يتسارع سباق الذكاء الاصطناعي بينما تتزايد تحذيرات صادرة من داخل الشركات نفسها بشأن صعوبة المراقبة، ومخاطر الأمن السيبراني، واضطراب سوق العمل. وبين الدعوات السياسية إلى وقف التطوير ومقترحات إبطاء الوصول إلى الذكاء الفائق، تتشكل معضلة دولية: كيف يمكن الحفاظ على الابتكار والتنافس من دون دفع التكنولوجيا إلى سرعة تتجاوز قدرة الحكومات والمجتمعات والاقتصادات على التكيف معها بصورة آمنة ومتوازنة ومستدامة.

لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي يدور حصراً حول قدرته على كتابة النصوص أو إنتاج الصور أو تسريع بعض الأعمال التي يؤديها البشر، فقد انتقل خلال فترة قصيرة إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بقدرة الأنظمة الجديدة على تنفيذ مهام مهنية بصورة متزايدة من الاستقلالية، وبالحدود التي يمكن أن تصل إليها هذه القدرات إذا استمر التطوير بالوتيرة الحالية، وبما إذا كانت المؤسسات السياسية والقانونية والاجتماعية تملك الوقت الكافي للتكيف مع تحول تقني تتنافس الشركات والدول على تسريعه.

جاء يوم الثالث من أيلول/سبتمبر 2026 ليعكس هذه المفارقة بصورة واضحة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه شركة «أوبن أي آي» إطلاق نموذجها الجديد «جي بي تي-6 أسترا»، ووصف رئيسها غريغ بروكمان النموذج بأنه قفزة جيلية يمكن أن يُنظر إليها مستقبلاً باعتبارها وصولاً إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي العام، كان السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز يدعو في اليوم نفسه إلى وقف تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة وحظر تطوير الذكاء الفائق بصورة دائمة. ولم يكن التزامن بين الحدثين مجرد اختلاف سياسي حول تقنية جديدة، بل عكس اتساع المسافة بين سرعة التقدم التقني وقدرة المؤسسات العامة على تحديد قواعد التعامل معه.

أسترا، وفق ما أعلنته «أوبن أي آي»، لا يقتصر على تقديم اقتراحات للمستخدم، وإنما صُمم للعمل داخل البرمجيات وتنفيذ مهام أكثر تعقيداً، من التعامل مع مستندات قانونية وبرامج هندسية إلى المساعدة في أعمال علمية وتقنية متعددة، وهي قدرات تعكس انتقال الذكاء الاصطناعي تدريجياً من موقع الأداة التي تساعد الإنسان إلى موقع النظام القادر على تنفيذ أجزاء أكبر من العمل بصورة مستقلة. غير أن الشركة نفسها أقرت بأن النموذج بلغ مستوى وصفته بأنه «حرج» في بعض القدرات المتعلقة بالأمن السيبراني، وأن إطلاقه أُبطئ سابقاً لإجراء اختبارات سلامة إضافية.

هذه النقطة تحديداً نقلت النقاش إلى منطقة أكثر حساسية، لأن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمدى قوة النموذج، وإنما بمدى قدرة المطورين على مراقبة سلوكه عندما تصبح مهامه أكثر تعقيداً واستقلالية. فقد أقرت «أوبن أي آي» بأن أسترا كان أكثر صعوبة في المراقبة خلال اختبارات صُممت لمعرفة مدى قدرته على الإفلات من الرقابة، ووصفت تراجع قابلية المراقبة بأنه مسألة جدية تستحق مواصلة البحث، في وقت تؤكد فيه الشركة أنها تعمل على تطوير أدوات أفضل لمتابعة طريقة عمل النماذج المتقدمة.

تحذيرات تأتي من داخل المختبرات

اللافت أن القلق من المسار الذي يسلكه الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصراً على سياسيين أو نقاد للتكنولوجيا، بل بات جزءاً من الخطاب العلني لقادة الشركات التي تطور أكثر النماذج تقدماً. الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي قال في أيلول/سبتمبر 2025 إنه يضع احتمال أن تسير تطورات الذكاء الاصطناعي في اتجاه سيئ للغاية عند 25 في المئة، مقابل احتمال أكبر بأن تكون النتائج إيجابية، وهو تقدير لا يمثل توقعاً علمياً محسوماً بقدر ما يعكس مستوى القلق الموجود لدى أحد أبرز العاملين في الصناعة نفسها.

