المعرفي الذي عبره يساعد المصاب باكتشاف أفكاره السلبية التي تساهم بالشعور بالذنب واختبار الأفكار الغير حقيقية واستبدالها بأخرى منطقية وهو ما يساعد بتخفيف الشعور بالذنب ولوم الذات. كما يمكن مساعدة المريض على استخدام تقنيات اليقظة التي تركز على الانتباه على الحاضر وترك الماضي وما فيه من ذكريات ومشاعر مزعجة، من ثم لابد للمريض من تقبل مشاعره رغم أنها غير منطقية ويتعامل معها على أنها واقع حال وتحتاج إلى فترة كي تعالج وهذا التقبل هو من يسرع في عملية العلاج. ومن أساليب العلاج هو التواصل مع المحيط وعدم الانزواء سيما مع الأهل والأصدقاء لأن هذه المجموعات تفهم مشاعر المريض وتقدم له الدعم النفسي الذي سيوصله للضفة الأخرى. كما أن ممارسة الرعاية الذاتية تكون ذو أثر إيجابي في التعافي ويتمثل ذلك بممارسة الأنشطة التي تشعر الفرد بالرضا مثل التأمل وكتابة اليوميات والقراءة أو القيام بعمل فني يدوي كالرسم أو الخط وممارسة الرياضة، كل هذه التقنيات ممكن أن تقوض دائرة هذا النوع من الاضطراب إلى حد كبير وهي من تعيد المريض تدريجياً إلى حالة السواء.



اضف تعليق