عاداتنا في استخدام الهاتف مدفوعة "اختيار الوسائط". وهذا يعني أن مزاجنا الحالي هو الذي يملي علينا سلوكنا الرقمي. عندما يزداد التأثير السلبي تزداد نزعتنا لاستخدام الهاتف كـ "درع" حيث تستخدم الجهاز لتشتيت نفسك عن فكرة مؤلمة. أصبح هاتفك "منظماً محمولاً" تلتقطه في اللحظة التي تصبح فيها الحياة غير مريحة...

توقف عن النظر إلى هاتفك بوصفه "مُصلحاً للمزاج". أدرك تماماً أنه وسيلة تشتيت قد تؤخر تعافيك العاطفي بدلاً من مساعدته. ففي دراسة حديثة نُشرت في مجلة Emotion كشفت عن حقيقة صادمة حول علاقتنا بالهواتف الذكية؛ حيث أثبتت البيانات التي شملت أكثر من 50 ألف نقطة تحليل أن الهواتف تعمل كأداة "تشتيت" لا "علاج". حيث أن لجوءنا للشاشات عند الشعور بالقلق أو الإحباط -سواء للتعبير عن المشاعر أو للهروب منها- لا يقدم أي تحسن ملموس في الحالة المزاجية على مدار ثلاث ساعات، بل إن التصفح العشوائي لوسائل التواصل بغرض التجنب قد يؤدي لنتائج عكسية تزيد من وطأة الشعور السلبي لاحقاً.

النقاط الرئيسية

* قاعدة بيانات ضخمة: حلل الباحثون أكثر من 50,000 نقطة بيانات من أكثر من 1,000 شخص بالغ لتتبع كيفية تأثير الهواتف الذكية على العواطف في الوقت الفعلي.

* فخ الاختيار: يميل الناس بشكل ملحوظ للجوء إلى هواتفهم للتعبير عن مشاعرهم أو لتجنب الواقع عندما يشعرون بالإحباط أصلاً.

* انعدام التحسن: رغم استخدام الهاتف كأداة للشعور بالتحسن، لم يكن هناك دليل ملموس على أن استخدام الهاتف الذكي يقلل فعلياً من المشاعر السلبية خلال نافذة زمنية مدتها ثلاث ساعات.

* نتائج عكسية للتجنب: ارتبط استخدام الهاتف خصيصاً "لتجنب" المشاعر بزيادة طفيفة في التأثير السلبي لاحقاً.

* انقسام سلوكي: بينما يؤدي "التعبير" عن المشاعر إلى مزيد من المراسلات المباشرة، يؤدي "تجنب" المشاعر إلى التصفح العشوائي لوسائل التواصل الاجتماعي.

"الضمادة" الرقمية التي لا تعمل

لقد مررنا جميعاً بهذا الموقف. تمر بيوم عصيب في العمل، أو تشعر بموجة مفاجئة من القلق، فتصل يدك بشكل غريزي إلى هاتفك الذكي.

قد تراسل صديقاً لتنفس عن غضبك، أو تفتح تطبيقاً للتواصل الاجتماعي لتفقد نفسك في بحر من الفيديوهات القصيرة. يبدو الأمر كحل في اللحظة الراهنة، ولكن بعد ساعة، لا يزال ذلك الشعور الثقيل في صدرك قائماً.

هذا الإحباط مدعوم الآن بالعلم الصارم؛ حيث نشر الباحث الرئيسي ديفيد دي سيغوفيا فيسنتي وفريقه في جامعة غينت مؤخراً دراسة رائدة في مجلة *Emotion*. وتؤكد عملهم أنه برغم استخدامنا لأجهزتنا كأدوات عاطفية، إلا أنها لا تؤدي المهمة التي نرجوها منها فعلياً.

من خلال فحص حياة أكثر من 1,000 شخص، وجد الفريق فجوة كبيرة بين سبب إمساكنا بهواتفنا والأثر الفعلي لها على صحتنا العقلية.

لماذا نلجأ إلى الشاشة: تأثير اختيار الوسائط

وفقاً للباحث الرئيسي ديفيد دي سيغوفيا فيسنتي، فإن عاداتنا في استخدام الهاتف مدفوعة بما يسميه العلماء "اختيار الوسائط". وهذا يعني أن مزاجنا الحالي هو الذي يملي علينا سلوكنا الرقمي.

عندما يزداد التأثير السلبي (وهو مصطلح علمي للمزاج السيئ أو التوتر أو القلق)، تزداد نزعتنا لاستخدام الهاتف كـ "درع" أو "مكبر صوت". وتتبعت الدراسة استراتيجيتين أساسيتين:

الأولى هي التعبير عن العاطفة، حيث تستخدم الهاتف لإخبار الآخرين بما تشعر به.

والثانية هي تجنب العاطفة، حيث تستخدم الجهاز لتشتيت نفسك عن فكرة مؤلمة.

أظهرت البيانات أن الأفراد لجأوا باستمرار إلى هذه الاستراتيجيات عندما شعروا بـ "الإحباط" أو "القلق". لقد أصبح هاتفك "منظماً محمولاً" تلتقطه في اللحظة التي تصبح فيها الحياة غير مريحة.

الحقيقة المرة: الهواتف الذكية لا تخفض التوتر

النتيجة الأكثر صدمة التي توصل إليها الفريق هي "نقص آثار الوسائط". فعلى الرغم من أن المشاركين كانوا يأملون أن تساعدهم هواتفهم على الشعور بالتحسن، إلا أن البحث لم يظهر أي دليل على "ضبط خافض" للمزاج السيئ.