المفارقة هنا أن الشركات الأكثر تحذيراً من المخاطر هي أيضاً جزء من المنافسة على تطوير الأنظمة الأكثر قدرة. فـ«أنثروبيك»، التي ارتبط اسمها منذ تأسيسها بقضايا سلامة الذكاء الاصطناعي، تواصل بناء نماذج متقدمة، بينما تعمل «أوبن أي آي» و«غوغل» و«ميتا» ومنافسون آخرون على زيادة القدرات وإطلاق أجيال جديدة بوتيرة متسارعة. ولا يعني هذا بالضرورة وجود تناقض متعمد بين الخطاب والممارسة، لأن الشركات ترى أن الاستمرار في التطوير يمكن أن يترافق مع الاستثمار في السلامة، إلا أن طبيعة المنافسة تجعل الإبطاء المنفرد أكثر صعوبة.

الشركة التي تقرر التوقف أو تقليص استثماراتها لا تعمل في فراغ، وإنما في سوق يتنافس فيه عدد من أكبر الفاعلين التكنولوجيين، وفي بيئة دولية أصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً من المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين وقوى أخرى. ومن هنا تتحول السلامة من قرار داخلي تستطيع شركة منفردة اتخاذه إلى مشكلة تنسيق جماعي، لأن كل طرف قد يرى فائدة في الإبطاء لكنه يخشى أن يستغل المنافس هذا التوقف لتحقيق تقدم يصعب تعويضه لاحقاً.

عندما تصبح السرعة جزءاً من الخطر

في تموز/يوليو 2026، قدم «مشروع مستقبل الذكاء الاصطناعي» تصوراً يقوم على فكرة مختلفة عن الحظر الكامل، إذ دعا إلى إبطاء المسار نحو الذكاء الفائق ومحاولة تأجيل الوصول إليه حتى عام 2040، على أساس أن الخطر لا يرتبط بوجود التكنولوجيا فقط، وإنما بالمدة الزمنية التي تحصل خلالها التحولات الكبرى. فانتقال يمتد سنوات طويلة يمنح الحكومات والأسواق والمؤسسات الاجتماعية فرصة أكبر لتطوير القوانين وآليات الرقابة والاستعداد للآثار الاقتصادية، بينما قد يؤدي انتقال شديد السرعة إلى وضع تجد فيه المؤسسات نفسها أمام قدرات جديدة قبل أن تكون قد حددت كيفية التعامل معها.

المقترح يدعو إلى زيادة شفافية مختبرات الذكاء الاصطناعي، وتوزيع القوة التقنية بين عدد أكبر من الشركات والدول، وإقامة ترتيبات دولية تمنع تحول الوصول إلى الذكاء الفائق إلى سباق سري لا يخضع إلا لمنطق التفوق على المنافس. كما يطرح اتفاقاً بين القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة والصين، لإبطاء التطوير بصورة يمكن التحقق منها، وهي فكرة طموحة تصطدم عملياً بدرجة مرتفعة من انعدام الثقة والمنافسة الجيوسياسية بين الدولتين.

الإبطاء، وفق هذا المنطق، لا يعني تجميد الابتكار أو العودة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما محاولة تقليل الفجوة بين سرعة تطوير القدرات وسرعة بناء المؤسسات القادرة على مراقبتها. إلا أن تطبيق مثل هذا المسار يواجه مشكلة أساسية تتمثل في تحديد التكنولوجيا التي ينبغي إبطاؤها، والجهة المخولة بتقييم مستوى الخطورة، والطريقة التي يمكن من خلالها التأكد من التزام الشركات والدول بالقواعد نفسها من دون تحويل الرقابة إلى وسيلة لعرقلة المنافسين أو حماية الشركات المهيمنة.

بين الحظر والتنظيم

دعوة بيرني ساندرز إلى حظر الذكاء الفائق دفعت النقاش خطوة إضافية نحو السياسة، إذ رأى أن مستقبل هذه التكنولوجيا لا ينبغي أن يبقى في يد مجموعة محدودة من شركات التكنولوجيا الكبرى، ودعا الحكومة الأمريكية إلى التعاون مع دول أخرى لمنع تطوير أنظمة تفوق البشر في قدراتها ويمكن أن تعمل باستقلالية واسعة. لكن حتى داخل النقاش الأمريكي لا يوجد توافق حول مثل هذا الاتجاه، كما أن الدعم السياسي للتشريع المقترح لم يكن واضحاً عند الإعلان عنه.

وفي المقابل، يرى منتقدو الخطاب المتشائم أن التركيز المفرط على سيناريوهات الذكاء الفائق قد يؤدي إلى تضخيم القدرات الحالية للتكنولوجيا وصرف الانتباه عن آثار أكثر مباشرة تحدث الآن، كما يعتبر بعضهم أن تصوير أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها قريبة من امتلاك قدرات شبه غير محدودة يمكن أن يتحول، من حيث النتيجة، إلى شكل من أشكال الدعاية للصناعة نفسها. ويشير تقرير «أكسيوس» عن دعوة ساندرز إلى وجود هذا الاتجاه الذي يطالب بالتركيز على التأثيرات الواقعية التي يمكن قياسها بدلاً من بناء السياسات حصراً على سيناريوهات مستقبلية شديدة الخطورة وغير مؤكدة.

وبين الحظر الشامل والاستمرار من دون قيود تظهر مساحة واسعة من الخيارات التنظيمية، بدءاً من فرض اختبارات أمان مستقلة على النماذج المتقدمة، مروراً بزيادة شفافية الشركات وتحديد متطلبات خاصة للأنظمة القادرة على تنفيذ مهام حساسة، وصولاً إلى وضع قواعد للتعامل مع القدرات السيبرانية والأنظمة التي تعمل بدرجات مرتفعة من الاستقلالية. ويعتمد نجاح أي من هذه الخيارات على قدرة الحكومات على فهم التكنولوجيا بالسرعة نفسها التي تتطور بها تقريباً، وهو تحد يصعب تحقيقه عندما تتغير قدرات النماذج خلال أشهر بينما تحتاج التشريعات والمؤسسات التنظيمية سنوات في كثير من الأحيان للوصول إلى قواعد مستقرة.

الوظائف قد تكون الاختبار الأقرب

بعيداً عن احتمال الوصول إلى ذكاء يفوق القدرات البشرية، بدأت الآثار الاقتصادية المباشرة للذكاء الاصطناعي تفرض نفسها على النقاش. ففي خريف 2025، رصدت «أكسيوس» شركات كبرى تخفض أعداد الموظفين أو تبطئ التوظيف في وقت تتوسع فيه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، مشيرة إلى أن بعض الإدارات التنفيذية تتوقع مستقبلاً تستطيع فيه الشركات تحقيق إنتاجية أكبر باستخدام قوى عاملة بشرية أصغر.

أمودي كان قد حذر من احتمال أن يؤدي تطور النماذج اللغوية إلى إزاحة نسبة كبيرة من الوظائف المكتبية المخصصة للمبتدئين، فيما يعكس الاستثمار المتزايد في تدريب النماذج على مهارات الأطباء والمحامين والمحللين وغيرهم رغبة واضحة في نقل الذكاء الاصطناعي من الأعمال الروتينية إلى مجالات مهنية كانت تحتاج حتى وقت قريب إلى تدريب وخبرة بشرية طويلة. ومع ذلك، تبقى النتائج النهائية لسوق العمل غير محسومة، لأن موجات التكنولوجيا السابقة ألغت وظائف وخلقت وظائف أخرى، وإن كانت مراحل الانتقال نفسها غالباً أكثر إيلاماً من الصورة التي تظهر بعد استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.

ولهذا قد يكون اضطراب سوق العمل أحد أهم المؤشرات العملية على قدرة المجتمعات على التكيف مع سرعة الذكاء الاصطناعي. فإذا حدث التحول على مدى سنوات طويلة، يمكن لأنظمة التعليم والتدريب وأسواق العمل والسياسات الاجتماعية أن تعيد توجيه العمال نحو أنشطة جديدة، أما إذا حدثت موجة إحلال واسعة خلال فترة قصيرة، فإن المشكلة قد لا تكون في انخفاض عدد الوظائف وحده، وإنما في عدم قدرة المؤسسات على إعادة توزيع المهارات والدخل والفرص بالسرعة المطلوبة.

سباق لا يستطيع أحد إبطاءه منفرداً

تصل المعضلة إلى جوهرها عندما تنتقل من مستوى الشركة إلى مستوى الدولة. الولايات المتحدة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعاً تجارياً فقط، وإنما مورداً استراتيجياً له علاقة بالتفوق العلمي والعسكري والاقتصادي، والصين بدورها تستثمر في بناء قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية، بينما تحاول دول أخرى بناء مواقعها داخل النظام التكنولوجي الجديد. وفي بيئة من هذا النوع، تصبح أي دعوة إلى الإبطاء مرتبطة مباشرة بمسألة الثقة بين المنافسين.