بصيغة أبسط: الهاتف لا يقلل فعلياً من مستويات التوتر لديك أو يجعلك أقل حزناً خلال الساعات الثلاث التالية. وجد ديفيد دي سيغوفيا فيسنتي وزملاؤه أنه بينما نعتقد أننا نساعد أنفسنا، تظل الحالة العاطفية دون تغيير إلى حد كبير.

أما بالنسبة لأولئك الذين استخدموا هواتفهم للتجنب، كانت النتائج أكثر إثارة للقلق؛ فقد ارتبطت هذه الاستراتيجية فعلياً بزيادة طفيفة في المشاعر السلبية في وقت لاحق من اليوم. وهذا يشير إلى أن "الاختباء" في هاتفك قد يجعل العبء العاطفي أثقل عندما ترفع عينيك أخيراً عن الشاشة.

التصفح مقابل المراسلة: كيف تشكل تطبيقاتك مزاجك

استخدم الباحثون "الاستشعار السلبي"، أو السجلات الرقمية، لمعرفة ما يفعله الناس بالضبط على هواتفهم. واكتشفوا انقساماً واضحاً في كيفية خدمة التطبيقات المختلفة للأهداف العاطفية المتباينة.

وفقاً للدراسة، إذا كان هدفك هو التعبير عن مشاعرك، فمن المرجح أن تقضي وقتاً في تطبيقات التواصل مثل واتساب أو تيليجرام. ومع ذلك، إذا كان هدفك هو التجنب، فمن المرجح أن تقع في فخ "التصفح العشوائي" على منصات التواصل الاجتماعي.

وجد الفريق أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرغبة في الانفصال عن الواقع. هذه المنصات مصممة للاستحواذ على انتباهك، مما يجعلها الأداة المثالية لمن يريد تجاهل مشاكله الحالية. ولسوء الحظ، فإن هذا "الهروب الصغير" لا يؤدي إلى راحة طويلة الأمد.

هل استخدامك للهاتف مسألة شخصية؟

كان أحد الأسئلة الرئيسية للدراسة هو ما إذا كانت هذه التأثيرات متطابقة لدى الجميع. استخدم الفريق نهجاً مخصصاً لكل فرد لمعرفة ما إذا كان بعض الأشخاص "أفضل" من غيرهم في استخدام هواتفهم لإدارة الحالة المزاجية.

ووجدوا أنه بينما تختلف أسباب لجوء الناس لهواتفهم بشكل كبير، فإن النتائج كانت متسقة بشكل ملحوظ لدى الجميع؛ فلم يشهد أي شخص تقريباً في الدراسة تحسناً كبيراً ومستداماً في المزاج نتيجة استخدام هاتفه لتنظيم عواطفه.

ومن المثير للاهتمام أن الباحثين لاحظوا فجوة عمرية؛ حيث كان المشاركون الأصغر سناً أكثر عرضة لاستخدام هواتفهم لتنظيم العواطف مقارنة بالبالغين الأكبر سناً. وهذا يشير إلى أن الأجيال الشابة قد تكون أكثر اعتماداً على الأدوات الرقمية "للشعور بالتحسن"، حتى لو كانت تلك الأدوات لا تعمل فعلياً.

ماذا يعني هذا بالنسبة لك

الخلاصة الجوهرية هي أن هاتفك الذكي أداة تفاعلية وليست علاجية. أنت تستخدمه للتعايش مع حالة مزاجية، لكن الجهاز نفسه لا يوفر الحل العاطفي الذي تحتاجه لتجاوز تلك الحالة فعلياً.

1. حدد نقطة التأثير

* البصيرة: وجد البحث أن "التجنب" عبر التصفح يمكن أن يؤدي فعلياً لزيادة طفيفة في المشاعر السلبية بمرور الوقت.

* الإجراء: عندما تشعر بالرغبة في التصفح "لنسيان" يوم سيئ، اضبط مؤقتاً لمدة خمس دقائق. إذا كنت لا تزال تشعر بنفس الشعور بعد خمس دقائق، ضع الهاتف في غرفة أخرى ومارس نشاطاً بدنياً كالمشي أو التمدد.

2. حسّن "محرك الاختيار"

* البصيرة: نلجأ للهواتف غالباً عندما يكون التأثير السلبي مرتفعاً.

* الإجراء: أنشئ "حقيبة إسعافات أولية رقمية". بدلاً من فتح وسائل التواصل، خصص مجلداً في هاتفك يحتوي فقط على تطبيق أو تطبيقين يتطلبان مشاركة نشطة، مثل تطبيق تدوين اليوميات أو تطبيق للتنفس الموجه.

3. التدخل الاجتماعي

* البصيرة: وجد الفريق أن التعبير عبر تطبيقات التواصل مرتبط بدعم "الروابط القوية" أكثر من وسائل التواصل الاجتماعي.

* الإجراء: إذا كنت تشعر بالإحباط، تجاوز منشور وسائل التواصل الاجتماعي. أرسل رسالة مباشرة لشخص واحد تثق به. ورغم أن الدراسة تظهر أن هذا قد لا يصلح مزاجك فوراً، إلا أنه على الأقل يعزز القرب الاجتماعي الذي يفتقر إليه التصفح الرقمي.

* المصدر: simplypsychology.org

اضف تعليق