اتفاق دولي يمكن التحقق منه قد يوفر حلاً نظرياً، لكنه يحتاج إلى تعريف واضح للقدرات التي تخضع للقيود، وآليات لرصد الالتزام، وتوافق سياسي بين دول تختلف في مصالحها ومفاهيمها للأمن والسيادة. كما أن انتشار المعرفة والباحثين والبنية التحتية الحاسوبية يجعل الرقابة على الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً من الرقابة على تقنيات مادية محددة، وهو ما يفسر لماذا تبدو مقترحات الإبطاء أكثر سهولة من حيث التصور النظري منها من حيث التنفيذ العملي.

مع ذلك، فإن صعوبة التنظيم لا تلغي دوافعه. فإذا كانت الشركات التي تطور النماذج الأكثر تقدماً تعتبر أن بعض القدرات تحتاج إلى اختبارات إضافية، وإذا كان الباحثون داخل الصناعة نفسها يناقشون مشكلات المراقبة والسيطرة، فإن ترك وتيرة التطور لآليات السوق والمنافسة وحدها قد لا يكون كافياً، خصوصاً عندما يمكن أن تتجاوز آثار التكنولوجيا الحدود الوطنية وتنتقل من الاقتصاد إلى الأمن السيبراني والعلوم والسياسة والإعلام.

الخوف لا يلغي المكاسب

في المقابل، يصعب التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مساراً من المخاطر فقط، لأن القدرات نفسها التي تثير المخاوف يمكن أن تستخدم لتسريع البحث العلمي وتحسين التشخيص الطبي ورفع الإنتاجية وتطوير البرمجيات ومعالجة مسائل معقدة في الهندسة والعلوم. وقد عرضت «أوبن أي آي» استخدامات علمية وتقنية متعددة لأسترا، فيما يواصل قطاع التكنولوجيا ضخ استثمارات ضخمة انطلاقاً من توقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيصبح إحدى أهم البنى الأساسية للاقتصاد العالمي.

لهذا فإن النقاش حول الإبطاء ليس مواجهة بسيطة بين مؤيدين للتقدم ورافضين له، وإنما خلاف حول توزيع المخاطر والمكاسب والوقت. الشركات تريد تطوير منتجات أكثر قدرة قبل منافسيها، والدول تريد الاحتفاظ بتفوقها التكنولوجي، والعمال يريدون ضمان ألا تتحول زيادة الإنتاجية إلى فقدان واسع للوظائف، فيما تريد الحكومات الحصول على فوائد التكنولوجيا من دون تحمل كلفة اضطرابات قد يصعب احتواؤها لاحقاً.

المشكلة أن مصالح هذه الأطراف لا تتحرك بالإيقاع نفسه، فالشركات تقيس الزمن بدورات تطوير قد تمتد أشهراً، والأسواق المالية تراقب النتائج الفصلية، بينما تحتاج المؤسسات التعليمية والتشريعية والاجتماعية إلى سنوات لإعادة بناء هياكلها، ومن هنا يمكن أن تصبح السرعة في حد ذاتها عاملاً مستقلاً عن مسألة كون التكنولوجيا جيدة أو سيئة.

في النهاية، لا تقدم المعطيات الحالية دليلاً حاسماً على أن الذكاء الاصطناعي الفائق بات وشيكاً أو أن فقدان السيطرة عليه نتيجة محتومة، كما لا تقدم ضمانة بأن زيادة قدرات النماذج ستبقى دائماً داخل الحدود التي يستطيع البشر إدارتها بسهولة. ما يظهر بوضوح أكبر هو أن النقاش انتقل من خارج مختبرات التكنولوجيا إلى داخلها، وأن التحذيرات لم تعد صادرة فقط عن خصوم الصناعة، بل عن بعض الذين يقودونها أيضاً.

قد لا يكون الاختيار الحقيقي بين إيقاف الذكاء الاصطناعي وتركه يتطور بلا حدود، وإنما بين سباق تحدد سرعته المنافسة وحدها، ومسار تحاول فيه الشركات والدول بناء قواعد تسمح للتكنولوجيا بالتقدم من دون أن تصبح سرعة التقدم أكبر من قدرة المجتمع على استيعاب نتائجه. وفي هذه المسافة بين الابتكار والحذر تتحدد واحدة من أكثر المعضلات التقنية والسياسية تعقيداً في السنوات المقبلة.

اضف تعليق